عون في أنقرة… هل تُولَدُ شراكة إستراتيجية؟

الدكتورة إيمان درنيقة الكمالي*

تأتي الزيارة الرسمية التي يبدأها الرئيس اللبناني جوزاف عون إلى تركيا في 30 تموز (يوليو)، بدعوةٍ من الرئيس رجب طيب أردوغان، في توقيتٍ إقليمي بالغ الحساسية، يتجاوز في دلالاته البُعد البروتوكولي المعتاد. فالمنطقة تشهد إعادة رسم لتوازناتها السياسية والأمنية، فيما يحاول لبنان استعادة حضوره الخارجي والانفتاح على شركاء إقليميين قادرين على الإسهام في تثبيت استقراره، ودعم اقتصاده، واستعادة ثقة المستثمرين.

ومن هذا المنطلق، تبدو زيارة أنقرة أكثر من محطة ديبلوماسية عابرة؛ فهي تمثّل اختبارًا لإمكان انتقال العلاقات التركية–اللبنانية من مستوى التعاون التقليدي إلى شراكة أوسع تشمل الأمن والاقتصاد والاستثمار وإعادة الإعمار، في ظلِّ إدراكٍ متزايد لدى البلدين بأنَّ استقرار لبنان بات جُزءًا من معادلة الاستقرار في شرق المتوسط والمشرق العربي.

ولا تأتي هذه الزيارة بمعزل عن مسارٍ شهدته الأشهر الماضية، تمثل في تكثيف الاتصالات السياسية بين الجانبين، وزيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى إسطنبول، إلى جانب مؤشّرات متزايدة على اهتمام أنقرة بالملف اللبناني. كما عكس حديث الرئيس أردوغان عن بيروت وطرابلس، وإثارته ملف الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية خلال اتصالاته مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، رغبة تركيا في الإسهام في الجهود الرامية إلى تثبيت الاستقرار في لبنان وخفض مستوى التوتر على حدوده الجنوبية.

لكن ما الذي يدفع تركيا إلى إيلاء لبنان هذا الاهتمام في هذه المرحلة؟

تدرك أنقرة أنَّ التحوّلات الجيوسياسية التي يشهدها المشرق العربي وشرق المتوسط تجعل من لبنان عنصرًا مهمًا في معادلة الأمن الإقليمي. فاستمرار التوتر على الحدود اللبنانية–الإسرائيلية، واحتمالات اتساع رقعة المواجهة، لا يقتصر تأثيرهما على الداخل اللبناني، بل يمتدّان إلى أمن الممرات البحرية، وحركة التجارة، وتوازنات شرق المتوسط. ومن هذا المنظور، يبدو الاهتمام التركي بلبنان امتدادًا لرؤيةٍ تعتبر أنَّ استقرار المشرق العربي يصبُّ في حماية المصالح التركية السياسية والاقتصادية والأمنية.

وفي الوقت نفسه، تسعى أنقرة إلى توظيف شبكة علاقاتها الإقليمية والدولية لتقديم نفسها شريكًا قادرًا على الإسهام في تخفيف التوترات ودعم الحلول السياسية، مستفيدةً من موقعها كقوة إقليمية تجمع بين الحضور الديبلوماسي والقدرات الاقتصادية، وهو ما يمنح تحرّكها تجاه لبنان بُعدًا يتجاوز العلاقات الثنائية.

أما من الجانب اللبناني، فتكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة في ظلِّ الحاجة إلى تنويع الشراكات الخارجية والانفتاح على شركاء يمتلكون خبرة في تنفيذ مشاريع البنية التحتية والطاقة والنقل، فضلًا عن قدرتهم على جذب الاستثمارات في مرحلةٍ يحتاج فيها لبنان إلى إعادة تأهيل مرافقه الحيوية وتحريك عجلة الاقتصاد.

ومن هنا، تبدو فرص التعاون بين البلدين أوسع من إطار المساعدات التقليدية. فعلى المستوى الأمني، يُمكن تعزيز التعاون القائم في مجالات التدريب العسكري وبناء قدرات المؤسسات الأمنية الرسمية، بما يدعم دور الدولة اللبنانية في بسط سلطتها. وعلى الصعيد الاقتصادي، تبرز مجالات واعدة تشمل الطاقة، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتطوير المرافئ، ولا سيما مرفأ طرابلس، إضافة إلى النقل البحري واللوجستيات، والصناعات الغذائية، والسياحة، والتعليم، والرعاية الصحية، وهي قطاعات تمتلك فيها تركيا خبرات متراكمة يمكن أن تشكّل أساسًا لشراكات عملية إذا توفرت البيئة السياسية والأمنية المناسبة.

ويعكس هذا المسار تقاطعًا واضحًا في المصالح بين الطرفين. فلبنان يسعى إلى استقطاب الاستثمارات وتنويع خياراته الاقتصادية، بينما ترى تركيا في استقرار لبنان فرصة لتعزيز حضورها الاقتصادي في شرق المتوسط، وتوسيع شبكة علاقاتها مع الدول العربية عبر مؤسسات الدولة اللبنانية، بما ينسجم مع سياستها الرامية إلى توسيع شراكاتها الاقتصادية في المنطقة.

وفي الوقت نفسه، تحرص أنقرة على التأكيد أنَّ أيَّ تعاون مع بيروت يجب أن يتمَّ عبر القنوات الرسمية وبطلب من الحكومة اللبنانية، احترامًا لسيادة الدولة ووحدة مؤسساتها. ويمنح هذا النهج العلاقات الثنائية طابعًا مؤسسيًا، ويجنبها الانخراط في تعقيدات الاصطفافات السياسية الداخلية، وهو ما يعزز فرص استدامة أي تعاون مستقبلي.

غير أنَّ تحويل هذا التقارب إلى شراكة إستراتيجية لن يكون مهمة سهلة. فلبنان لا يزال يواجه أزمة اقتصادية عميقة، وانقسامًا سياسيًا داخليًا، كما إنَّ هامش حركته الخارجية يبقى متأثّرًا بالتوازنات الإقليمية والدولية، في وقتٍ يشهدُ شرق المتوسط تنافسًا متزايدًا بين القوى الفاعلة.

إلى جانب ذلك، تظلُّ التطورات الأمنية في الجنوب اللبناني عنصرًا حاسمًا في مستقبل أيِّ تعاونٍ اقتصادي أو استثماري. فكلما اتجهت المنطقة نحو التهدئة، ازدادت فرص إطلاق مشاريع طويلة الأمد، بينما يؤدي استمرار التصعيد إلى رفع مستويات المخاطرة وإبطاء أي اندفاعة استثمارية.

في هذا السياق، تكتسب زيارة الرئيس جوزاف عون إلى أنقرة أهميتها الحقيقية. فهي لا تمثل مجرد محطة ديبلوماسية، بل قد تؤسس لمرحلة جديدة في العلاقات بين البلدين إذا نجح الطرفان في ترجمة التفاهمات السياسية إلى برامج تعاون عملية تستجيب لأولويات لبنان التنموية، وتنسجم في الوقت نفسه مع رؤية تركيا لدورها المتنامي في شرق المتوسط.

غير أنَّ نجاح هذه الزيارة لن يُقاس بما يصدر عنها من بيانات مشتركة أو رسائل سياسية، بل بقدرة الجانبين على تحويل التفاهمات إلى مشاريع واستثمارات وآليات تعاون مؤسسية قابلة للاستمرار. فالعلاقات الإستراتيجية لا تُبنى على حُسنِ النوايا وحده، وإنما على مصالح متبادلة، ورؤية طويلة الأمد، وإرادة سياسية قادرة على ترجمة الفرص إلى إنجازات ملموسة. وفي منطقةٍ تتبدّل موازينها باستمرار، تبقى المشاريع المشتركة، أكثر من التصريحات، هي المعيار الحقيقي لنجاح أي شراكة.

  • الدكتورة إيمان درنيقة الكمالي هي أستاذة جامعيّة وباحثة سياسيّة لبنانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى