شكراً ريمون غَجَر!

البروفِسور بيار الخوري*

على ماذا يُمكن ان نَشكُرَ الوزير اللبناني المُستَقيل ريمون غجر؟ بالطبع ليس على شيءٍ في مسيرته في وزارة الطاقة والمياه خلالِ عامٍ ونصف العامِ من الفشل، ولكن على صراحةِ هذا الرجل في ما يقول. والصدقُ يُعرَفُ بنقيضِه أي الكذب!

نحنُ نحتاجُ إلى الصدق لأننا مجبولون بالكذب. ما قاله بالأمس ريمون غجر كان صريحاً جداً في صدقه: نعم هذا هو سعر صفيحة البنزين فى حال رُفِعَ الدعم، وهذا هو مفعولُ رَفعِ الدعم الذي لم يبقَ زعيمٌ مُعارِضٌ ومُوالٍ في البلاد إلّا ودعا إليه وتشدّق بأن هذه هي الطريقة الوحيدة المُمكنة التي تؤدي إلى وقف التهريب (باستثناء الشيخ النابلسي الذي يعتبر التهريب مقاومة). حين لا تعود المحروقات مدعومة فليشترِي عندها مَن يريد من بيروت ما شاء من المحروقات.

سمعنا كلاماً شبيهاً لما قاله غجر لزعيمٍ مسيحي مُعارض إذ قال: إرفعوا الدعم ودعوا الناس يعلمون كم سيُصبح سعر صفيحة البنزين، وعندها يحسبون حسابهم جيداً. لم يستغلّ ذلك أحدٌ ويستثمره لأنه لم يتحدّث عن سعرٍ مُعَيَّن. أنا أُتابع المهندس غجر مذ دخل الوزارة. تحدّث مراراً بما يُخالف آراء “التيار الوطني الحر” المحسوب عليه، بل وانتقد العديد من سلوكيات هذا الحزب. عودوا إلى تلك الحلقة من برنامج “صار الوقت” على محطة “أم تي في” التي رفع فيها الإعلامي مرسال غانم (مواقفه غنيّة عن التعريف) القبّعة لغجر على صراحته وعلى حسّه النقدي.

مَشكَلتُنا لم تكن يوماً مع غجر ولا مع رئيس حكومة تصريف الأعمال الدكتور حسّان دياب، فهما وزملاؤهما حاولوا أن لا يكذبوا علينا، حيث قبلوا حمل كرة نارٍ وكُلِّفوا بانتحارٍ جماعي إنقاذاً للنظام.

لنعود معاً الى مقالتي في “أسواق العرب” التي نُشِرَت في 2020/01/26 تحت عنوان  “انتحاريون بربطاتِ عُنقٍ وانتحاريات بكِعابٍ عالية” التي كتبتها غداة تشكيل حكومة الرئيس دياب، حيث قُلتُ تحديداً: “حكومةٌ مأزومةٌ، رُغمَ الجودة التقنيّة والأخلاقيّة لمُعظم أعضائها، فذلك أمرٌ ثانوي. الأساس هو القدر من الشروط الدولية الذي ستستطيع تمريره، وهو كيفما نظرنا إليه سيرمي فئات طبقية متوسّعة باستمرار في آتون الإنحدار الإجتماعي العنيف. حكومةٌ إنتحاريةٌ لأنّها، اذا ما نجحت في ما هو مطلوب منها، سقطت في الشارع، وإن فشلت ستسقط صريعة الحصار المالي. إنهم إنتحاريّون بربطاتِ عُنقٍ، وانتحارياتٍ بكعابٍ عالية. مَن ينتظر خلف الستارة؟”

من هزالة المصادفات أنه في صباح اليوم الذي تحدّث في عصره ريمون غجر عن توقعات سعر صحيفه البنزين، كان هناك ممثلون للعمال من الطينة عينها لأسيادهم في الطبقة السياسية، يُجيدون الرياء والكذب واللعب على المشاعر الشعبية ومشاعر الخوف التي تعتري راهناً كل اللبنانيين، ويطلقون تحديات فارغة تعكس فراغ شخصياتهم، ولكن لم نجد احداً يقول لهم: إرحموا عقولنا!

أُعدِم العالِمُ الرياضي والفيزيائي والفلكي الإيطالي، غاليليو غاليلي، فقط لأنه قال أن الأرضَ مُستَديرةٌ وليست مُسَطَّحة. إذا كانت عقولنا مُسَطَّحة علينا أن نعدم ريمون غجر. لكن ما قاله وزير الطاقة والمياه في حكومة تصريف الأعمال أدهى من  ال65 الف ليرة  أو ال200 ألف ليرة للصفيحة. ما قاله ضمناً هو أن سعر الصفيحة بعد تحريره سيكون فوق ال16 دولاراً أميركياً (بافتراض بقاء سعر الصرف الحر عند مستوى 15 الف ليرة للدولار او بقاء الدعم عند 3,900 ليرة للدولار)! ذلك هو المُهمّ لأنه يعني أن تحرير سعر المحروقات لن يُحرّرنا من الشركات المُحتَكِرة لاستيراد ونقل وتوزيع المحروقات مُقارنةً بسعر برميل النفط – مهما كانت تلك المعادلة التي ترسيها وزاره الطاقه للتسعير. هذا ما لم يفكر به أحدٌ بالأمس لأن هؤلاء المُحتَكِرين هم أبناء كل طائفة و شركاء وحلفاء كل زعيم في طائفة. ريمون غجر “تهمته منه وفيه” بسبب مرجعيته السياسية، أما المُحتَكِرون الذين يَمُصّون دماءنا بالشراكة مع زعمائنا في كل الأحزاب فذلك ليس شأننا.

مرتا مرتا تهتمّين بأمورٍ كثيرة والمطلوبُ واحد!

  • البروفِسور بيار الخوري هو أكاديمي لبناني وكاتب في الإقتصاد السياسي. يُمكن التواصل معه على البريد الإلكتروني التالي: info@pierrekoury.com

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى