محرقة الجنوب على صدوع “علي الطاهر”؟

ابراهيم حيدر*

لا تغيب “علي الطاهر” عن الأجندة الإسرائيلية حتى مع التصعيد العسكري على جبهة إيران التي اشتعلت بالقصف الأميركي وسط تشديد الحصار وفرض العقوبات. تبدو تلال “علي الطاهر” اليوم امتدادًا للمواجهة بين إسرائيل وإيران، كما الجنوب اللبناني جبهة صراع لها امتدادات إقليمية، وكأنه تحوّل إلى ساحة مقايضة على الطاولة، إذا سارت الأمور نحو التسوية أو أقفل الانسداد القائم التفاوض وفتح الطريق نحو معركة تريدها إسرائيل للسيطرة على التلال ومرتفعات جبل الريحان وصولًا إلى أطراف إقليم التفاح.

“حزب الله” لا يرى في “علي الطاهر” إلّا عنوانًا للمواجهة ومنع إسرائيل من احتلالها، وبالتالي يرفض تسليمها إلى الجيش اللبناني بحجة احتمال احتلالها. ويقدّم الحزب روايته عن الصمود بمنعه إسرائيل من الوصول إلى بيروت على قول الشيخ نعيم قاسم، لكن الواقع يشير إذا كان قاسم مهتمًّا بمعرفة خطة عدوه وليس القراءة في الغيبيات، أن إسرائيل تتحكّم اليوم بحركة الناس والحياة عبر القصف حتى من دون احتلالها، وهذه السيطرة تمنحها قدرة للإشراف على منطقة واسعة في النبطية ومحيطها، تمامًا كما تعمل عبر التفجيرات والتجريف لبناء ركائز لاحتلالها ميدانيًا.

بعد احتلال المنطقة الحدودية وتهجير الناس وتدمير القرى، ووصول الجيش الإسرائيلي إلى أطراف النبطية وعلى مشارف تلال “علي الطاهر”، وقضمها للمزيد من الأراضي، تتضح الخطة الإسرائيلية في إبقاء الجنوب لا سيما القرى المحيطة بمناطق الشريط في حالة حرب، فهي تمارس سياسة القضم عبر التفريغ، وليست بحاجة إلى احتلال كل بلدة ما دامت قادرة على منع الأهالي من العودة والاستقرار فيها، لذا تبقي مناطق واسعة ممتدة من المنصوري غربًا إلى النبطية الفوقا شرقًا ضمن مدى الاستهداف والقصف والتفجير، وتمنع الناس من ممارسة حياتهم الطبيعية في قرى كثيرة محيطة، إلّا أنها تريد تلة “علي الطاهر” لأسبابٍ أمنية وعسكرية، فإذا لم يجد “حزب الله” تسوية لتسليمها إلى الجيش في ظلِّ عجزه عن المواجهة داخل المناطق المحتلة، سنكون أمام مرحلة من القتال ومزيد من الخسائر، بغض النظر عن مشروعية مقاومة الاحتلال، والخيارات التي تسمح باستعادة الأرض.

يصعب الآن العودة إلى المناطق المحتلة في الجنوب، طالما أنَّ إسرائيل تثبت المنطقة العازلة وتغيّر كل معالمها في شكل غير قابل للحياة وهذا ما تفعله لجعل العودة مكلفة وخطيرة، إذ يجب أن يدرك “حزب الله” أنَّ الشعارات شيء والواقع على الارض شيء آخر، فهو يصعّد ضد الدولة ويرفض المفاوضات ويربط مصيره بالمسار الإيراني، فيما إسرائيل حين تقضم المزيد من الأرض تحاصر لبنان المفاوض وتقيّده، فكل نقطة تحتلها تحوّلها إلى ورقة تفرض شروطًا إضافية على لبنان، منها المقايضة حول انسحابها من كل موقع جديد مقابل ما تريده من نزع للسلاح وحرية الحركة وحتى في تفاصيل آلية التحقق والرقابة والتنسيق الأمني، فتنتزع من لبنان المزيد من التنازلات.

ربما يفهم من ذلك حدود إمكانات الدولة في التفاوض التي راهنت على الأميركيين في الضغط على إسرائيل للانسحاب أو على الأقل منحها أوراقًا في وجه المعترضين، فإذا بالدولة تسير على إيقاع بطيء وسط ضغوط إضافية، ولا تتمكّن حتى من انتزاع مطلب وقف التصعيد الإسرائيلي، فيتهمها الأمين العام لـ”حزب الله” بأنها تفاوض تحت الحرب وتنحاز إلى جانب إسرائيل”، مستحضرًا اتفاق 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 2024، الذي برأيه فرض لبنان شروطه على إسرائيل، لكنه تناسى أنَّ المفاوضات التي سبقت الاتفاق دارت تحت النار، وفرضت إسرائيل شروطها في بنود الاتفاق التي وافق عليها الحزب بعدما وصل إلى حد الاختناق.

ليست المواجهة بالقفز فوق الوقائع واستحضار الغيبيات وأوهام النصر، فأن يقول قاسم أنَّ إسرائيل تواجه ضغوطًا وأزمة جراء الهجرة، ويبني على هذا الأمر، فيما صراع الانتخابات الإسرائيلية يدور بين الأكثر تطرّفًا في إسرائيل، فإنه لا يعرف عدوه تمامًا، أو أنه يعلم ويهرب إلى الغيبيات، وهو ما نشهده في مقاربة قضية “علي الطاهر” التي وصل الاحتلال على أبوابها؟

  • الدكتور إبراهيم حيدر هو أكاديمي، صحافي ومحلّل سياسي لبناني. يمكن متابعته عبر منصة “إكس” على حسابه: @ihaidar62
  • يصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره في صحيفة “النهار” (بيروت).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى