تونس في قبضةِ سعيّد… خمسُ سنوات غيَّرت وَجهَ الدولة
من الاستثناء الديموقراطي في العالم العربي إلى دولةٍ تتَّسع فيها قبضة السلطة وتتراجع مكانتها الإقليمية والدولية. هكذا تبدو حصيلة خمس سنوات على قرارات 25 تموز (يوليو) 2021 التي غيّرت وجه تونس.

سابينا هينبيرغ وسارة ييركس*
شكّل الخامس والعشرون من تموز (يوليو) محطة قاتمة في التاريخ السياسي الحديث لتونس، إذ صادف مرور خمس سنوات على نهاية التجربة الديموقراطية القصيرة التي أعقبت ثورة عام 2011. ففي هذا اليوم من عام 2021، أقدم الرئيس قيس سعيّد على تركيز السلطة بين يديه، مستندًا إلى ما وصفه بحالة طوارئ استثنائية، فأقال عددًا من أعضاء الحكومة، وعلّق عمل البرلمان المُنتَخَب ديموقراطيًا، في خطوةٍ اعتبرها كثيرون بداية مسار أنهى التجربة الديموقراطية في البلاد. ومنذ ذلك الحين، اتسمت سياساته بتصاعد القبضة الأمنية واتساع العزلة الدولية، في وقتٍ ساهم فيه تراجع اهتمام عدد من الشركاء الغربيين، ولا سيما في الولايات المتحدة وأوروبا، الذين كانوا من أبرز داعمي الانتقال الديموقراطي في تونس، في توفير بيئة سمحت بترسيخ هذا المسار.
وجاء هذا التحوُّل في مرحلة كانت تونس لا تزال تجني ثمار الانتقال الديموقراطي الذي انطلق عقب انتفاضات “الربيع العربي” عام 2011. فعلى امتداد العقد التالي، لعب مجتمع مدني نشط دورًا محوريًا في تعزيز العلاقة بين المواطنين والمؤسسات المنتخبة، فيما شرعت الدولة في تنفيذِ مشروعٍ للامركزية يهدف إلى توسيع صلاحيات السلطات المحلية وتمكينها من إدارة شؤونها بصورة أكثر استقلالية. وفي هذا السياق، وصل قيس سعيّد إلى الرئاسة عام 2019 مُستفيدًا من تعهّداته باستكمال مسار اللامركزية، ومكافحة الفساد، وتحفيز النمو الاقتصادي، ومعالجة الفوارق التنموية بين المناطق الداخلية والمناطق الساحلية.
من الديموقراطية إلى الحكم الفردي
غير أنَّ الآمال التي علّقها كثيرٌ من التونسيين على تلك الوعود سرعان ما تبددت مع ما وُصف بـ”الانقلاب الذاتي” في 25 تموز (يوليو) 2021. فمنذ ذلك التاريخ، اتجه سعيّد إلى إعادة تشكيل النظام السياسي، عبر تهميش السلطات المحلية، واستبدال الدستور، وتوظيف القضاء في مواجهة خصومه السياسيين. وخلال فترة قصيرة، انتقلت تونس من ديموقراطية تواجه تحديات اقتصادية وسياسية معقّدة إلى نظامٍ استبدادي تقلّصت فيه مساحة العمل المدني، وتراجعت فيه فرص المعارضة العلنية إلى حدود غير مسبوقة.
وكان من أبرز تجليات هذا التحوّل إصدار “المرسوم 54” عام 2022، الذي جرّم نشر ما وصفه بـ”الأخبار الزائفة”، وفرض عقوبات بالسجن تصل إلى خمس سنوات، وترتفع إلى عشر سنين إذا تعلقت المادة المنشورة بمسؤول حكومي. وقد أدى هذا التشريع إلى توسيع مناخ الخوف والرقابة الذاتية بين الصحافيين والباحثين والمحلّلين، كما أثار انتقادات واسعة من المنظمات الحقوقية الدولية، التي اعتبرت المرسوم جُزءًا من حملةٍ متصاعدة لتقييد حرية التعبير وإسكات الأصوات المنتقدة للسلطة في تونس.
ولم يقتصر التضييق على تقييد المجال العام، بل امتد إلى النخبة السياسية نفسها. فقد اضطر عددٌ من أبرز الوجوه المحسوبة على المسار الديموقراطي إلى مغادرة البلاد، من بينهم رئيس الوزراء السابق يوسف الشاهد، والرئيس الأسبق المنصف المرزوقي، ونادية عكاشة، التي شغلت سابقًا منصب رئيسة ديوان الرئيس قيس سعيّد، والذين صدرت بحقهم أحكام غيابية قاسية. وأدى هذا النزوح السياسي إلى إضعاف فرص إطلاق حوار وطني جاد، كما حدّ من قدرة قوى المعارضة على توحيد صفوفها في مواجهة القرارات التي اتخذها الرئيس.
وفي المقابل، واجه معارضون اختاروا البقاء في تونس ملاحقات قضائية انتهت بأحكام مشددة استندت إلى اتهامات تتعلق بالتآمر على الدولة. وكان من أبرزهم راشد الغنوشي، زعيم حركة “النهضة”، أكبر الأحزاب التونسية وأكثرها نفوذًا، إذ حُكم عليه، وهو في الخامسة والثمانين من عمره، بالسجن المؤبد، إضافة إلى ثلاثين عامًا أخرى، فضلًا عن حكم سابق بالسجن لمدة عشرين عامًا.
العزلة السياسية… وتفاقم الأزمة الاقتصادية
وعلى الصعيد الخارجي، انعكس التحوُّل السياسي الداخلي على موقع تونس الإقليمي والدولي. فبعد سنوات من توسيع شبكة علاقاتها الدولية عقب ثورة 2011، دخلت البلاد في مرحلة اتسمت بانكماش حضورها الديبلوماسي في عهد سعيّد. ويُعزى ذلك، في جانب منه، إلى أسلوبه في إدارة السلطة، إذ يُنظَرُ إليه على أنه يحيط نفسه بدائرة ضيقة من المقربين، ويقيم علاقات محدودة مع القادة الأجانب، إلى جانب إجرائه تعديلات متكررة على حكومته، شملت تغيير رئيس الوزراء خمس مرات منذ عام 2019.
وأدّى هذا الاضطراب السياسي، مقرونًا بالعزلة الخارجية، إلى غياب رؤية اقتصادية متماسكة لمواجهة الأزمة المتفاقمة. فلا تزال معدلات البطالة تدور حول 15 في المئة، فيما ترزح البلاد تحت أعباء ديون مرتفعة، وتتراجع القدرة الشرائية للمواطنين مع استمرار التضخم بوتيرة تفوق نمو الأجور. كما تحدثت تقارير عن نقصٍ في بعض الأدوية والمواد الغذائية، في حين أظهر مؤشر الحرية الاقتصادية الصادر عن “مؤسسة هيريتيج” أنَّ مستوى الانفتاح الاقتصادي في تونس بلغ أدنى مستوياته منذ عام 1995. وفي ظل هذه الظروف، خرجت احتجاجات رفعت شعارًا عكس حجم الضائقة الاجتماعية: “الشعب جائع والسجون ممتلئة”.
ورغم تفاقم الأزمة الاقتصادية، تمسّك سعيّد برفض عدد من عروض الدعم الخارجي، مؤكدًا أنَّ تونس “لا تقبل أي شيء يشبه الصدقة”. ففي عام 2023، رفض مساعدات اقتصادية بقيمة 60 مليون يورو عرضها الاتحاد الأوروبي، رغم تأكيد المفوضية الأوروبية لاحقًا تحويل هذه الأموال بالفعل. كما منع وفدًا من البرلمان الأوروبي من زيارة تونس. وتزامن ذلك مع تراجع المساعدات الثنائية الأوروبية من نحو 300 مليون يورو سنويًا خلال الفترة بين عامي 2017 و2020 إلى نحو 150 مليون يورو سنويًا بين عامي 2021 و2024.
وفي موازاة ذلك، شهدت علاقات تونس مع معظم الدول الأوروبية تراجعًا ملحوظًا، باستثناء إيطاليا التي بقيت تنظر إلى تونس من زاوية ملف الهجرة غير النظامية وتداعياته على الضفة الشمالية للمتوسط. وحتى العلاقات مع فرنسا، الشريك التقليدي لتونس منذ الاستقلال، دخلت مرحلة من الجمود، فيما تراجعت المساعدات الأميركية بصورة واضحة. وقد بدأ هذا المسار خلال إدارة الرئيس جو بايدن، على خلفية استئثار قيس سعيّد بالسلطة، واستمر لاحقًا مع سياسة الرئيس دونالد ترامب القائمة على تقليص المساعدات الخارجية.
وأسهم الخطاب السياسي الذي تبناه سعيّد في توسيع الفجوة مع شركاء تونس الغربيين، إذ اتسم في أكثر من مناسبة بمواقف وُصفت بأنها تحمل مضامين عنصرية ومعادية للسامية. فقد روج لنظريات مؤامرة تتعلق بالمهاجرين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، محذرًا مما وصفه بمحاولة إرسال “جحافل من المهاجرين غير النظاميين” بهدف “تغيير التركيبة الديموغرافية لتونس”. كما أثار جدلًا واسعًا عندما ربط اسم العاصفة “دانيال”، التي ضربت ليبيا عام 2023 وأودت بحياة الآلاف، بما اعتبره دليلًا على نفوذ “الحركة الصهيونية”، في تصريحات عمّقت الانتقادات الموجهة إلى خطابه السياسي.
وفي المقابل، لم تتجه تونس في عهد قيس سعيّد إلى بناء شراكات استراتيجية بديلة مع قوى دولية مثل الصين أو إيران، رغم المخاوف التي عبّر عنها بعض المشرّعين الأميركيين بشأن تنامي النفوذ الإيراني في البلاد. كما تُظهر المؤشرات الخاصة بحجم اهتمام بكين بتوسيع تعاونها مع شركائها المحتملين أنَّ تونس لا تحتل موقعًا متقدمًا مقارنة ببقية دول شمال إفريقيا. وفي ظلِّ هذا الواقع، بقيت الجزائر الشريك الخارجي الأكثر أهمية بالنسبة إلى تونس، ولا سيما في مجال إمدادات الغاز والكهرباء، الأمر الذي زاد من اعتمادها على جارتها الغربية.
وبالتوازي مع ذلك، تراجع الوزن الاقتصادي والإقليمي لتونس مقارنة بجيرانها. فالمغرب، الذي يعتمد بدوره على استيراد الطاقة، تمكن من رفع متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من نحو 2700 دولار عام 2010 إلى ما يقارب 4000 دولار في عام 2024، بينما بقي هذا المؤشر في تونس شبه جامد عند حدود 4000 دولار خلال الفترة نفسها. وفي الوقت الذي سعت فيه الجزائر إلى تعزيز حضورها الدولي، مستفيدة من موقعها في أسواق الطاقة ومن دورها الإقليمي، بدأت ليبيا، رغم استمرار انقسامها السياسي، تستقطب اهتمامًا متزايدًا من المستثمرين الدوليين.
وانطلاقًا من ذلك، فإنَّ استمرار تونس في الانزلاق نحو مزيد من العزلة والاستبداد لا يمثل تحديًا داخليًا فحسب، بل يطرح أيضًا إشكالية بالنسبة إلى المجتمع الدولي. فالاقتصاد التونسي لا يزال هشًّا، ويزداد تعرّضه للمخاطر مع ارتفاع أسعار الطاقة العالمية نتيجة تجدد التوترات في الشرق الأوسط. وفي ظل هذه الظروف، قد تكون أيُّ صدمة تطال قطاعًا حيويًا، كالسياحة أو الزراعة، كفيلة بإحداث تراجع اقتصادي حاد، بما يحمله ذلك من تداعيات تتجاوز الحدود التونسية، سواء عبر زيادة موجات الهجرة غير النظامية أو توفير بيئة أكثر ملاءمة لنشاط الجماعات المتطرفة. ويكتسب هذا الاحتمال أهمية خاصة بالنظر إلى أنَّ تونس كانت، في مرحلة سابقة، من أبرز الدول المصدرة للمقاتلين الأجانب إلى تنظيم “الدولة الإسلامية” في سوريا والعراق.
هل ما زال إنقاذ تونس ممكنًا؟
وبعد خمس سنوات على إنهاء التجربة الديموقراطية الناشئة، تبدو كلفة السياسات التي انتهجها قيس سعيّد مرتفعة على المستويين الداخلي والخارجي. فقد انعكست هذه السياسات على أوضاع التونسيين، كما أثرت في علاقات البلاد مع شركائها التقليديين. وفي المقابل، اتسم الموقف الغربي، خلال المراحل الأولى من الأزمة عام 2021، بالتردد واعتماد سياسة “الانتظار والترقب”، وهو ما أتاح للرئيس التونسي هامشًا واسعًا للمضي في تكريس مسار أكثر استبدادًا وانعزالًا.
ومع ذلك، فإنَّ المجال لا يزال متاحًا أمام الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين للمساهمة في الحد من عزلة تونس، حتى في ظل تراجع الإنفاق الغربي على المساعدات الدولية. ويمكن تحقيق ذلك من خلال تقديم منح محدودة الكلفة، ودعم المؤتمرات وبرامج التدريب والمساعدة الفنية للقوى التونسية المؤمنة بالإصلاحات الديموقراطية والاقتصادية، إلى جانب تعزيز التعاون مع البنك الدولي وبنك التنمية الإفريقي لتمويل مشاريع البنية التحتية وتشجيع الاستثمارات الأجنبية، بما يسهم في الحد من التدهور الاقتصادي ويفتح المجال أمام استعادة مسار أكثر استقرارًا وتنمية.
وفي هذا الإطار، تستطيع الولايات المتحدة توظيف علاقاتها المتنامية مع الجزائر لإجراء حوار هادئ مع قيس سعيّد، بعيدًا من الأضواء، يدفع باتجاه بلورة رؤية واضحة لمرحلة ما بعد ولايته الثانية، ووضع أسس انتقال سلمي للسلطة مع انتهاء ولايته عام 2029، في ظل الحظر الدستوري الذي يمنعه من الترشح لولاية جديدة. وبالتوازي مع ذلك، يبقى من الضروري أن تواصل الدول الغربية إثارة ملف حقوق الإنسان، سواء في مواقفها العلنية أو في اتصالاتها الديبلوماسية، بما يشمل الاعتراض على الاعتقالات ذات الخلفيات السياسية، والإجراءات التي تقيّد الحريات العامة وتضيِّق الخناق على مؤسسات المجتمع المدني.
وتمتلك واشنطن سجلًّا من التدخلات الديبلوماسية التي أسهمت، في بعض المحطات، في الحدِّ من اندفاع السلطة التونسية نحو خطوات أكثر تشددًا. ومن الأمثلة على ذلك الضغوط التي مارستها، وفق تقارير، خلال خريف عام 2023، وأسهمت في تراجع سعيّد عن مشروع قانون كان يهدف إلى تجريم تطبيع العلاقات مع إسرائيل. غير أنَّ تحقيق نتائج أكثر فاعلية قد يتطلّب الابتعاد عن الخطاب القائم على الوعظ القيمي، والتركيز بدلًا من ذلك على الكلفة السياسية والاقتصادية التي ألحقها التضييق على المجتمع المدني بمكانة تونس واستقرارها وفرصها التنموية.
وفي نهاية المطاف، لا تبدو مصلحة أوروبا والولايات المتحدة في رؤية دولة أخرى على الضفة الجنوبية للمتوسط تنزلق نحو مزيد من عدم الاستقرار أو العنف. غير أنَّ تجاهل التدهور السياسي والاقتصادي الذي تشهده تونس، أو تأجيل التعامل معه إلى ما بعد انتهاء حكم قيس سعيّد، قد يقود إلى النتيجة نفسها التي يسعى الجميع إلى تجنبها، ويجعل من استعادة الاستقرار أكثر صعوبة وكلفة في المستقبل.
- سابينا هينبيرغ هي زميلة أولى في “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى”، ومؤلفة دراسة علمية ستصدر قريبًا بعنوان: “لماذا فشل الإصلاح الاقتصادي في تونس: تقييم لأربعة مانحين ودولة في مرحلة انتقالية”.
- سارة ييركس هي زميلة أولى في “مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي”.
- كُتِبَ المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.