الجيش اللبناني… آخر مدرسة للوطن
البروفِسور بيار الخوري*
يحتفل اللبنانيون في الأول من آب (أغسطس) بعيد جيشهم، لكنه ليس عيدًا يشبه سائر المناسبات الوطنية. ففي بلدٍ تآكلت مؤسساته تحت وطأة الانقسامات والأزمات، بقي الجيش المؤسسة التي صمدت حين انهار كثيرٌ مما حولها، وحافظت على حضورها وثقة اللبنانيين بها. غير أنَّ هذا الاحتفال غالبًا ما يحصر الجيش في دوره العسكري والدفاعي، مُتجاهلًا وظيفة أخرى لا تقل أهمية، وربما هي الأعمق أثرًا في مستقبل البلاد: فالجيش ليس قوة لحماية الحدود فحسب، بل هو أيضًا مدرسة وطنية نجحت في تحقيق ما عجزت عنه مؤسسات التربية والتعليم.
فمنذ قيام الدولة اللبنانية، نشأ النظام التعليمي على أُسُسٍ تعكس الانقسامات الاجتماعية والطائفية أكثر مما تعكس فكرة المواطنة الجامعة. فلكلِّ طائفة مدارسها، ولكل منطقة بيئتها التعليمية، وحتى عندما تتشابه المناهج والكتب، يبقى الواقع مختلفًا داخل الصفوف. وهكذا ينشأ التلامذة في دوائر مغلقة، يتلقّون رواياتٍ مُتباينة عن التاريخ، ويكبرون من دون أن تُتاحَ لهم فرصةٌ حقيقية للتعرُّف إلى أبناء المناطق والطوائف الأخرى أو فهم طريقة تفكيرهم وحياتهم. ومن هنا، لا تكمن أزمة التعليم اللبناني في نصوص المناهج وحدها، بل في البنية التي يقوم عليها النظام التعليمي نفسه، والتي كرّست الانقسام بدل أن تبني مجتمعًا وطنيًا متماسكًا.
وإذا كانت المدرسة اللبنانية قد كرّست، في كثير من الأحيان، واقع الانقسام، فإنَّ الجيش كسر هذه المعادلة. فالشاب الذي يدخل الخدمة العسكرية يجد نفسه، للمرة الأولى، يعيش مع أشخاص ربما لم يكن ليلتقيهم طوال حياته لولا المؤسسة العسكرية. ينامُ معهم في العنبر نفسه، ويتناول الطعام ذاته، ويتلقّى التدريب نفسه، ويخضع للمعايير نفسها، من دون أن يكون لاسم عائلته أو منطقته أو انتمائه الطائفي أي امتياز أو استثناء. وفي هذا الاحتكاك اليومي، تتراجع الهويات الضيّقة لمصلحة هويةٍ أوسع تتشكّل بالتجربة لا بالشعارات.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية لهذه التجربة. فالانتماء الوطني لا يُبنى بالمحاضرات ولا بحفظ النصوص، بل بالعيش المشترك. وما يختبره الجندي داخل الثكنة ليس درسًا في التربية الوطنية، بل ممارسة يومية لها. ولذلك، يبقى أثر هذه التجربة أعمق بكثير من أيِّ معرفة يكتسبها الطالب في قاعة الدرس؛ فهي لا تنتهي بانتهاء الامتحان، بل تتحوّل إلى خبرةٍ راسخة ترافق الإنسان في سلوكه ونظرته إلى الآخرين.
ومن هنا، تبدو النظرة التي تختزل التدريب العسكري في اكتساب المهارات القتالية وحدها نظرة قاصرة. فالثكنة لا تُعلِّم استخدام السلاح فحسب، بل تُنمّي مجموعة من المهارات التي أصبحت اليوم في صلب النظريات التربوية الحديثة. فالانضباط، على سبيل المثال، ليس قمعًا للإرادة الفردية، بل تدريبٌ على ضبط الذات وتقديم المصلحة العامة على الرغبات الآنية، وهو ما تسعى إليه المدارس الحديثة تحت مفهوم “التنظيم الذاتي”. كما إنَّ التخطيط العسكري، بما يتطلبه من تنظيمٍ للأولويات، وتوزيعٍ للأدوار، وإدارةٍ دقيقة للموارد، لا يختلف في جوهره عن مهارات حلِّ المشكلات التي تسعى المؤسسات التعليمية إلى ترسيخها. أما القيادة الميدانية، حيث يتعيَّن على الفرد اتخاذ قرارات سريعة في ظروف ضاغطة وبمعلومات غير مكتملة، فتمنح خبرة عملية يصعب على أيِّ برنامجٍ أكاديمي أن يحاكيها بالقدر نفسه من الواقعية.
والأهم من ذلك أنَّ هذا النمط من التعلم ليس ابتكارًا حديثًا استعارته المؤسسة العسكرية من الجامعات، بل يكاد يكون العكس هو الصحيح. فمنذ نشأة الجيوش، اعتمد التدريب العسكري على الممارسة والمحاكاة والتكرار والعمل الجماعي في ظروفٍ تُحاكي الواقع، لا على الحفظ والإلقاء. فالجندي يتعلم الرماية بإطلاق النار، والحركة بالميدان بالتحرّك فيه، والقيادة بقيادة الرجال فعلًا، لا بقراءة فصل نظري عنها. وما تسميه الجامعات اليوم “التعلُّم النشط” ليس سوى إعادة اكتشاف لمبدَإٍ عرفته المؤسسة العسكرية منذ قرون: أنَّ المعرفة تُكتَسَب بالفعل أكثر مما تُكتَسَب بالتلقّي.
ولهذا، سبقت الثكنة العسكرية قاعات المحاضرات في اعتماد منهجٍ يقوم على التجربة المباشرة بوصفها أساسًا للتعلُّم. ففي حين باتت الجامعات تتحدث اليوم عن أهمية التعلُّم بالممارسة، ظلَّ الجيش يُطبِّق هذا المبدأ بصورة يومية، من دون أن يحتاج إلى نظريات أو مؤتمرات تربوية تُثبتُ جدواه. وما زالت المفارقة قائمة في أنَّ كثيرًا من مدارسنا، رُغم كلِّ محاولات التطوير، تتمسّك بنموذج تعليمي يقوم على التلقين أكثر مما يقوم على المشاركة والتجربة.
ولا يعني ذلك أنَّ الجيش يمكن أن يحل محل المدرسة، أو أنَّ عسكرة التعليم تُمثّل حلًّا لأزمة التربية والتعليم في لبنان. فلكل مؤسسة رسالتها ودورها. لكن التجربة العسكرية اللبنانية تقدّم نموذجًا تربويًا يستحق التأمل، لأنها نجحت عمليًا في تحقيق ما تسعى إليه نظريات التربية الحديثة: بناء شخصية قادرة على العمل الجماعي، وتحمُّل المسؤولية، واحترام النظام، والتعامل مع الاختلاف بوصفه جُزءًا من الحياة المشتركة. والأهم من ذلك أنها تجمع شبابًا من مختلف المناطق والطوائف في تجربة واحدة، فيتعرّف كلٌّ منهم إلى الآخر قبل أن يصدر أحكامه عليه.
ومن هنا، تبدو قيمة الجيش اللبناني أكبر من دوره الدفاعي وحده. ففي بلدٍ أنهكته الانقسامات، نجح في أن يكون إحدى المؤسسات القليلة التي تصنع خبرة وطنية مشتركة يعيشها اللبنانيون، لا مجرد فكرة يتعلّمونها في الكتب. ولعلَّ هذه هي الرسالة الأعمق التي يستحق عيد الجيش أن يُذكِّرنا بها: أنَّ بناء الوطن لا يبدأ فقط بحماية حدوده، بل أيضًا ببناء مواطن يكتشف، من خلال التجربة المشتركة، أنَّ ما يجمع اللبنانيين أكبر بكثير مما يُفرّقهم.
- البروفِسور بيار الخوري هو أكاديمي وخبير تربوي، محلل اقتصادي لبناني وكاتب في الاقتصاد السياسي. وهو أستاذ مواد الدكتوراه والماجستير في إدارة الأعمال في جامعات عدة في أميركا الشمالية ولبنان.



