إيران… مشكلةٌ مَعيشِيَّة على آخر نَفَس!
هُدى الحُسَيني*
منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، يعيش الإيرانيون حالةً من الترقُّب والقلق أكثر مما يعيشون حالةَ سلامٍ حقيقية. فعلى الرُغم من التصريحات الرسمية التي تؤكّد انتهاء الحرب، فإنَّ التطوُّرات اليومية لا تعطي الانطباع نفسه. فالتوتّرات العسكرية لم تتوقّف بالكامل، والتهديدات المُتبادَلة ما زالت مستمرّة، في حين تتبدّل التصريحات السياسية من الحديث عن مفاوضات وتقدُّم ديبلوماسي وإمكان رفع العقوبات، إلى التحذير من هجمات جديدة أو ردود عسكرية قد تنال البنية التحتية الإيرانية. هذا التناقض جعل كثيرين يشعرون بأنهم يعيشون في منطقة رمادية، لا هي حرب مُعلَنة ولا هي سلام مستقر.
هذه الحالة انعكست بصورةٍ مباشرة على حياة الناس. فالمشكلة بالنسبة إلى معظم الإيرانيين لم تعد مجرّد الخوف من القصف أو العمليات العسكرية، بل أصبحت مرتبطة بعدم القدرة على معرفة ما ينتظرهم غدًا. فعندما يغيب الوضوح، يصبح التخطيط للمستقبل أمرًا شبه مستحيل، سواء تعلّق الأمر بالعمل أو الدراسة أو تأسيس أسرة أو حتى اتخاذ قرارات بسيطة تتعلق بالحياة اليومية.
في تقريرٍ أوروبي صدر أخيرًا عن الوضع المعيشي داخل إيران تقول محامية من طهران إنَّ أصعب ما يُواجهه الناس اليوم هو أنهم لا يعرفون متى ستنتهي هذه الأزمة فعلًا. فغيابُ أفقٍ واضح يجعل تحمُّل الظروف أكثر صعوبة؛ لأنَّ الإنسان يستطيع التكيُّف مع المشكلات إذا عرف أنها مؤقتة، لكنه يعجز عن ذلك عندما يجهل موعد نهايتها. وتضيف أنها فقدت الحافز للعمل أو التفكير في أيِّ مشروعٍ جديد، بل أصبحت تشعر بأنَّ التعب النفسي يرافقها في كلِّ تفاصيل حياتها، حتى إنَّ علاقتها بالمجتمع تغيّرت، وباتت تشعر بالغربة في المدينة التي نشأت فيها.
هذا الشعور لا يقتصر على أفرادٍ معينين، بل أصبح حالة عامة. فكثير من الإيرانيين يؤجّلون اتخاذ قرارات مهمة، ويعيشون يومًا بيوم؛ لأنهم لا يملكون أيَّ ضمانة بأنَّ الأوضاع لن تتدهور من جديد. ومع استمرار التضخم وارتفاع الأسعار وضعف الاقتصاد، أصبح القلق من المستقبل أكثر حضورًا من أيِّ وقتٍ مضى.
ويقول أحد سكان مدينة أصفهان إنَّ الناس فقدوا الإحساس بالاستقرار، وإنَّ التنقُّلَ المستمر بين الحديث عن السلام والعودة إلى التهديد بالحرب جعلهم يشعرون وكأنهم يعيشون لعبة لا يعرفون قواعدها. ويضيف أنَّ أحدًا لم يعد يملك رؤية واضحة لما ينتظره، سواء من الناحية النفسية أو الاقتصادية، وأنَّ الثقة بإمكان التوصل إلى اتفاق دائم تراجعت بصورة كبيرة.
ويبدو أنَّ هذه الحالة تؤثر بشكل خاص في فئة الشباب. فالأجيال الجديدة لم تَعِش الحرب العراقية-الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، ولم تختبر حياة طويلة تحت التهديد العسكري. لذلك، فإنَّ ما يحدث اليوم يمثّلُ بالنسبة إليها تجربة جديدة تمامًا، تفتقر فيها إلى أيِّ خبرة سابقة تساعدها على التعامل مع الضغوط المستمرة.
وتوضّح ممرّضة تعمل في غرب إيران أنَّ المجتمع عندما يدخل مرحلة طويلة من عدم اليقين يبدأ الناس تلقائيًا في تأجيل خططهم المستقبلية. فبدلًا من التفكير في السنوات المقبلة، يصبح الهدف الأساسي هو تجاوز اليوم الحالي بأقلِّ قدرٍ ممكن من الخسائر. وترى أنَّ المشكلة لا تكمن في ضعف الشباب، بل في أنهم لم يعيشوا ظروفًا مشابهة من قبل؛ ولذلك يصعب عليهم فهم كيفية التأقلم مع واقعٍ يتغيّر باستمرار.
وتضيف أنَّ ما يرهق الناس اليوم ليس الحرب بمعناها العسكري فقط، بل الاستنزاف النفسي الناتج من الغموض. فالإنسان يستطيع التعامل مع الأخطار عندما تكون واضحة، لكنه يجد صعوبة كبيرة عندما يبقى معلَّقًا بين احتمالات متناقضة لا يعرف أيها سيتحقق.
وتقول إنَّ هذا الواقع أصبح واضحًا حتى داخل المستشفيات والعيادات، حيث يلاحظ العاملون في القطاع الصحي ارتفاع مستويات التوتر والانفعال بين المرضى. فكثيرون يبدون أكثر غضبًا وأقل صبرًا، حتى عندما يحصلون على خدمات جيدة؛ لأنَّ الضغوط التي يعيشونها خارج المستشفى ترافقهم إلى كل مكان، وأصبحت تؤثّرُ في سلوكهم اليومي وتعاملهم مع الآخرين.
من جانبه، يرى أستاذ علم الاجتماع في جامعة لورين الفرنسية سعيد بيفندي، أنَّ المؤشرات المتوافرة تكشف عن مشكلتين متداخلتين داخل المجتمع الإيراني. الأولى هي اليأس الواسع من المستقبل، والأخرى هي الغضب المتزايد من عجز السلطات عن معالجة الأزمات المعيشية والسياسية.
ويشير إلى نتائج استطلاعات رأي أُجرِيَت خلال هذا العام أظهرت أنَّ نسبةً كبيرة من الإيرانيين لا تنظر بتفاؤل إلى المستقبل، وأنَّ مشاعر الغضب واليأس والاكتئاب والقلق ارتفعت بصورة ملحوظة مقارنة بالسنوات السابقة. ويرى أنَّ هذه الزيادة جاءت نتيجة تراكم عوامل عدة، منها الأوضاع الاقتصادية الصعبة، والتوترات الأمنية، والاحتجاجات التي شهدتها البلاد، والإجراءات الأمنية التي أعقبتها، ثم الحرب وما رافقها من تهديدات مستمرة.
ويضيف أنَّ من أبرز المؤشرات اللافتة أيضًا ارتفاع رغبة الإيرانيين في الهجرة، لا سيما بين الشباب وأصحاب الكفاءات العلمية. فكثيرون باتوا يعتقدون أنَّ مستقبلهم قد يكون أفضل خارج البلاد، بعدما تراجعت ثقتهم بإمكان حدوث تحسُّنٍ قريب في الداخل.
ويرى عددٌ من الباحثين أنَّ الأزمة النفسية التي يعيشها الإيرانيون اليوم لا ترتبط بالحرب وحدها، بل هي نتيجة تراكم سنوات طويلة من الضغوط الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم والعقوبات الدولية وتراجع مستوى المعيشة وضعف الثقة بالمؤسسات. وجاءت الحرب الأخيرة لتضيف عبئًا جديدًا إلى مجتمع كان يعاني أساسًا أزماتٍ متراكمة.
وفي ظلِّ هذا الواقع، لا يشعر المواطن العادي بأنَّ هناكَ رؤيةً واضحة لما هو آتٍ. فالرسائل السياسية المتناقضة، بين الحديث عن السلام والاستعداد للمواجهة، تجعل الناس يعيشون في حالة انتظار دائمة. ومع استمرار هذا الوضع، تصبح استعادة الثقة أكثر صعوبة؛ لأنَّ المجتمعات تحتاج إلى شعورٍ بالأمان حتى تتمكّن من التخطيط للمستقبل وبناء حياة مستقرة.
ولهذا، يرى كثيرٌ من المراقبين أنَّ التحدّي الأكبر أمام إيران اليوم لا يقتصر على تثبيت وقف إطلاق النار أو إنجاح المفاوضات، بل يمتد إلى إعادة الأمل للمواطنين. فالحروب قد تتوقف بقرارٍ سياسي، لكن آثارها النفسية والاجتماعية تحتاج إلى وقتٍ طويل حتى تزول، خصوصًا عندما يبقى المستقبل غامضًا ولا يجد الناس ما يمنحهم الثقة بأنَّ المرحلة المقبلة ستكون أكثر استقرارًا من السنوات التي مضت.
- هُدى الحُسَيني هي صحافية وكاتبة سياسية لبنانية، تعملُ في صحيفة “الشرق الأوسط” السعودية. عملت سابقًا في صحفٍ ومجلّات عدّة منها: “الأنوار” في بيروت، و”النهار العربي والدولي” و”الوطن العربي” في باريس، و”الحوادث” و”الصياد” في لندن. غطّت حربَ المجاهدين في أفغانستان، والثورة الإيرانية، والحرب الليبية-التشادية، وعملية “الفالاشا” في السودان وإثيوبيا، وحرب الخليج الأولى. حاورت زعماءَ دول عربية وأجنبية عديدين بينهم الإمام روح الله الخميني (الذي رافقته على الطائرة التي نقلته من باريس إلى طهران)، والملك الحسن الثاني، والملك حسين، والرؤساء أنور السادات، صدام حسين، ياسر عرفات، جعفر النميري، وعيدي أمين …
- يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” توازيًا مع صدوره في صحيفة “الشرق الأوسط” السعودية.



