أَعيدوا جذع الأَرزة إِلى أَصله اللبناني
هنري زغيب*
طوال الانتداب الفرنسي على لبنان، بين أَيلول 1920 وتشرين الثاني/نوفمبر 1943، كان العلَمُ اللبناني نسخةً عن العلَم الفرنسي المثلَّث الأَلوان: أَزرق وأَحمر عن الطرفين، وأَبيض بينهما تتوسطه أَرزةٌ خضراءُ الأَوراق بُنِّيَّةُ الجذع.
وفي الجلسة التاريخية الثورية لمجلس النواب في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 1943، والجيشُ الفرنسي يحاصر البرلُمان، أَراد النائب سعدي الْمُنلا أَن يرسُم العلَم اللبناني ويلغي نُسخة الانتداب لعلَمنا. اقترح النائب هنري فرعون اللون الأَحمر في الأَعلى وفي الأَسفل، تتوسطه فسحة بيضاء عليها الأَرزة الخضراء وجذعُها بُنِّيٌّ بلون الشجر العادي. يومها وقَّع على هذا العلَم: الرئيس صبري حمادة، والنواب سعدي المنلا، هنري فرعون، صائب سلام، رشيد بيضون، محمد الفضل، مارون كنعان. وصورة هذا العلَم هي اليوم على غلاف “كتاب الاستقلال بالصُوَر والوثائق” تأْليف غسان تويني بمعاونة فارس ساسين ونوَّاف سلام.
بعد خروج الموقوفين في قلعة راشيا، واعتبار 22 تشرين الثاني/نوفمبر 1943 فجرَ استقلال لبنان، وإِبان أَول جلسة حكومية استقلالية في 7 كانون الأَول 1943، تقرَّرَ تعديل المادة الخامسة من الدستور اللبناني، وتكريس العلَم اللبناني باللون الأَحمر في الأَعلى والأَسفل وبينهما فسحةٌ بيضاء تتوسطها الأَرزة الخضراء. وهي الصورة الموجودة اليوم على غلاف كتاب غسان تويني ونوَّاف سلام.
بقيَت الأَرزةُ خضراءَ بُنِّيَّة الجذع، إِلى أَن صدر تعميم في 14 آب/أغسطس 1979، تلاه تعميم آخر في 3 نيسان/أبريل 2004، يشدِّد على احترام المادة الخامسة من الدستور وهي تفرض الأَرزة الخضراء في وسط العلَم. وهذا ما استند إِليه قرارُ حكومة نجيب ميقاتي في جلسة 22 كانون الثاني/يناير 2014 برسم الأَرزة الخضراء بكاملها واعتبار الجذْع البُنِّيِّ مخالفًا مادة الدستور الخامسة.
هذا هو الخلل بترجمة الأَرزة الخضراء عن الفرنسيةcèdre vert ، وهي تعني نوع الأَرز اللبناني واسمه العلْمي Cedrus Libani وجذعه بنيٌّ غامق. مقابل ذلك، كما شرح لي الخبير العميد أَدونيس نعمة، ثمة الأَرزةُ الزرقاء Cèdre Bleu واسمها العلْميCedrus Atlantica موجودة في أَفريقيا الشمالية، وخصوصًا في المغرب والجزائر، وجذعها بنيٌّ غامقٌ كسائر جذوع الشجر.
إِذًا: الأَرزة الخضراء في المادة الخامسة من الدستور هي علْميًّا نوعُ الشجر في أَعالي لبنان، ولا تعني أَبدًا أَن تكون خضراءَ بكاملها أَوراقًا وجذعًا، وتاليًا رسمُ الجذع بُنِّيًّا ليس مخالِفًا مادةَ الدستور.
الرئيس نوَّاف سلام، شريكُ غسان تويني في “كتاب الاستقلال” وعلى غلافه العلَمُ اللبنانيُّ الأَول وفي قلبه الأَرزةُ الخضراءُ وجذعُها البُنِّيُّ، نأْملُ منه تصحيحَ هذا الخطأِ العلْمي والفنِّيّ، وإِعادةُ الجذْع إِلى لونه البُنيّ، لأَن الأَرزةَ الخضراءَ بكاملِها ليست من تراثنا، ولا من هُويتنا، ولا من تاريخنا الطويل في لبنان اللبناني.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib



