كيف صار لبنان نموذجاً لاستيلاء الميليشيات على الدولة

مايكل يونغ*

في جميع أنحاء الشرق الأوسط، أصبحت الجماعاتُ المُسَلَّحة أو الميليشيات تلعب أدواراً قيادية في دوله. في اليمن، استولى الحوثيون على العاصمة صنعاء ويسيطرون الآن على مساحات شاسعة من البلاد. في العراق، تُعتَبَرُ قوات الحشد الشعبي، مثل جيش المهدي التابع لمقتدى الصدر قبلها، فاعلاً رئيساً في العملية السياسية في العراق ولها تأثيرٌ كبيرٌ في القرارات الحكومية الرئيسة.

ومع ذلك، تبرز دولة واحدة في المنطقة، لبنان، كنموذجٍ لكيفية سيطرة قادة الميليشيات السابقين على الدولة. أصبحت غالبية القادة العسكريين الطائفيين ركائز نظام ما بعد الحرب الأهلية في البلاد التي انتهت في العام 1990. حدث هذا في وقتٍ كانت الدول المركزية لا تزال هي القاعدة في المنطقة. لكن هذا الوضع لم يعد صحيحاً الآن، إذ تمزّقت بلدانٌ عدة في جميع أنحاء العالم العربي بسبب الصراعات.

في ظلِّ الظروفٍ العادية، هناك ميلٌ أن نشهد انقساماً حاداً بين قادة الميليشيات الذين حكموا أثناء الحرب والقادة المدنيين الذين يعودون إلى السلطة بمجرّد انتهاء القتال. ومع ذلك، ليس هذا ما نشهده اليوم في عدد من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث تسيطر الجهات الفاعلة غير الحكومية مثل الميليشيات على مؤسسات الدولة، حتى أنها استولت عليها.

لماذا لبنان يَهٌمّ؟ على وجه التحديد لأنه كان الدولة الأولى التي أظهرت أنه يمكن إعادة تدوير قادة الميليشيات بعد الحرب وتحويلهم إلى شخصيات وطنية شرعية، بغض النظر عن الجرائم التي ارتكبوها خلال الصراع. أصبح الوصول إلى قيادة ميليشيا طريقاً للترويج الاجتماعي والسياسي للعديد من الأفراد الذين كانوا في السابق على هامش المجتمع.

والأهم من ذلك، أضفى لبنان الطابع المؤسّسي على سلطة قادة الميليشيات السابقين من خلال التفاف الدولة حول مصالحهم وتحويل البلد إلى مكانٍ يُمكنهم الاستفادة منه. بعدما استفاد قادة الميليشيات من الشبكات الاقتصادية التي تشكّلت خلال الحرب، أدركوا أن التخلّي عنها مقابل تبنّي السلام شيئاً مفيداً لهم لأن حصصهم المالية ستكون مضمونة، بل ستتوسّع، في نظام ما بعد الحرب.

كانت الطريقة التي تم بها ذلك ذات شقين. أصبح قادة الميليشيات السابقون وزراء، ما أتاح لهم الوصول إلى الأموال الضخمة الناتجة عن العقود العامة لإعادة الإعمار. كما تحالفوا مع فئة من رجال الأعمال والمصرفيين، وخلقوا رابطة من السلطة لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا. قام رجال الأعمال بتمويل الحملات الانتخابية، مقابل دعم سياسي أو مقعد برلماني، فيما وثّق المصرفيون علاقاتهم مع القادة الطائفيين من أجل حماية مصالحهم المالية في قرارات الحكومة.

في جميع أنحاء المنطقة، يُمكِن للكثير من قادة الميليشيات الآن أن يتطلعوا إلى اتّباع مسارٍ مُماثل. والأهم من ذلك، إذا كان السلاح يُمكن أن يؤدّي إلى الثروة والتقدّم، فإن هذا الأمر يجعل من المرجّح بدرجةٍ أكبر أن فترات ما بعد الحرب في العديد من البلدان العربية لن تُعيد الحياة إلى طبيعتها على الإطلاق. سوف يشجعون الجهود التي تبذلها الجهات الفاعلة في زمن الحرب لاختطاف الدول وتكريس قوتها وسلطتها ونشاطها غير المشروع في البيئات السلمية.

وهذا ما يجعل عودة الدول الوظيفية صعبة للغاية في جميع أنحاء المنطقة. سواء تعلّق الأمر بالعراق أو سوريا أو اليمن أو لبنان أو ليبيا، فإن الجهات الفاعلة في زمن الحرب ليس لديها حافزٌ يُذكَر لكي تستعيد الدولة سلطاتها وتُعزّز مؤسساتها. على العكس من ذلك، فهي تزدهر في بيئات تكون فيها الدول ضعيفة ويمكنها ملء الفراغ.

ومع ذلك، فإن تكاليف مثل هذا الوضع مأسوية، ومن المحتم أن تزداد سوءاً. وأصلاً، فإن العديد من الدول في المنطقة غير مُجَهَّزة للانتقال إلى عصر ما بعد النفط، حيث تكون أنظمة الحكم الريعية غير مستدامة. التحدّيات الرئيسة، مثل تغيّر المناخ، لها آثارٌ وجودية في أجزاء من المنطقة. ومع ذلك، فإن الدول المُجَزّأة لن تكون قادرة كلياً على معالجة مثل هذه القضايا.

إذا كان لبنان طليعة في سيطرة الميليشيات على الدول، فقد أثبت أيضاً أنه رائدٌ في انهيار الدولة الناجم عن ذلك. لقد تسبّب زعماء الحرب وحلفاؤهم في العمل في تجفيف الدولة، بحيث أصبحت بالكاد قادرة على استيراد الضروريات الأساسية. ومع ذلك، فإن تصميم الكارتل الموجود في الحكم على حماية مصالحه دفع أعضاءه إلى عرقلة جميع الإصلاحات، ما أدّى إلى إطالة أمد الأزمة التي كان ينبغي أن تستغرق وقتاً أقل بكثير لحلّها.

علاوة على ذلك، يتّسم حكم الميليشيات في أماكن مثل العراق وسوريا بمستوياتٍ مُنهِكة من العنف للحفاظ على الوضع الراهن. لأن بعض الجماعات المسلّحة مُرتبطة بجهاتٍ فاعلة إقليمية قوية، لا يمكن للحكومات القائمة طردها. على سبيل المثال، قوبلت الاحتجاجات في العراق ضد النفوذ الإيراني بقمعٍ وحشي، بينما حافظت الميليشيات السورية على مساحةٍ واسعة من الاستغلال.

في لبنان، هناك مفارقة إضافية. ربما كان نظام ما بعد الحرب هيمَن عليه قادة الميليشيات السابقون، لكن حاميه الرئيس اليوم هو ميليشيا أخرى، “حزب الله”، الذي لم يكن في البداية جُزءاً من تقسيم غنائم ما بعد الحرب. الآن صار رجال الميليشيات ورجال الأعمال السابقون يعتمدون على “حزب الله” لحماية نظامهم، لكنهم خلال هذه العملية باتوا مُهَدَّدين بالتهميش.

بعبارة أخرى، أنظمة الحكم التي يُهيمن عليها رجال الميليشيات السابقون غير مستقرة بطبيعتها لأنهم ليسوا بارعين في حكم الدول وحل المشاكل. “حزب الله”، الذي يُفضّل مثل هذه الأوضاع المُلائمة من أجل بقائه على قيد الحياة، سارع لإنقاذ كارتل لبنان ما بعد الحرب، لأنه إذا فشل، فإن هذا سيُقيّد هامش مناورة الحزب.

بينما ينظر العرب في هذه البلدان إلى مستقبلهم، فإن ما يرونه لا يُمكن أن يُطمئنهم. أن يتم سلبهم في زمن السلم من قبل الأشخاص أنفسهم الذين اضطهدوهم في زمن الحرب هو عبرة قصتهم ومصيرهم. وإلى أن يتحرّك السكان العرب ويثورون ضد هذا الواقع وهذه الحقائق، سيظل عالمهم ركناً مُظلماً في الصورة العالمية.

  • مايكل يونغ هو رئيس تحرير “ديوان”، مُدوّنة برنامج كارنيغي الشرق الأوسط، بيروت، وكاتب رأي في صحيفة “ذا ناشيونال” الإماراتية. يُمكن متابعته عبر تويتر على:  @BeirutCalling
  • أصلُ هذا المقال كُتِبَ بالإنكليزية وعرّبه قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى