محنَةُ العقل العربي، بين الوَحي والوَعي!

الدكتور فيكتور الزمتر*

لم يَكُنْ العالمُ بحاجةٍ لمأساة غزَّة، ليكتشفَ عُقم العقل العربي في إيجاد حلٍّ لجُلجُلة فلسطين المُتمادية، على مدى ما يقربُ من ثمانية عُقود. ففي حين يُتابعُ القاصي والداني، بذُهولٍ، فصولَ تلك المأساة الدامية، تتزيَّن الأنظمةُ العربيةُ بجمودٍ جليديٍّ وعجزٍ موصوفٍ، يدحضان ما يُحكى عن النخوة العربية.

لقد استنزفَ العربُ مُرادفات الإدانة والشجب والتنديد والإستنكار، بدونِ أن يأنسَ حاكمٌ أو مسؤولٌ عربيٌّ واحدٌ حميةَ الإقدام على الإستقالة، تحريكًا للدماء الراكدة في عروق الرأي العام ونُخَبه.

لَكَمْ سمعنا عن قَطْعِ بعض الدول، في مغارب الأرض ومشارقها، علاقاتها الديبلوماسية أو خفضٍ تمثيلها مع إسرائيل، اعتراضًا على عدوانيتها بحقّ الفلسطينيين، أصحاب الحقّ والأرض. إلّا إنَّنا لم نسمعْ همسةً من حكومة عربيةٍ مُطَبِّعَةٍ تؤشِّرُ إلى اقتفاء هذا الإجراء النبيل الواجب، أقلُّه تخفيض مستوى التمثيل الديبلوماسي!

لقد شهدَ الأسبوعُ الفائتُ، استقالةَ وزير خارجية هولندا، كاسبار فيلدكامب، من منصبه، لفشله في تأمين عقوباتٍ ضدَّ إسرائيل. وكان الإتحادُ الأوروبي عمدَ إلى مُراجعة شراكته الإقتصادية مع تل أبيب، احتجاجًا على رعونتها، بينما ازدادت وتيرةُ التعاونُ بين إسرائيل والدول العربية المُطبِّعة.

هذه المُفارقاتُ تُظهرُ انفصامًا في العقل العربي، بين ما يدَّعيه من التزامٍ عُضويٍّ بقضية فلسطين، وبين تخاذُله في إقران الإدِّعاء بالفعل. وللإنصاف، إنَّ التزامَ عوامُ العرب بفلسطين لا تشوبُه شائبةٌ، إنَّما ألفُ باء الشائبة يكمنُ في العقل العربي، عامَّةً وقادةً ونُخَبًا، مِصداقًا للقول أنَّ “الإناءَ ينضحُ بما فيه”.

معروفٌ أنَّ غالبيةُ الدول العربية مُستقلَّةٌ إسميًّا، لكنَّها غيرُ مُمسكةٍ بقرارها، نتيجة فشل قادتها بالتحرُّر من التبعية الأجنبية. فالإستقلالُ مسارٌ دونَ بُلوغه الناجز نضالٌ، يقودُه عقلٌ مُتحرِّرٌ من الأضاليل الدخيلة على موروثاته، وغيرُ مُكبَّلٍ بقيود الإنقياد والإستعباد. فعلى مدى عُقودٍ، والعالمُ العربي مُشرّعُ الأبواب لهيمَنَة الخارج، بقدر ما هو مُجتَمَعُ تَبَعيٌّ واستهلاكيٌّ بامتيازٍ، يستوردُ ما أبدعَه العقلُ الأجنبي من مُستلزمات الحياة الأساسية والكمالية، نقضًا لمعنى الإستقلال.

إنَّ الغوصَ بعُمق الفكر العربي ضروريٌّ لتحليل موروثاته، بهدف تحريره من أسْرِ الماضي وممّا لحقَ ببصيرته من تَشَوُّهات، عمَّقت انقسامَ مُجتمعه، عَبر اعتبار غِنَى تنوُّعه عَوْرَة، نخرت نواةَ وحدته فشرذمَتها! وهذا يعكسُ ضيقَ مساحة الفكر الحرّ وغياب العقل الناقد، ما يعدمُ الإبداع الفكري والعلمي. والدليلُ على ذلك، تمايُزُ العقول العربية المُهاجرة في غُربتها، بينما تنعمُ العقولُ المُقيمةُ بجهلِها وبخُمولِها!

يقولُ الفيلسوف الفرنسي “رينيه ديكارت” (1596-1650): “العقلُ أعدل قاسمٍ مشتركٍ بين الناس”. ومع ذلك، لا يكفي أن يكون للمرء عقلٌ، بل المطلوب أنْ يُحسِنَ استخدامَه، لأنَّه سلاحٌ ذو حدَّين.

فملكةُ العقل جامعةٌ لقوى الإدراك، تاجُها الوعي ورصيدُها المعرفة، ما يُمكِّنُ المرءَ من التفكير والملاحظة والتحليل والتقدير والتمييز والتحكُّم بالسلوك، قبل الإقدام على موقفٍ أو تقرير فعلٍ ما، وِفق ظُروف البيئة المُحيطة.

والكلامُ على العقل لا يكتملُ بدون الإشارة إلى مُصطلح “العقلانية”، القائمة على المنطق كمصدرٍ أساسيٍّ للتصرُّف السليم، وكمنهجيةٍ مِعيار المعرفة فيها قائمٌ على الفكر والإستنباط، بديلًا من شطط العواطف والإجتهادات المُضلِّلَة.

يُعرِّفُ عالمُ النفس واللِّسانيات، الكندي الأميركي “ستيفن أرثر بينكِر” (Steven Arthur Pinker)، “العقلانية” بأنَّها “استعمالُ المعرفة لبلوغ الأهداف. وهي القوَّةُ الدافعةُ لتحقيق العدالة الإجتماعية والتقدُّم البشري، (مُؤكِّداً أنَّ) التحيُّزات والمُغالطات المعرفية تؤدّي إلى اللّاعقلانية، (مُسَلِّطًا الضوء) على دور العقلانية الجماعية، المدعومة بمؤسَّسات العلوم والصحافة، في اتخاذ قراراتٍ سليمةٍ وفي إقامة مجتمعٍ أكثر استنارة”.

وعليه، إنَّ القُدرةَ على استخدام العقلنة، المُنبثقة من العلم والمعرفة كنهج حياة، تُرشدُ المُجتمعات إلى خيرها وصلاحها. بينما إصرارُ المُجتمع على تغييب الفكر، خضوعًا للتقاليد والمعتقدات المُشَوَّهَة، يؤدّي به إلى الضلال والتهلكة.

يُعتَقَدُ، على نطاقٍ واسعٍ، أنَّ العديدَ من الدول العربية يفتقرُ، اليوم، إلى الحُكمِ الرشيد، بقدر افتقار هذه الدول للتنمية الفكرية والإجتماعية والإقتصادية بالمُقارنة مع المتوسِّطات العالمية، وكأنَّ الزمن توقَّف مع حلول القرنين الثاني عشر والثالث عشر. لكنَّ المُفارقةَ أنَّ العربَ كانوا، بين القرنين التاسع والحادي عشر، مُتفوِّقين على الغرب الأوروبي، في العلوم والطب والفلسفة والإجتماع والإقتصاد.

فقد ألقى بعضُ المُفكِّرين الإصلاحيين، من العرب والمُستشرقين، مسؤولية تخلُّف العرب على تحالُفِ رجال الدين مع رجال السلطة. كما جاهرَ هؤلاء الإصلاحيّون بمسؤولية عُلماء الدين الوازنة في محاربة الفلسفة والإجتهاد، وفي تهميش وتهشيم “العقلانية” ونشر التصوُّف، من خلال شيطنة وتكفير رجال الفكر وحرق مؤلَّفاتهم وإباحة دمائهم. ولعلَّ هذا ما دفع الفيلسوف المغربي، محمد عابد الجابري، إلى مهاجمة الإمام الشافعي، أحد أبرز مرجعيات الإسلام، بقوله: “لقد تركَ الغزالي جرحًا غائرًا داخل العقل العربي الذي يستمرُّ بالنزيف”. ومع بداية الإستعمار، أواخر القرن الثامن عشر، استأنسَ العربُ بمُصطلح “المُؤامرة”، حتى غدا، لتاريخه، ثابتةً في اللّاوعي العربي، هروبًا من الإعتراف بالمسؤولية.

باختصار، أمام العرب تجربةٌ رائدة تتمثَّلُ بحركة الإصلاح الديني في أوروبا في القرن السادس عشر ضدَّ السلطة الكنسية وانحراف رجال الدين عن رسالة الإيمان والأخلاق، وتقييدهم العقل والعلم، والتي نقلت الشعوبَ الأوروبية من ظُلَمات صكوك الغفران، إلى الثورة الصناعية وفصل الدين عن الدولة، وُصولًا إلى الذكاء الإصطناعي. وعليه، لا يُخامرُني شكٌّ بأنَّ اقتفاءَ العرب لهذه التجربة الإصلاحية الرائدة حاصلٌ لا محالة، فهي مسألةُ وقتٍ لا أكثر، وخيرُ البرِّ عاجلُه.

إنَّ الوضعَ العربي ليس بخيرٍ إذْ بلغَ حدَّ الزوال، ما سمحَ للإستعمار المُقَنَّع بإطالة إقامته، ولقادة إسرائيل بأنْ يسرحوا ويمرحوا، قتلًا وتدميرًا وتهجيرًا، وبالإدِّعاء بإنَّهم  حملةُ رسالةٍ روحانيةٍ لإنشاء إسرائيل الكُبرى على حساب كامل فلسطين التاريخية والأردن، وأجزاء من مصر والسعودية وسوريا ولبنان والعراق.

لذلك، على النُخَب العربية أنْ تتسلَّحَ بشجاعة الإقدام، وأنْ تتنادى، بدعمٍ من بعض الحُكّام ورجال الدين المُتنوِّرين، إنْ وُجدوا، للتبشير بحركة إصلاحٍ جذريةٍ مُلحَّةٍ، لعلَّ العقلَانيةَ تنجحُ بحسم الجدال المُزمن بين الوحي والوعي عَبْرَ “إعطاء ما لقيصر لقيصر، وما لله لله”!

هذا الموضوع الحسّاس، يستحقُّ خاتمةً تُوقظُ العربَ من غفلتهم الطويلة، لم أجد لها خلاصةً أبلغَ من “الويلات التسع” الصالحات لكلِّ زمانٍ ومكانٍ، التي تنبّأَ بها جبران خليل جبران (1883-1931) على لسان “نَبِيِّه المُصطفى”، في دُرَّة مؤلَّفاته “النبي”، مُقتطعًا أربعاً منها:

“ويلٌ لأمَّةٍ تكثُرُ فيها المذاهبُ والطوائفُ، وتخلو من الدين!

ويلٌ لأمَّةٍ تلبسُ ممّا لا تنسجُ، وتأكلُ ممّا لا تزرعُ، وتشربُ ممّا لا تعصرُ!

ويلٌ لأُمَّةٍ تحسبُ المُستبدَّ بطلًا، وترى الفاتحَ المُذلَّ رحيمًا!

ويلٌ لأمَّةٍ مُقَسَّمَةٍ إلى أجزاءٍ، وكلُّ جزءٍ يحسبُ نفسَه أُمَّةً!”.

  • الدكتور ڤيكتور الزمتر هو سفير لبناني سابق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى