روحاني يَفتَحُ السؤالَ الأصعب: مَن يُقرِّرُ الحرب في إيران؟

البروفِسور بيار الخوري*

حين يتحدّث مسؤولٌ سابق في اجتماعٍ مغلق، يكون من السهل وضع كلامه في خانة المعارضة أو تصفية الحسابات القديمة مع السلطة. لكن التصريحات الأخيرة للرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني يصعب اختزالها في هذا الإطار. فهو لا ينتقد شخصًا أو فريقًا بعينه، بقدر ما يطرح سؤالًا يمسُّ الأساس الذي ينبغي أن يقومَ عليه أيُّ قرارٍ بالحرب أو السلام: “إذا كان مُقَدَّرًا لإيران أن تقاتل القوى الكبرى عشرين عامًا أخرى، فعلى المسؤولين أن يسألوا الشعبَ أوّلًا”.

وتكتسب هذه العبارة أهميتها لأنها تأتي في لحظةٍ تتعدّد فيها الأصوات داخل النظام الإيراني حول المخرج من المواجهة. ففي المشهد نفسه، يتحدث رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي عن الحرب والتفاوض وحدود كل منهما. وللوهلة الأولى، قد يبدو أنَّ الجميع يتحرّك في اتجاهٍ واحد: البحث عن نهاية للمواجهة عبر التفاوض.

لكن التشابه في الوجهة يخفي اختلافًا أعمق في المنطلق. فالقضية ليست في تصنيف هذا الطرف باعتباره أكثر اعتدالًا أو ذاك أكثر تشدّدًا، بل في السؤال الذي يقود كلًّا منهم إلى التفاوض، وفي الوظيفة التي يمنحها له.

ينطلق روحاني من قاعدة واضحة: المنصب العام أمانة مصدرها الشعب، ولا أحد يحكم “من جانب نفسه أو من جانب الله”. ومن هذه القاعدة يستخلص نتيجة مباشرة: إذا أراد أصحاب القرار استمرار المواجهة مع القوى الكبرى عشرين عامًا أخرى، فعليهم العودة إلى صاحب الأمانة الأصلي. فإذا وافق الشعب، استمرّت المواجهة، وإذا رفض، وجب احترام خياره.

هنا تكمن خصوصية موقف روحاني. فهو يبدأ من مصدر الشرعية لينتهي إلى شرط ممارستها، رابطًا القرار الاستراتيجي الأكبر بحق مَن منح السلطة أصلًا في أن يكون له رأيٌ فيه. وهذه الصلة المباشرة بين التفويض الشعبي وقرار الحرب لا تظهر بالوضوح نفسه في مواقف بزشكيان وقاليباف وعراقجي، حتى عندما يلتقون معه عند ضرورة البحث عن مخرج تفاوضي.

بزشكيان هو الأقرب إلى روحاني من حيث النتيجة، ولكن ليس من حيث المنطلق. فعندما يقول إنَّ القضايا لا تُحَل بالحرب وحدها، ويربط كلامه بإطار التفاهم الموقّع مع واشنطن، فإنه يصل عمليًا إلى الوجهة التي يدفع روحاني نحوها: ألّا تبقى الحرب خيارًا مفتوحًا، وأن يكون التفاوض طريقًا لإنهاء المواجهة.

لكن الطريق إلى هذه النتيجة مختلف. بزشكيان يصل إليها من حساب مصلحة الدولة، فيما يصل روحاني إليها من حساب حق الشعب. الأول يقرر ما يراه مناسبًا باسم الدولة، والثاني يشترط العودة إلى مَن فوّض الدولة أصلًا. وهكذا يمكن أن يتقارب الموقفان عمليًا، من دون أن يتطابق الأساس الذي يستند إليه كلٌّ منهما.

أما عراقجي، فيتقاطع مع روحاني في المسار، لا في الأساس. فهو الديبلوماسي الذي يحوّل فكرة التفاوض إلى عملية فعلية، ويكشف أنَّ بزشكيان دفع في اتجاه الفريق المفاوض، وأنَّ قاليباف تولى رئاسته باقتراح مباشر منه. وبذلك يقف عراقجي في قلب الحركة العملية نحو إنهاء المواجهة.

لكن الأسئلة التي تشغله مختلفة: هل تتحقق شروط الاتفاق؟ وهل تفي واشنطن بالتزاماتها؟ وما الذي يمكن اعتباره تفاوضًا بالفعل؟ ومن هنا حرصه على عدم وصف بعض الاتصالات عبر قطر وباكستان بأنها استئنافٌ للمفاوضات. إنها أسئلة تتعلّق بإدارة العملية الديبلوماسية وشروطها وحدودها، وليست سؤالًا عن التفويض الشعبي الذي يضعه روحاني في أصل قرار الحرب.

ويبقى قاليباف الأبعد عن منطق روحاني، على الرغم من مشاركته الفعلية في التفاوض. فهو يصف التفاوض صراحة بأنه “أداةٌ للنضال”، ويضيف أنَّ التخلي عن المواجهة يعني الهزيمة. ومن هذا المنظور، يكون التفاوض جُزءًا من استراتيجية القوة، لا بديلًا من منطقها.

لذلك يبقى السؤال عند قاليباف في حدود كيفية التفاوض مع استمرار المواجهة، بينما يطرح روحاني سؤالًا يسبق ذلك: مَن يملك أصلًا سلطة تقرير استمرار الحرب؟

تتضح هنا المسافة التي تفصل روحاني عن الأصوات الثلاثة. فبزشكيان يشاركه الاتجاه العملي نحو إنهاء المواجهة، وعراقجي يشاركه المسار الديبلوماسي المؤدّي إلى ذلك، فيما يبقى قاليباف داخل منطق المواجهة حتى وهو يفاوض. أما روحاني فيتميّز عنهم بأنه يسائل شرعية القرار قبل أن يسأل عن مضمونه.

وهذا ما يمنح كلام الرئيس الإيراني الأسبق دلالته السياسية. فهو لا يضيف مجرّد صوتٍ جديد إلى الداعين إلى التفاوض، بل ينقل النقاش من خيارات السياسة الخارجية إلى مَن يملك حق صنعها. وبدل أن يبقى السؤال محصورًا في كيفية إنهاء المواجهة أو شروط التفاوض، يضع روحاني أمام النظام الإيراني سؤالًا أسبق وأكثر جوهرية: مَن يملك حق تقرير استمرار الحرب؟

  • البروفِسور بيار الخوري هو أكاديمي وخبير تربوي، محلل اقتصادي لبناني وكاتب في الاقتصاد السياسي. وهو أستاذ مواد الدكتوراه والماجستير في إدارة الأعمال في جامعات عدة في أميركا الشمالية ولبنان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى