مقاتلات الجزائر في سماء النيجر

محمّد قوّاص*

كان “ردح” وعداء قد اندلعا بين النيجر والجزائر قبل سنوات. حتى أنَّ الحدود التي تمتد لألف كيلومتر بين البلدين شهدت توترات كادت ترقى إلى ما يشبه الحرب. تغيّر الزمن. تبدّل المزاج. انقلبت الحسابات، إلى درجة انطلاق مقاتلات جزائرية لنجدة نظام النيجر الذي كان يتعرض لخطر قبل أيام.

استفاقت العاصمة النيجرية، نيامي، فجر 29 آب (أغسطس) الماضي، على دويّ انفجارات وتبادل نار في محيط القصر الرئاسي والقاعدة الجوية 101، في تمرُّدٍ بدا أنه محاولة انقلاب خطيرة قادها ضباط شبان ضد الجنرال عبد الرحمن تياني. من دون تردد، دفعت الجزائر بمقاتلاتها لحماية نظام حكم كانت بالأمس القريب تصنّفه غير شرعي، وتساند خصمه المخلوع الرئيس محمد بازوم.

أدانت الجزائر انقلابًا عسكريًا نُفِّذَ في تموز (يوليو) 2023. اعتبرت التطوّر مُعادٍ لمصالحها ومبادراته لرسم مسارات التسوية في النيجر. حتى أنَّ في الجزائر من استنتج أهدافًا مغرضة تستهدف الجزائر بالذات من خلال النيجر. قاطعت ذلك “الأمر الواقع” إلى أن حصل تحوّل يثبت أنَّ السياسة حرفة ماكيافيلية بامتياز.

استقبلت الجزائر في شباط (فبراير) 2026، تياني شخصيًا في قصر المرادية الرئاسي ووقعت معه اتفاقيات حول أنبوب الغاز العابر للصحراء “TSGP”. الأمر على ما يبدو استدعى منحهُ هبة عسكرية من 4 مروحيات أوائل الشهر الماضي أتبعتها بمقاتلات حربية لرد محاولة الإطاحة على ما كانت تسميه الجزائر قبل ذلك “الطغمة الحاكمة”.

استبدلت الجزائر بعد أقل من 3 سنوات مقاربتها بلهجة واقعية تقوم على “أكل العنب لا قتل الناطور”. تملي ضريبة الجغرافيا شروطها بحيث بات استقرار الجار، أيًا تكن شرعيته، ضرورة أمنية لا تحتمل التأجيل والتأويل والتعويل على تطويع أو تغيير في نظامه.

قد يكون من المبكر استنتاج هويات المستفيدين فعليًا مما جرى في نيامي؟

في بعض الروايات أنَّ روسيا، عبر “فيلق أفريقيا” قدّمت نفسها رقمًا صعبًا لا تضعفه حرب أوكرانيا وضامنًا دائمًا لبقاء نظام تياني. سارع سفيرها في نيامي، فيكتور فوروبايف، إلى التفاخر بأنَّ قيادة القاعدة 101 استغاثت بالعناصر الروسية لتحييد المتمردين. وبالتالي فإنَّ فشل التمرّد يعني ترسيخًا أعمق لموسكو في قلب الساحل، وتوسيعًا لنفوذها على ملف اليورانيوم، بعدما تراجع دور الشركات الفرنسية في التعدين النيجري.

وفي رواية أخرى، فإنَّ الجزائر نفسها أرادت أن تكون رابحة في الاستثمار في حماية تياني ليس إعجابًا به وثقة بقيادته، بل خشية أن يتحول سقوطه إلى نسخة ليبية جديدة على حدودها الجنوبية، تتقاسمها ميليشيات متناحرة بدل جيش موحّد ولو كان انقلابيًا.

ولمزيد من المفارقات، فإنَّ عتبًا يرقى إلى مستوى الخلاف اندلع بين الجزائر وروسيا بسبب دعم الأخيرة لانقلاب عام 2023 وبسبب انتشار ميليشيا روسية (الفيلق) على حدود البلدين. بعد 3 سنوات يتشارك البلدان في رفد الانقلاب القديم ومنع سقوطه على يد انقلاب جديد. وقد يتطوّر ذلك التقاطع لمنع الجماعات الجهادية العابرة للحدود من الاستفادة من الاهتزاز الأمني بنيامي لتوسيع مناطق نفوذها في مثلث الحدود بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو.

تخفي الأسباب الأمنية حوافز اقتصادية تقف وراء رشاقة الجزائر في الانقلاب على نفسها والهرع لتأمين سلامة نظام الجنرال تياني. فمشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الرابط بين نيجيريا والنيجر والجزائر نحو السواحل الأوروبية لا يحتمل استمرار الفراغ السياسي في نيامي. كما لا تحتمل الجزائر أن تخسر موطئ قدمها الاقتصادي لصالح شراكات جديدة عقدها “تحالف دول الساحل” مع موسكو وأنقرة. ثم أنَّ الجزائر ليست بوارد المخاطرة في خسارة تفاهمات عقدتها مع تياني ونظامه قبل أشهر.

والأرجح أنَّ المقاربة الجزائرية في النيجر تتولد من براغماتية تعبّر عنها السياسة الخارجية الجزائرية في السنوات الأخيرة. ابتعدت الجزائر عن فرنسا كثيرًا، واقتربت من الولايات المتحدة كثيرًا، وراحت بعيدًا في الانفتاح على الصين والتمسّك بالعلاقات التقليدية مع روسيا رغم حساسيات الأعوام الأخيرة. والأرجح أيضًا أنَّ الجزائر تدرك أنه، في زمن التحوّلات الكبرى، من الأجدى التمسك بشيءٍ تعرفه بدل الرهان على جديد لا تعرف مَن وما وراءه.

  • الدكتور محمّد قوّاص هو كاتب، صحافي ومُحلّل سياسي لبناني مُقيم في لندن. يُمكن متابعته عبر منصة (X) على: @mohamadkawas
  • يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) تَوازِيًا مع صُدورِه في “النهار العربي” (بيروت).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى