الاعتكاف في زمن العتمة
زياد شبيب*
لم يكن عبثًا أن اشتقّت اللغةُ العربيّة من جذرٍ واحدٍ حالتين متناقضتين في السلوك والمآل، “العكوف” بما هو إقبالٌ ومواظبةٌ ولزومٌ للعمل حتى إتمامِه، و”الاعتكاف” بما استقرّ عليه العُرف السياسي والوزاري اللبناني مؤخّرًا كفعلِ حَرَدٍ، وانكفاءٍ، وامتناعٍ بذريعة الاحتجاج.
علمًا أنَّ تعبير “الاعتكاف” شهِدَ انحرافًا في المعنى أو انحرافًا دلاليًّا وتوسُّعًا مجازيًا كبيرًا. والمعنى الأصلي لفعل “اعتكف” هو الاحتباس للعبادة والتقرُّب وتصفية النفس في مكان مقدَّس. أما في السياسة اللبنانية، فقد انحرف المعنى ليصبح أداةً للمُناكفة، والمقاطعة، والمناورة، والضغط على الخصوم. والانتقال هنا هو من معنى “الخلوة التعبُّدية الإيجابية الطوعية” إلى معنى “المقاطعة السياسية.
في المشهد الحكومي اليوم حالة اعتكاف جديدة، فقد أعلن وزير الطاقة والمياه جوزف صدّي الاعتكاف ومقاطعة جلسات مجلس الوزراء احتجاجًا على عرقلة مقترحاته الإصلاحيّة لحلّ أزمة الكهرباء وطروحاته ولا سيما منها التعرفة المتحرّكة، وغيرها. ولكن هذا الموقف الذي قد يهدف إلى الحدّ من الخسارة السياسيّة والضغط على القوى الأخرى لتبنّي الحلول، تمّ التصويب عليه من زوايا سياسيّة وأخرى دستورية بذريعة عدم وجود مكانة وسطى بين الاستقالة والمشاركة، وإلى ما هنالك من انتقادات. لكن أيًا من المنتقدين لم يقدّم في الماضي والحاضر ما ينقذ لبنان اليوم من عتمته التاريخيّة أو ما يثبت الرغبة الفعليّة في إخراج اللبنانيين الذين ألقتهم الحكومات المتعاقبة فرائس ل”كارتيلات” المولّدات والمحروقات، من هذه الأزمة.
صحيح أنه من المنظور الدستوري البحت، لا توجد حالة “الاعتكاف الوزاري” ولا يترتّب على هذا الموقف السياسيّ أيّ مفاعيل قانونيّة، لأنه ليس استقالةً تسقط بموجبها العضويّة، بل مجرّد وسيلة للتعبير عن موقفٍ سياسيّ. إلّا أنه لا بدّ من التذكير بالبديهيّات وأهمّها أنه وفقًا للمادّة 65 من الدستور، فإنّ السلطة الإجرائيّة تُناط بمجلس الوزراء مجتمعًا، وهو الذي يضع السياسة العامّة للدولة في جميع المجالات. وبناءً على ذلك تكون المسؤولية عن عدم تبنّي طروحات الوزير مسؤولية جماعيّة تُلقى على عاتق السلطة الإجرائية بكاملها، ولا تصبح خطوة مقاطعة الجلسات نوعًا من “الهروب الدستوري” بل ضغطًا سياسيًّا قد يؤدّي إلى تحريك الملف صوب الحلّ، كما يتضمّن إمكانيّة ترحيل المسؤوليّة وإلقاء التّبعة كاملةً على كاهل الوزير المعتكف، ليتحوّل إلى “كبش فداء”.
الحقيقة الساطعة وسط العتمة هي أنّ وزير الطاقة، لا طاقة له، كائنًا مَن كان، على حلّ معضلة الكهرباء منفردًا، فالقرار الدستوري بتبنّي السياسات في مجلس الوزراء والقرار المالي في وزارة الماليّة، والغطاء الأمني لرفع السرقات عن الشبكة ومكافحة الهدر غير الفني (الذي يلامس 30%) يتطلّب حزمًا تنفيذيًا مشتركًا، ناهيك عن القوانين والضمانات التي يجب أن يقرّها مجلس النواب لجذب الاستثمارات الخارجيّة.
لذلك، ولكي لا تكتمل فصول المسرحيّة بالتضحية بالوزير كقربانٍ في بورصة التعديلات الوزاريّة، فإنّ الواجب الوطني والدستوري يفرض عليه أن يعكف ولا يعتكف. عليه أن يمارس كامل صلاحيّاته، بل وأن يذهب أبعد منها بالضغط المستمر والمواجهة المباشرة داخل مجلس الوزراء وخارجه.
إنّ هذه الحكومة، التي نالت الثقة الخارجيّة قبل الداخليّة، وتمدّد عمرها السياسي قبل الثقة البرلمانيّة استعراضيّة الطابع، قد أُعطيت ما لم يُعطَ لغيرها من فرص. وعليها اليوم، بكامل أركانها، أن تعيش وتعمل بروحية “حكومة طوارئ” تزول غدًا، وأن “تعكِف” مع وزير الطاقة وسائر الوزراء المعنيين، لتُنهي بالتوالي مآسي اللبنانيين ومصادر إذلالهم اليومي، بدءًا من الكهرباء وصولًا إلى المياه والاتصالات والنفايات. الإنجاز هو المعيار الوحيد للشرعيّة، أما الاعتكاف فلن يورث اللبنانيين إلّا مزيدًا من العتمة والوقت الضائع.
- زياد شبيب هو محافظ بيروت السابق وقاضٍ سابق، مستشار قانوني ومحكّم دولي، وكاتب ومدير دار النهار للنشر في بيروت.
- يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره في صحيفة “النهار” (بيروت).



