أَمانُنا الوطنيّ بين الصليب الأَحمر والدفاع المدنيّ

هنري زغيب*

نادرًا ما يمرُّ يومٌ إِلَّا نقرأُ فيه عن حادثةِ سيرٍ مأْساوية، أَو عن حريقٍ في حرج بعيد أَو بناية مأْهولة. وفي كل مرة نقرأُ عن حضور عناصر الصليب الأَحمر أَو فوج الدفاع المدني، للمساعدة على إِنقاذ أَرواح كانت ستقضي حتمًا لولا تدخُّل تلك العناصر.

بين مُسعفي الصليب الأَحمر ورجال الإِطفاء والإِنقاذ برًّا وبحرًا، يشعر المواطن أَنه محروس بهؤُلاء المتطوّعين، يحضرون كالملائكة منْقذين كلَّما وحيثما وعندما يدعوهم الواجب الإِنساني، لا مكافأَةَ لهم أَغلى من أَن يُسعفوا أَو يُنقذوا أَو يُساعدوا. فالمكان لهم: جلجلة وخلاص، والمبادلة: كلمة طيِّبة ودعاء أَبيض.

لا مكان هنا للدلالة تفصيلًا على طرقات عندنا تفتقر إِلى أَدنى قواعد السلامة المرورية. كانت طرقاتٍ وأَمسَت جلالي بطاطا وأَراضي فِلاحة. كانت الحفرة فيها متواضعة فباتت بئرًا قاتلة. وثمة طرقاتٌ باتت مجاهل ليلية متروكة بدون إِنارة ولا إِشارات، ولا حتى خطوطٍ بيضٍ تساعد على وُجهة الطريق. ولا داعٍ هنا للدلالة على خُلُوّ معظم الطرقات من رجال شرطة السير، فيحلو لكل أَرعن أَن يطْلق لسيارته سرعة فائقة، لا ضابطَ لها غير عمود تصدُمه عند طرف الطريق أَو سيارة تطحنها في الجهة المقابلة، ويكون الحادث قاتلًا للمسبِّب والمصاب. وحيال قلَّة الأَخلاق لدى شباب مهووسين بقيادة سياراتهم خارجَ كل تهذيب أَو انضباط، لا يجد المواطن عند وقوع الحادث إِلَّا مسعفي الصليب الأَحمر يحضرون، وعناصرَ الدفاع المدني يُنقذون، ورجالَ الإِطفاء يهرعون، فإذا البرَكةُ تامةٌ من إِيديهم ونَبالتهم وشرفِ الخدمة المجانية التطوعية الشهمة.

لا فكرةَ لديَّ عن التعويضات والرواتب والمخصَّصات لهؤُلاء الشرفاء. لكنَّ خدمتهم الإِنسانية لا تنتظر راتبًا ولا مكافأَةً ولا أَيَّ تعويض. إِنه الالتزام بالإنسان، إِنقاذًا من ضائقة، وانتشالًا من موت. وكم يغبِط أَنْ بين تلك الأَجهزة مَن يتبرَّعون بتنظيم دورات تدريبية في المدارس والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني، على الإِنقاذ البري والبحري، فيكونُ كلُّ مواطن أَخًا منْقذًا أَخاه عند وقوع الكارثة.

وبين حادثِ سيرٍ يسبِّبه سائق أَرعن، او اندلاعِ حريقٍ في مبنى أَو شارع أَو حرج، وموج جارف يهدِّد سابحًا بالغرق، لا نعمةَ أَسمى ولا أَشرف ولا أَقدس من مسعفة تُسْدي مداواة أَوَّلية، ومسعفٍ يحمل سريرَ إِسعاف ينقل جريحًا إِلى مستشفى، ورجلِ إِطفاٍء يخاطر بحياته لإِنقاذ حياة مهدَّدة، ومنْقذٍ بحريٍّ يقْحم الأَمواج كي يُنقذ مستغيثًا من الغرق.

شبابنا وصبايانا في الصليب الأَحمر، ورجالُنا في الدفاع المدني وأَفواج الإِطفاء، لهم من كلِّ لبنانيٍّ صلاةٌ ودُعاء، كي يظلُّوا ملائكة لنا في الملمَّات والأَخطار. ويا تعسَ جنة تخلو من الملائكة، لأَنها تتحوَّل جحيمًا يسبِّبه سائق أَرعن، أَو مُواطن مهمِل، أَو شرير يتربَّص كي ينقضَّ على ضحيةٍ بريئة.

تحيةَ وفاءٍ وإِكبار، إِلى كل صبيَّةٍ مسْعفة، وشابٍّ مُسعف، ورجُلِ إِطفاء، كي يظلَّ الدفاعُ المدني دفاعًا عنا جميعًا، والصليبُ الأَحمر إِنقاذًا أَيَّ مواطنٍ من أَي منطقة وأَيِّ مذهب وأَيِّ طائفة. فليس للإِنقاذ سوى دِيْن واحد هو خلاص الإِنسان. وإِذا الدِيْنُ خلاصُ الروح، فالإِنقاذُ خلاصُ الجسد. ويا طوبى لِمن يحظى في وطنه بهذَيْن الخلاصَيْن.

  • هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى