مجلس السلام في غزة… إعادة الإعمار أم إعادة هندسة القطاع؟
بينما تُقدَّم مشاريع إعادة إعمار غزّة بوصفها استجابةً إنسانية لآثار الحرب، تكشف الوثائق والخطط المتداولة أنها قد تحمل أبعادًا تتجاوز إعادة البناء، لتطال مستقبل الأرض والملكية والسكان. فهل يتعلّق الأمر بإعادة إعمار القطاع، أم بإعادة هندسته؟

زها حسن*
عندما قدّم الممثل الأعلى لـ”مجلس السلام” الخاص بغزة، نيكولاي ملادينوف، أول إحاطة إعلامية رفيعة المستوى في أيار (مايو) الماضي، رَسَمَ صورةً لمستقبلٍ مختلف للقطاع بعد الحرب. فقد تحدّث عن إعادة بناء المنازل والمستشفيات والمدارس، وإحياء المجتمعات المحلية، وتهيئة الظروف التي تُتيحُ للفلسطينيين استعادةَ حياتهم ومُمارسة حقّهم في تقرير المصير.
لكن خلف هذا الخطاب المُطَمئِن، تتكشّفُ صورة أكثر تعقيدًا. فالوثائق التي ظهرت خلال الأشهر الماضية، إلى جانب الخطط التي أعدها مستشارون وشخصيات مرتبطة بالمجلس، تشيرُ إلى أنَّ إعادة الإعمار لا تُطرَحُ بوصفها مشروعًا هندسيًا أو إنسانيًا فحسب، بل باعتبارها مدخلًا لإعادة تنظيم غزة سياسيًا واقتصاديًا وديموغرافيًا.
وتزداد الصورة تعقيدًا لأنَّ “مجلس السلام” نفسه يحيط أعماله بقدر كبير من الغموض. فرُغمَ أنَّ ولايته أُنشئت في إطار الخطة الشاملة لإنهاء النزاع في غزة، التي أوكلت إليه مهام الإغاثة وإعادة الإعمار، فإنَّ ميثاقه لا يُقدِّمُ تصوُّرًا واضحًا لكيفية إدارة القطاع خلال المرحلة الانتقالية، ولا يُحدّدُ بدقة طبيعة صلاحياته أو آليات اتخاذ القرار داخله. وحتى رؤيته لمستقبل غزة لا يمكن استخلاصها من وثائقه الرسمية وحدها، بل من تصريحات مسؤولين أميركيين، ووثائق مُسَرَّبة، وقرارات داخلية، وخطط إعادة إعمار يجري تداولها بين مستشاريه وجهات التمويل الدولية.
وتثير البنية المؤسّسية للمجلس بدورها تساؤلات إضافية. فقد أكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أنَّ “مجلس السلام” ليس منظمة دولية حكومية تقوم على شراكة بين الدول، ولا يخضع لإطارٍ قانوني دولي مُتعارَف عليه، بل هو كيانٌ غير حكومي يتمتع فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بصلاحيات واسعة تشمل تحديد أجندته، وهيكليته، وتمويله، وإنشاء هيئاته الفرعية. كما إنَّ المجلس لا يخضع، في هذه المرحلة، لرقابة الكونغرس الأميركي على مساهماته المالية أو عملياته الخارجية، وهو ما يزيد من محدودية الشفافية في عمله.
وفي الوقت نفسه، كانت إدارة ترامب تعلن تأييدها لفكرة إعادة توطين الفلسطينيين خارج غزة، قبل أن يتراجع الرئيس الأميركي لاحقًا عن بعض تصريحاته، مؤكدًا أنه لا يسعى إلى “طرد” الفلسطينيين، بل إلى طرح خيارات أمامهم. غير أنَّ الخطط التي يجري إعدادها داخل “مجلس السلام” تمضي أبعد من مجرّد طرح الأفكار، إذ تُدرَج، بصورة صريحة أو ضمنية، مفهوم “الهجرة الطوعية” ضمن التصوّرات المطروحة لإعادة إعمار القطاع، وهو ما يشكّل الخلفية التي تنطلق منها المشاريع الثلاثة التي ستتناولها الأجزاء التالية.
ثلاثُ خطط… ورؤيةٌ واحد
رُغمَ أنَّ الخطط المطروحة تحمل أسماء مختلفة، فإنها تنطلق من تصوُّرٍ واحد لمستقبل غزة. فخلال عام 2025 أُعِدَّت ثلاث مبادرات رئيسة هي: صندوق إعادة إعمار غزة وتسريع التحول الاقتصادي (GREAT Trust)، ومشروع “شروق الشمس” (Project Sunrise)، وخطة مركز التنسيق المدني–العسكري (CMCC) الخاصة بإنشاء مجمّعات سكنية مؤقتة في رفح. وبينما تبدو هذه المبادرات، للوهلة الأولى، مستقلّة عن بعضها، فإنها تتكامل عمليًا ضمن رؤية واحدة تقوم على إعادة تنظيم القطاع إداريًا وعمرانيًا واقتصاديًا، بالتوازي مع إعادة توزيع السكان وإعادة ترتيب إدارة الأراضي والأصول.
ولم تُعَدّ هذه الخطط داخل مؤسسة واحدة أو على يد فريق تقني محدود، بل شارك في مراجعتها وإعادة صياغتها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وجاريد كوشنر، والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، قبل عرضها على حكومات وجهات تمويل ومستثمرين دوليين. كما ساهم في إعدادها عدد من الشخصيات السياسية والمالية والأمنية، من بينها رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، عبره شخصيًا ومن خلال معهد توني بلير للتغيير العالمي، والرئيس التنفيذي لشركة “أبولو غلوبال مانجمنت” مارك روان، ورجل الأعمال مايكل أيزنبرغ، وآرييه لايتستون، إضافة إلى خبراء ومستثمرين وضباط سابقين في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. وانتقل عدد من هؤلاء لاحقًا إلى مواقع تنفيذية داخل “مجلس السلام” أو الهيئات المشرفة على تنفيذ مشاريعه في غزة.
كما شارك عدد من هؤلاء في تصميم “مؤسسة غزة الإنسانية” (GHF)، التي تولت إدارة توزيع المساعدات الإنسانية عبر متعاقدين من القطاع الخاص، قبل أن تنتقل مسؤولياتها تدريجيًا إلى مركز التنسيق المدني–العسكري (CMCC)، الذي أوكلت إليه أيضًا مهام تتصل بالتخطيط الأمني وإدارة المرحلة الانتقالية. وفي الوقت نفسه، ساهم معهد توني بلير في إعداد تصوُّرٍ لسلطة انتقالية تقودها الولايات المتحدة لإدارة غزة، وهو المشروع الذي شكّل إحدى الركائز المؤسسية التي انطلق منها “مجلس السلام” لاحقًا.
ويُعد مشروع “GREAT Trust” أكثر هذه المبادرات تفصيلًا. فهو يقترح إنشاء سلطة انتقالية تتولى إدارة عملية إعادة الإعمار، مع نقل إدارة نسبة كبيرة من الأراضي العامة في القطاع إلى صندوق ائتماني يشرف على تطويرها واستثمارها إلى حين انتهاء المرحلة الانتقالية. كما يفتح الباب أمام ترتيبات قانونية تمسُّ الملكيات الخاصة، بما يربط إعادة الإعمار بإعادة تنظيم ملكية الأراضي وإدارتها، وهي مسألة تتجاوز بكثير مجرد تشييد المساكن أو إصلاح البنية التحتية.
ولا يقتصر دور الصندوق الائتماني على إدارة أموال إعادة الإعمار، بل يقوم على نقل إدارة جُزءٍ كبير من الأراضي والأصول العامة إلى كيان مستقل يتولى تطويرها واستثمارها خلال المرحلة الانتقالية، على أن تُستخدم عائداتها في تمويل مشاريع إعادة البناء. كما يفتح المشروع الباب أمام معالجة أوضاع الملكيات الخاصة، من خلال آليات قانونية وإدارية جديدة، بما يسمح بإعادة تنظيم استخدام الأراضي بما يتلاءم مع المخطط العمراني المقترح للقطاع. وبهذا المعنى، لا يقتصر دور الصندوق على تمويل إعادة الإعمار، بل يتحوّل إلى الأداة الرئيسة لإدارة أصول غزة خلال السنوات التي تلي الحرب.
وفي هذا السياق، أُعِدَّت دراسة مالية داخلية حملت الاسم الرمزي “أورورا” (Aurora)، هدفت إلى مقارنة الكلفة الاقتصادية لسيناريوَين مختلفين: إعادة إعمار القطاع مع بقاء السكان فيه، أو تشجيع قسم منهم على إعادة التوطين خارج غزة. وانتهت الدراسة إلى أنَّ الخيار الثاني قد يحقق وفرًا ماليًا يُقدَّر بنحو 23 ألف دولار للشخص الواحد، وهي المقاربة التي أثارت انتقادات واسعة، لأنها تعاملت مع قضية إعادة التوطين بوصفها مسألة كلفة وعائد اقتصادي، أكثر منها قضية ترتبط بحقوق السكان ومصيرهم. وقد دفعت هذه الانتقادات مجموعة بوسطن الاستشارية (BCG) لاحقًا إلى التنصُّل من الدراسة، وإعلان أنَّ العمل الذي أُنجز لا يعكس سياساتها المؤسسية.
غير أنَّ الإشكالية الأساسية لا تكمن في الجوانب الاقتصادية وحدها، بل في توقيت هذه المقترحات. فالحديث عن إعادة تنظيم الملكيات وتسجيلها يأتي في وقتٍ تعرّضت فيه السجلات العقارية لأضرار واسعة، ودُمِّرَت أحياء كاملة، فيما لا يزال عدد كبير من أصحاب الحقوق نازحين أو مفقودين أو تحت الأنقاض. وفي مثل هذه الظروف، قد تتحوّل أيُّ ترتيبات قانونية أو مالية جديدة إلى مصدر لنزاعات طويلة الأمد حول ملكية الأراضي والعقارات بعد انتهاء الحرب.
ولا تقتصر الإشكالية على الصعوبات التقنية في توثيق الملكيات، بل تمتد إلى الأساس القانوني الذي ستُبنى عليه عملية إعادة الإعمار. فالقانون الدولي الإنساني يفرض حماية الملكية الخاصة في الأراضي الواقعة تحت الاحتلال، ولا يجيز المساس بها أو نقلها إلّا ضمن شروط استثنائية ومحددة. وفي المقابل، تقوم الخطط المطروحة على إنشاء ترتيبات انتقالية جديدة لإدارة الأراضي والأصول، في وقتٍ لا يزال عددٌ كبير من أصحاب الحقوق نازحين أو مفقودين أو عاجزين عن إثبات ملكياتهم بسبب الدمار الذي طال السجلات العقارية والأحياء السكنية.
ويزداد هذا التعقيد إذا ارتبط الحصول على السكن الدائم أو التعويضات أو المشاركة في مشاريع إعادة الإعمار بإجراءات تتعلق بإعادة تسجيل الملكيات أو نقل بعض الحقوق إلى الصندوق الائتماني. ففي مثل هذه الظروف، لا يعود النقاش مقتصرًا على إعادة بناء ما دمرته الحرب، بل يمتد إلى الكيفية التي ستُحدَّد بها حقوق الملكية بعد انتهاء النزاع، وما إذا كانت التدابير المؤقتة ستتحوّل إلى ترتيبات قانونية دائمة يصعب تعديلها لاحقًا. ولهذا، فإنَّ أيَّ مشروع لإعادة إعمار غزة سيكون عرضة لتدقيق قانوني وسياسي واسع، ليس بسبب حجمه الاقتصادي فحسب، بل بسبب أثره المحتمل في حقوق السكان وممتلكاتهم ومستقبل عودتهم إلى مناطقهم الأصلية.
من الخطط إلى التنفيذ الميداني
إذا كان مشروع “GREAT Trust” يضع الإطار المالي والقانوني لإدارة مرحلة ما بعد الحرب، فإنَّ “مشروع شروق الشمس” “Project Sunrise ” قدم الرؤية الاقتصادية والعمرانية التي يفترض أن تقوم عليها غزة الجديدة. فالمشروع لا يقتصر على إعادة إعمار ما دمرته الحرب، بل يقترح إعادة تصميم أجزاء واسعة من القطاع، بما يشمل استخدامات الأراضي، والواجهة البحرية، والبنية التحتية، والمناطق السكنية، بما يتيح استقطاب استثمارات دولية وتحويل غزة إلى مركز اقتصادي متّصل بأسواق المنطقة.
وتقوم الخطة على إعادة تطوير نحو 70 في المئة من الشريط الساحلي، وإنشاء مناطق سياحية وتجارية ومرافئ حديثة، إلى جانب إقامة مدينة جديدة في رفح تضم أحياء سكنية حديثة، ومناطق أعمال، ومرافق خدمية، وبنية تحتية رقمية متطورة، بحيث تصبح مركزًا إداريًا واقتصاديًا لمرحلة ما بعد الحرب. كما تتضمن الخطة تطوير شبكات النقل والطاقة والاتصالات، بهدف جذب رؤوس الأموال الخاصة والمؤسسات الاستثمارية الدولية، وربط الاقتصاد المحلي بشبكات التجارة والاستثمار الإقليمية.
وتنطلق هذه الرؤية من اعتبار أنَّ إعادة الإعمار ينبغي أن تتحوّل إلى مشروع تنموي طويل الأمد، لا يقتصر على تعويض ما دمرته الحرب، بل يُعيدُ تشكيل الاقتصاد المحلي على أُسُسٍ جديدة. ولهذا، لا ينظر المشروع إلى الأراضي والبنية التحتية باعتبارها مجرد أصول تحتاج إلى إعادة تأهيل، وإنما باعتبارها قاعدة لمشاريع استثمارية يمكن أن تموِّل جُزءًا من عملية إعادة الإعمار نفسها.
غير أنَّ هذه الرؤية تثير سؤالًا أساسيًا لا تقدم الخطة جوابًا واضحًا عنه، وهو: مَن يملك الأراضي التي ستُقام عليها هذه المشاريع؟ فغالبية الأراضي الساحلية، إضافة إلى مساحات واسعة من المناطق المستهدفة بالتطوير، تعود ملكيتها إلى فلسطينيين. ومن ثمَّ، فإنَّ تنفيذ هذه التصوُّرات العمرانية يرتبط، بصورة مباشرة، بمصير حقوق الملكية، وإمكان عودة السكان إلى مناطقهم الأصلية، وهي قضايا تبقى غائبة عن تفاصيل المشروع، رُغمَ أنها تُشكّلُ أحد أهم عناصره.
وفي موازاة هذه التصوُّرات، ظهرت خطة ثالثة حملت توقيع مركز التنسيق المدني–العسكري (CMCC)، وتقضي بإنشاء مجمعات سكنية مؤقتة في رفح لاستقبال عشرات الآلاف من الفلسطينيين الذين يُنقَلون من مناطق مختلفة من القطاع. وتعرض الخطة هذه المجمعات بوصفها حلًّا إنسانيًا مؤقتًا يتيح استمرار إعادة الإعمار في المناطق الأخرى، إلّا أنها تربط الإقامة فيها بإجراءات أمنية وإدارية تشمل التحقق من الهوية وجمع البيانات البيومترية، إلى جانب دراسة أوضاع الملكيات العقارية للسكان.
وتشير صور الأقمار الاصطناعية والتقارير إلى أنَّ أعمالًا ميدانية بدأت بالفعل في محيط رفح، شملت إزالة أحياء مدمرة، وتسوية مساحات واسعة من الأراضي، بما يتوافق مع الأعمال التحضيرية اللازمة لإنشاء هذه المجمعات. ويمنح ذلك الخطط المطروحة بُعدًا عمليًا يتجاوز حدود الدراسات النظرية أو التصوّرات المستقبلية.
وتثير هذه الإجراءات إشكالية قانونية إضافية، إذ يصبح الحصول على سكن مؤقت، في ظلِّ الدمار الواسع الذي أصاب القطاع، مرتبطًا بإجراءاتٍ تتعلق بحقوق الملكية وتوثيقها. وفي ظلِّ تدميرِ أجزاءٍ كبيرة من السجلات العقارية، ووجود أعداد كبيرة من المفقودين والنازحين، تبدو عملية إعادة تثبيت الملكيات أكثر تعقيدًا من مجرد تسجيل إداري، وقد تتحول لاحقًا إلى أحد أكثر الملفات حساسية في مرحلة ما بعد الحرب.
بين الحرب وإعادة الإعمار
ولا يمكن، وفق هذا التصوُّر، فصل مشاريع إعادة الإعمار عن المسار العسكري الذي تشهده غزة منذ اندلاع الحرب في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023. فاستمرار العمليات العسكرية، واتساع نطاق الدمار، ونقل السكان من مناطق القتال، كلها عوامل تشكل البيئة التي يفترض أن تُنفَّذ فيها هذه المشاريع.
وفي هذا السياق، تبرز سياسة “الهجرة الطوعية” التي دافع عنها عدد من المسؤولين الإسرائيليين بوصفها أحد أكثر الملفات إثارة للجدل. فالفكرة لا تقوم على الترحيل القسري المباشر، وإنما على خلق ظروف تدفع السكان إلى مغادرة القطاع أو قبول إعادة توطينهم في أماكن أخرى، في ظل استمرار الحرب وتراجع مقومات الحياة. وليست هذه الفكرة جديدة في الخطاب السياسي الإسرائيلي، إذ طُرحت في تصريحات ومبادرات تعود إلى سنوات سابقة، غير أنَّ الحرب الحالية منحتها زخمًا جديدًا، مع تزامنها مع مشاريع تتناول إعادة إعمار القطاع وإدارته في مرحلة ما بعد الحرب.
ولا تبدو هذه الخطط معزولة عن الخطاب السياسي الإسرائيلي خلال الحرب. فقد تحدث وزير المالية بتسلئيل سموتريتش عن مرحلة ما بعد القتال بوصفها فرصة لإطلاق مشاريع استثمارية واسعة في غزة، وهو طرح يتقاطع مع التصوُّرات التي تتضمنها مشاريع إعادة الإعمار، ويثير تساؤلات حول العلاقة بين إعادة البناء وإعادة تشكيل القطاع.
هل أصبح مجلس السلام جزءًا من المشكلة؟
تثير التطوّرات الميدانية سؤالًا آخر لا يقل أهمية عن خطط إعادة الإعمار نفسها: هل ما يزال “مجلس السلام” يعمل لتحقيق الأهداف التي أُنشِئ من أجلها، أم أنَّ دوره أخذ يتكيّف تدريجيًا مع الوقائع التي فرضتها الحرب؟
فالخطط المطروحة لا تبدو مرتبطة بالتوصل إلى تسوية سياسية شاملة أو بوقف نهائي للعمليات العسكرية. بل إنَّ استمرار القتال في أجزاء من القطاع يوفر، عمليًا، مبرّرًا لنقل المدنيين إلى المجمّعات المؤقتة في رفح، بما يسمح ببدء مشاريع إعادة الإعمار في مناطق أخرى وفق الترتيبات الجديدة المقترحة.
وفي الوقت نفسه، لم يبرز أي موقف علني للمجلس يطالب بوقف العمليات العسكرية أو يدعو إلى تنفيذ كامل لبنود المرحلة الأولى من خطة إنهاء الحرب، كما لم يُسجل اعتراض على استمرار العمليات التي أوقعت أعدادًا كبيرة من الضحايا المدنيين، أو على تواصل عمليات استهداف قيادات حركة “حماس” خلال فترات التهدئة.
وينطبق الأمر نفسه على عمليات هدم الأحياء السكنية في المناطق التي أصبحت تحت السيطرة الإسرائيلية، وهي عمليات تُقلِّص، عمليًا، فرص عودة السكان إلى منازلهم بعد انتهاء الحرب، كما إنَّ التصريحات الإسرائيلية التي تحدثت عن توسيع مناطق السيطرة العسكرية داخل القطاع لم تواجه أي موقف معلن من المجلس، رغم ارتباطها المباشر بمستقبل إعادة الإعمار.
وفي الجانب الإنساني، استمرت القيود المفروضة على دخول المساعدات، وعلى عمل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) وعدد من المنظمات الدولية، بينما اتجه “مجلس السلام” إلى تطوير آليات بديلة لإدارة عمليات الإغاثة، بدل المطالبة بإزالة القيود التي تعيق عمل المؤسسات الإنسانية القائمة. ويثير هذا المسار تساؤلات حول ما إذا كانت الهياكل الجديدة ستكمل عمل المنظمات الدولية أم ستحل محلها تدريجيًا.
وفي المقابل، لم يؤدِّ إعلان حركة “حماس” استعدادها للتخلي عن إدارة القطاع لمصلحة اللجنة الوطنية لإدارة غزة إلى تغيير في مسار هذه الخطط. كما لم يترافق ذلك مع دعوات لاستبدال الوجود العسكري الإسرائيلي بترتيبات أمنية أو دولية انتقالية، بل استمرت مشاريع الإغاثة وإعادة الإعمار في التقدم داخل المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، بالتوازي مع استمرار العمليات العسكرية في مناطق أخرى من القطاع.
ويعني ذلك أنَّ إعادة الإعمار، وفق هذا المسار، قد تبدأ قبل انتهاء الحرب وقبل التوصل إلى تسوية سياسية نهائية. ومع استمرار الدمار، وبقاء أعداد كبيرة من السكان في المجمّعات المؤقتة، تزداد المخاوف من أن تتحوَّل الإجراءات التي وُضعت بوصفها حلولًا انتقالية إلى واقعٍ دائم يصعب التراجع عنه، وأن يصبح شكل غزة بعد الحرب نتاجًا للوقائع التي تُفرَضُ على الأرض، أكثر منه نتيجة لاتفاق سياسي شامل.
إعادة الإعمار… بأي ثمن؟
لا يُقاسُ نجاحُ أي مشروع لإعادة إعمار غزة بعدد المباني التي تُشيَّد، أو بحجم الأموال التي تُضخ فيه، بل بقدرته على إعادة السكان إلى مدنهم وأحيائهم، وصون حقوقهم في أرضهم وممتلكاتهم، وضمان ألَّا تتحوّل الإجراءات الاستثنائية التي فرضتها الحرب إلى واقعٍ دائم يُعيدُ رسم القطاع سياسيًا أو ديموغرافيًا.
فالدمار الذي خلّفته الحرب يفرض بلا شك عملية إعادة إعمار واسعة، لكن هذه العملية لا يمكن أن تكتسب شرعيتها من الاعتبارات الاقتصادية أو الأمنية وحدها. فالملكية الخاصة، وحق السكان في العودة، وحرية الاختيار، ليست قضايا يمكن تأجيلها إلى ما بعد انتهاء البناء، بل هي جُزءٌ من إعادة الإعمار نفسها.
وإذا ارتبطت إعادة البناء بإعادة توزيع السكان، أو بتغيير أوضاع الملكيات، أو بإقامة ترتيبات انتقالية يصعب التراجع عنها لاحقًا، فإنَّ الحدود الفاصلة بين إعادة الإعمار وإعادة تشكيل القطاع تصبح أكثر غموضًا، وتتحوّل الأسئلة القانونية والإنسانية إلى جُزءٍ من المشروع نفسه، لا إلى نتائج تترتب عليه بعد اكتماله.
ولهذا، فإنَّ مستقبل غزة لن يتحدّد فقط بما سيُبنى فوق الأرض، بل أيضًا بالطريقة التي ستُتخذ بها القرارات المتعلقة بمن يملك هذه الأرض، ومن يعود إليها، ومن يشارك في رسم مستقبلها. فإعادة الإعمار التي لا تقوم على احترام القانون الدولي، وحماية حقوق الملكية، وضمان العودة الطوعية والآمنة للسكان، قد تنجح في تشييد مدن جديدة، لكنها ستظل عاجزة عن بناء سلام مستدام.
ويبقى المعيار الحقيقي للحكم على هذه المشاريع هو مدى التزامها بالقانون الدولي. فإعادة الإعمار لا تكتسب مشروعيتها من قدرتها على بناء مدن جديدة، بل من احترامها حقوق السكان، وحماية الملكية الخاصة، وضمان العودة الطوعية والآمنة إلى المنازل والأراضي متى سمحت الظروف بذلك. فإعادة الإعمار التي لا تحمي الحقوق، قد تنجح في بناء المدن، لكنها تعجز عن بناء السلام.
- زها حسن هي محامية حقوق إنسان وزميلة أولى في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.