فَتِّش!

راشد فايد*

لا عطلة لِمَن لا يَعمل، لأن البطالة ليست إلّا عطلة إكراهية بذاتها، وعلى هذا يكون سياسيو لبنان، حُكماً ومُعارضة، من رئيس الجمهورية، ميشال عون، إلى بوّابي المقرات الرئاسية الثلاثة، في عطلة مأجورة، تَدفَع إلى التساؤل عَلامَ يستحقّون رواتبهم ومُكافآتهم من خزينة الدولة وجَيب المواطن، فيما هم يمضون فترات حكمهم في مُناكفاتٍ صبيانية لا تَرحَم مصير البلد وأبنائه، وتجربة تشكيل الحكومة الأخيرة، وجرجرة الأزمات المُستحكمة بالبلد منذ 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019 إلى اليوم، لا تحتاج إلى مَن يدلّ عليها، وينبّههم إلى أننا نتدحرج نحو الأسفل.

لم يُبدٍ الحُكم، منذ دخل قصر بعبدا، أي استعجال لتحسين شروط حياة اللبنانيين، وأبقى الإصلاح والتغيير شعاراً تمضغه جماهيره الغافلة عن ربطه كل الأمور المطلوبة بتسلّم “ولي العهد” رئاسة الجمهورية، عدا أن همّه الفعلي كان ولا يزال، نحر “اتفاق الطائف”، وإمّحاء ذكر مَن له أبوّته، أي الشهيد رفيق الحريري، إلى حدِّ شنِّ حربٍ على ضريحه، والمُطالبة بنقله من ساحة الشهداء، والسعي إلى محاربة نجله رئيس الوزراء المُعتَذِر سعد الحريري، بحركاتٍ أقل ما يقال فيها أنها لا تتّسم بالنضج السياسي والإجتماعي الذي يكتسبه الناس كلّما تقدّموا بالعمر، فكيف إذ تتخطّى الـ 85 سنة؟ من ذلك إرسال مُقتَرَحٍ بتوزيع الحقائب الوزارية إلى رئيس الحكومة المُكَلَّف مع درّاج، وتسريبٌ مُتَذاكٍ لشريط فيديو لفخامته يسارر فيه زعماً رئيس الحكومة المستقيل الدكتور حسان دياب بأن الرئيس المُكلَّف كذّاب.

في ذلك الوجه الظاهر للحقد السياسي، بينما الوجه الخفي هو قلب النظام اللبناني من نظامٍ مجلسي إلى رئاسي، أقرب ما يكون إلى ما قبل الطائف، حين كان رئيس الجمهورية يُسمّي الوزراء، ويختار منهم رئيساً، وما كان النقاش في الثلث المعطل، وتسمية الوزراء المسيحيين، إلّا القناع الذي يوارب الوصول إلى مؤتمر تأسيسي لطالما روّج له “حزب الله”، حليف “التيار الوطني الحر”.

في 10 آب/أغسطس 2020 قدّم الرئيس حسان دياب استقالة حكومته بعد 6 أيام على تفجير مُستَوعَب نيترات الأمونيوم المُخزَّنة في مرفأ بيروت. واليوم بعد سنتين على الحدث المروّع لم تزل البلاد بلا حكومة، فيما انتحل فخامته لـ”المجلس الأعلى للدفاع” دوراً من خارج النصوص الدستورية والقانونية، يشبه أدوار المجالس أو اللجان العسكرية في الدول التي كانت للإنقلابات فيها أرض خصبة، فألغى مجلس الوزراء، وفي الطليعة دور رئيسه، وأحلَّ محلّه مجلساً دونه موقعاً وصلاحيات، بقوّة الأمر الواقع. في الآن نفسه، كان فخامته يُماحك في صدد حكومة سعد الحريري المُرتَقَبة لمدة 9 أشهر إلى أن بقَّ البحصة واستسلم لنفسه وأبلغه يوم 17 تموز/يوليو الجاري، أنه لا يريد أن يتعاون معه، أي أنه عملياً يرفض قرار الأغلبية النيابية ترشيح الحريري لهذه المهمة.  وماذا لو رشّح النواب الحريري مُجَدَّداً. ثم هل كان مُمكِناً أن ينجح عون في ما يريد لولا رضا حليفه “حزب الله”؟

تحالف عون، بعد انتفاضة الإستقلال، مع “تيار المستقبل” و”القوات اللبنانية” وقارب “حركة امل” و”الحزب التقدمي الإشتراكي”، ووقع “وثيقة تفاهم” مع “حزب الله”. لاحقاً إرتدّ على الجميع عندما حقّق مراده من كلٍّ منهم إلّا مع الأخير. فتّش عن تحالف الأقليات.

  • راشد فايد هو كاتب، صحافي ومُحلّل سياسي لبناني. يُمكن متابعته عبر تويتر على: @RachedFayed
  • يصدر هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازياً مع صدوره في صحيفة “النهار” (بيروت).

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى