أُسطورة… اسْـمُها لبنان
هنري زغيب*
على الغلاف الأَخير أَن المؤَلِّف “من أَصل لبناني، طبيبٌ جرَّاحٌ في نيويورك منذ عُقُود، اختصاصيٌّ في الأَوعية الدموية.. اهتمامُه بالأَديان والفلسفة دفعهُ إِلى البحث في ظواهر منطقة الشرق الأَوسط، مهدِ الديانات التوحيدية الثلاث، والمختبر الحيوي لكلِّ العالم”..
إِنه كتاب “م.ج.كوجاك” (الاسم الأَدبي لابن زحلة الدكتور مايكل قاصوف).. بين عنوانه الرئيس “أُسطورة… اسـمُها لبنان”* وعنوانه الثانوي “1920-2020: قرنٌ من الاضطرابات”، يتدرَّج بحثه المعمَّق في تحليل عقلاني موثَّق ضمَّه هذا الكتاب، صادرًا في باريس عن دار “لارماتان” (286 صفحة حجمًا وسَطًا)..
تلفت في الكتاب جرأَةُ الكاتب في مقاربة مواضيعَ ساخنةٍ مثيرةٍ جدلًا لا ينتهي ولن.. فهو ينسُج، خيطًا بعد خيطٍ، ظروفَ إِعلان الجنرال هنري غورو صبيحة الأَول من أَيلول على درج قصر الصنوبر، وما سبَقَ من تمهيدات ذاك الإِعلان.. يومَها وُلدَ “لبنان الكبير”. ووُلدَت معه تبايناتٌ سياسيةٌ وقوميةٌ ما زالت تبذُر سمومَها حتى اليوم: الأَزمة الكيانية تتعمَّق عوض أَن تنتفي، الأَزمات تتناسَل عوض أَن تَنقَرض، السقوطُ السياسي يتكرَّر عوض أَن يَندثر، صراعاتُ العيش الواحد تتأَجَّج بين تَثَاقُف متعدِّد وتَبَايُن متبدِّد عوض أَن تنقلب حياةً واحدةً لوطن واحد وحيد، شهوانيةُ الشخصانية في الحُكْم تتفرَّد في أَنانيَّتها وتَضَخُّمِ غُدَدها عوض أَن يزهدَ الحكَّام بالسلطة بعد تأْدية مسؤُولياتهم الوطنية..
عميقةٌ في الكتاب آراؤُه السياسية والتاريخية.. لا يتورَّع كاتبُها عن جَلْد من سبَّبوا (وما زالوا يسبِّبون) “جولات العنف والخصومات اللاتنتهي، واللاتَتَوقف فتراتٍ وجيزة حتى تعودَ أَعنف”، وهو ما “أَدَّى بالبلاد إِلى فشَلٍ جحيميٍّ قاتل، وإلى تَفَسُّخٍ مجتمعيٍّ خطير، بعضُه بسبب التباينات الإِقليمية، وبعضُه الآخر بسبب انزلاقِ فصيلٍ إِلى محورِ ممانعةٍ معاكسٍ تيارَ مبرِّرِ وجوده، ومنقادٍ إِلى ظروفٍ جيوسياسيةٍ أَقوى من إِمكاناته الذاتية”. ويضع الكاتب/الجرَّاح مبْضعه الجريْءَ فوق الجرح النازف: “تحكمُ لبنانَ منذ عقودٍ طبقةٌ سياسيةٌ عقيمةٌ عفِنَة مدَوَّدة، تَزايدت مع السنوات وَقاحتُها ومكابرتُها حتى أَوصلت البلاد إِلى التفكُّك والتفسُّخ في مفاصلها الرئيسة”..
لا يقدِّم الكاتب حلولًا، ولا يدَّعي إِقدامه على ذلك.. إِنْ هي في كتابه سوى انطباعاتٍ شخصية ومشاهداتٍ ومتابعاتٍ عن مراحلِ جلجلةٍ مضْنيةٍ في لبنان، لا تنتهي طالَما جلَّادوه ما زالوا يواكبونه بالسُوط المسموم.. لذا تتخلَّل كتابَه ابتهالاتٌ جوَّانية تضرع أَن يتعافى، وسْط جنون الإِجرام، هُزالُ العلاقات بين الطوائف، فتزولَ صعوبات التثاقُف المتعدِّد، وينبري مَن يكونون جديرين ببناء لبنان وطنًا يتوحَّد أُمَّة متكاملة معافاة تقوى بشعبها ويقوى شعبها بها في الانتماء إِليها وما إِلَّا إِليها..
“الأَساطير أَحلامٌ لا تتحقَّق”، جاء في عنوان الفصل الأَول من الكتاب، ويمتدُّ الحلم طويلًا عبر الصفحات، من “الولادة القيصرية في الضَنى والآلام”، إِلى أُسطورة “سَلبيَّتَان لا تُولِّدان أُمةً إِيجابية” (جورج نقَّاش)، إِلى سرطان “تمجيد الزعماء”، إِلى الخلافات حول “الهوية اللبنانية”، إِلى “صدام الحضارات” في بوتقة الوطن، بُلُوغًا إِلى صرخة الأَلَم الكُبرى: “أَنكون اليوم في انحدارٍ لا خلاصَ منه صُعُودًا؟ إِن سقوط عالَم الديانات التَوحيدية الثلاث بدأَ حين أَولياؤُها نسَبُوا إِلى الله ثلاثَ أُلوهاتٍ انفصالية، صَنَّعوها وَفْقَ تَوافُق مبادئهم فوقعوا في مبهَمات متناقضة”. لذا، لبنانُ الْكان متمايزًا بفضائه الليبراليّ المنفتح، جَنْدَلَتْهُ طيلةَ عقودٍ متتاليةٍ دكتاتورياتٌ إِيديولوجيةٌ وقواسمُ دينيةٌ متباعدةٌ خنقَت تَثَاقُفَه الوطني وطابَعه المنفتح، ونفَثَتْ فيه أُوتوقراطيات مزدوجةَ الولاءات ضَعضَعَتْ فيه المؤْمنين”..
ويأْتي صاعقًا ختامُ الكتاب: “لن يكون ممكنًا بناءُ لبنانَ من جديد، وتنصيعُه كما كان، إِلَّا بعد شفاء الغارقين من شعبه بين قيود الطائفية الفاحشة المتغلغلة فيه، وبين أَزقة الإِيديولوجيات المتسلِّطة الاستبدادية.. عندئذٍ يعود الأَمل واسعًا بولادة الفينيق من رماده واستعادته أَجنحتَه المبعثرة”..
ودِدتُ لو أَقتطف أَكثرَ بعدُ من هذه الصرخات، الطالعة من صدرِ لبنانيٍّ يعيش في بلدٍ عَلمانيٍّ حُر، ويراقب منه وطنَه الغارق في ظلمات الطائفية السياسية وأَذى أَشخاصها الماحق.
كتاب الدكتور مايكل قاصوف ضوءٌ ضروريٌّ في مكتباتنا.
* Une légende nommée Liban – par M.J. Kojack – L’Harmattan – Paris
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
- يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار” (بيروت)



