الإعلامُ السعودي… صناعةٌ جديدة تَبحَثُ عن مكانِها بين الاقتصاد والقوّة الناعمة (2 من 3)
لم يَعُد الإعلام مجرّد وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبح صناعةً اقتصادية وركيزةً من ركائز القوة الناعمة في العالم. وفي السعودية، يتجاوز التحوُّل الجاري تحديث المؤسسات الإعلامية إلى محاولة بناءِ اقتصادٍ إبداعي جديد، يطرح أسئلة تتعلّق بالمنافسة والاستدامة والتأثير. في هذه السلسلة، (من 3 حلقات)، تقرأ “أسواق العرب” هذا التحوُّل في سياقه العربي والدولي، بعيدًا من الانطباعات والأحكام المسبقة.

الحلقة الثانية
المُنافَسة على العاصمة الإعلامية العربية… أَينَ تقفُ السعودية؟
راغب الشيباني*
على امتداد عقود، توزّعت خريطة الإعلام العربي بين عواصم صنعت كلٌّ منها نموذجها الخاص؛ القاهرة للإنتاج، وبيروت للإبداع والنشر، ودبي للاستثمار الإعلامي، والدوحة للإعلام العابر للحدود. أما اليوم، فتدخل الرياض هذه المنافسة برؤية مختلفة، لا تقوم على بناء مؤسسة إعلامية كبيرة، بل على إنشاء صناعة إعلامية متكاملة.
لم يعد السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كانت السعودية قادرة على بناء قطاع إعلامي كبير؛ فالأرقام والاستثمارات والمؤسسات الجديدة تشير إلى أنَّ هذا المسار بدأ بالفعل. السؤال الأكثر أهمية أصبح: هل تستطيع المملكة أن تتحوّلَ إلى المركز الإعلامي العربي الأكثر تأثيرًا خلال العقد المقبل؟
هذا السؤال لا يتعلق بالسعودية وحدها، بل بخريطة الإعلام العربي بأكملها، التي بقيت طوال العقود الماضية موزَّعة بين عواصم لكلٍّ منها ميزتها الخاصة. فالقاهرة كانت مصنع الدراما العربية، وبيروت مركز النشر والصحافة والفكر، ودبي العاصمة الاقتصادية للإعلام والاستثمار، بينما رسخت الدوحة حضورها عبر الإعلام الإخباري العابر للحدود.
اليوم تدخل الرياض هذه المنافسة من زاوية مختلفة. فهي لا تحاول وراثة تجربة مدينة عربية بعينها، بل تسعى إلى بناء نموذج جديد يجمع بين الإنتاج الإعلامي، والاستثمار، والتقنية، والترفيه، والاقتصاد الإبداعي. وهذا ما يجعل المقارنة أكثر تعقيدًا من مجرد مقارنة بين عدد القنوات أو حجم الإنفاق.
القاهرة… الريادة التي صنعها التاريخ
يصعب الحديث عن الإعلام العربي من دون التوقف عند القاهرة.
فعلى مدى أكثر من سبعين عامًا، كانت العاصمة المصرية المصدر الرئيسي للسينما والدراما والأغنية العربية. ولم تكن قوة القاهرة نابعة من الإنفاق الحكومي أو من خطط اقتصادية طويلة الأجل، بل من تراكم تاريخي بدأ منذ ثلاثينيات القرن الماضي، حين ولدت صناعة سينمائية متكاملة، جذبت الممثلين والكتاب والمخرجين والمنتجين من مختلف أنحاء العالم العربي.
ولم يكن تأثير مصر في الإعلام ناتجًا عن عدد الاستوديوهات فقط، وإنما عن امتلاكها ما يمكن تسميته “رأس المال الثقافي”؛ أي شبكة واسعة من الكفاءات والخبرات التي تراكمت عبر أجيال متعاقبة.
ولا تزال الدراما المصرية، رُغمَ ما واجهته من صعوبات خلال العقدين الماضيين، تحتفظ بحضور عربي واسع، كما إنَّ الصحافة المصرية، رُغمَ تحدّياتها الاقتصادية، ما زالت تمثل مدرسة مهنية خرّجت أجيالًا من الصحافيين في المنطقة.
لكن هذا الإرث التاريخي لم يعد وحده كافيًا لضمان الريادة. غير أنَّ التاريخ وحده لا يضمن المستقبل، خصوصًا في صناعةٍ تُغيِّرُ التكنولوجيا قواعدها كل بضع سنوات.
فالتحوُّل نحو المنصّات الرقمية، وتغيُّر عادات المشاهدة، وارتفاع تكاليف الإنتاج، واشتداد المنافسة الإقليمية، كلها عوامل أعادت توزيع مراكز القوة الإعلامية في المنطقة.
ومن هنا، تدخل السعودية إلى المشهد وهي لا تنافس على الماضي، بل على المستقبل.
دبي… كيف تصبح المدينة منصّة إعلامية؟
إذا كانت القاهرة قد بنت نفوذها عبر الإنتاج الثقافي، فإنَّ دبي قدمت نموذجًا مختلفًا يقوم على بيئة الأعمال.
فمنذ مطلع الألفية، راهنت الإمارة على إنشاء مناطق إعلامية حرة، وتوفير تشريعات مرنة، وجذب الشركات العالمية، وتحويل المدينة إلى مركز إقليمي للمؤسسات الإعلامية والإعلانية وشركات الإنتاج.
ولم يكن الهدف أن تنتج دبي المحتوى العربي كله، بل أن تصبح المكان الذي تُدار منه الأعمال الإعلامية في المنطقة.
ولهذا نجحت في استقطاب عشرات المؤسسات الدولية والإقليمية، وأصبحت مقرًّا لشبكات تلفزيونية كبرى، وشركات إنتاج، ووكالات إعلان، ومنصات رقمية، مستفيدة من بيئة تنظيمية مستقرة، وبنية تحتية متطوّرة، وسهولة ممارسة الأعمال.
وهنا تكمن إحدى نقاط الاختلاف مع التجربة السعودية.
وهنا يكمن الفارق بين بناء مركز للأعمال الإعلامية، وبناء صناعة إعلامية. فالرياض لا تسعى فقط إلى استضافة الشركات، وإنما إلى توطين الصناعة نفسها، من كتابة السيناريو إلى الإنتاج، ومن تطوير الألعاب الإلكترونية إلى إنشاء الاستوديوهات، ومن تدريب الكفاءات إلى بناء الملكية الفكرية المحلية.
وهذا هدف أكثر طموحًا، لكنه أيضًا أكثر صعوبة.
الدوحة… عندما يصنع الخبر نفوذًا
في المقابل، بنت الدوحة حضورها الإعلامي من زاوية مختلفة، جعلت الخبر، لا الترفيه، أساس نفوذها الإقليمي والدولي.
فقد بنت حضورها الإعلامي عبر الإعلام الإخباري الدولي، مستفيدة من تجربة قناة “الجزيرة” الفضائية التي نجحت في تغيير قواعد الإعلام العربي منذ منتصف التسعينيات.
ولم يكن تأثير “الجزيرة” مُرتبطًا بحجم السوق القطرية، بل بقدرتها على الوصول إلى جمهور عربي وعالمي واسع، وصناعة علامة إعلامية معروفة دوليًا.
وهذه التجربة تؤكد أنَّ النفوذ الإعلامي لا يُقاس بعدد السكان أو حجم الاقتصاد، وإنما أيضًا بقدرة المؤسسة الإعلامية على إنتاج محتوى يفرض نفسه في المجال العام.
بالنسبة إلى السعودية، فإنَّ هذا النوع من النفوذ لا يزال يتشكّل عبر أكثر من مسار، من المؤسسات الإخبارية التقليدية (“العربية” و”الحدث”) إلى المنصات الرقمية الجديدة، لكن الرهان الأكبر يبدو متّجهًا نحو المحتوى الثقافي والترفيهي أكثر من الإعلام الإخباري وحده.
بيروت… حيث وُلدت الصحافة العربية الحديثة
إذا كانت القاهرة قد صنعت الريادة في السينما والدراما، فإنَّ بيروت صنعت المدرسة الصحافية العربية.
فعلى امتداد عقود، تمتعت الصحافة اللبنانية بهامش من الحرية لم يكن متاحًا في معظم الدول العربية، الأمر الذي جعل العاصمة اللبنانية مركزًا للنشر، والرأي، والتحقيقات، والحوارات الفكرية، ومقصدًا للكتاب والمثقفين والصحافيين العرب. ومن صحفها ومجلاتها ومحطاتها التلفزيونية خرجت أسماء تركت بصمتها في الإعلام العربي، كما احتضنت دور النشر اللبنانية مئات المؤلفات التي لم يكن ممكنًا نشرها في أماكن أخرى.
ولم يقتصر تأثير بيروت على حدود لبنان، بل امتد مع الطفرة الاقتصادية في الخليج خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حين استعانت المؤسسات الإعلامية الناشئة بالخبرات اللبنانية لتأسيس صحفها ومجلاتها وإذاعاتها ومحطاتها التلفزيونية. ويمكن القول إنَّ جانبًا مهمًّا من الصحافة الخليجية الحديثة قام على الخبرة المهنية التي حملها الصحافيون اللبنانيون، إلى جانب الكفاءات العربية الأخرى، وفي مقدمتها المصرية.
ولذلك، فإنَّ أثر بيروت في الإعلام العربي لا يُقاس اليوم بحجم سوقها المحلية، بل بما راكمته من تقاليد مهنية، وثقافة تحريرية، وخبرات بشرية ما زالت حاضرة في مؤسسات إعلامية عربية ودولية، رغم ما أصاب لبنان من أزمات اقتصادية وسياسية خلال السنوات الأخيرة.
وبالنسبة إلى السعودية، فإن بناء صناعة إعلامية كبيرة لا يعني تجاوز هذا الإرث، بل الاستفادة منه. فالمؤسسات يمكن إنشاؤها بالاستثمار، أما التقاليد المهنية فتتكون عبر الزمن، وهو ما يفسر استمرار حضور الصحافيين والإعلاميين اللبنانيين في كثير من المشاريع الإعلامية الخليجية حتى اليوم.
ويمكن تلخيص الفارق بين هذه النماذج في أن القاهرة بنت قوتها على المحتوى، ودبي على بيئة الأعمال، والدوحة على الإعلام الإخباري، وبيروت على التقاليد الصحافية، بينما تراهن السعودية على الجمع بين هذه العناصر داخل منظومة واحدة، تربط الإعلام بالاقتصاد الإبداعي والاستثمار والتقنية.
ما الذي يميز التجربة السعودية؟
رغم المقارنات السابقة، فإنَّ السعودية لا تحاول استنساخَ أيٍّ من هذه النماذج. فالرهان السعودي يقوم على الجمع بين عناصر متعددة في وقتٍ واحد.
هناك سوق محلية هي الأكبر عربيًا من حيث القوة الشرائية، واستثمارات حكومية وخاصة ضخمة، ومؤسسات تنظيمية جديدة، وقاعدة شبابية واسعة، وتحوُّل رقمي متسارع، إضافةً إلى ارتباط قطاع الإعلام مباشرة بمستهدفات رؤية 2030. ويشير تقرير “حالة الإعلام في السعودية وفرص الاستثمار 2025” إلى أنَّ المملكة تعمل على تطوير خمسة قطاعات متوازية تشمل الإعلام المرئي، والمسموع، والنشر والمحتوى الرقمي، والألعاب والرياضات الإلكترونية، والإعلان والتسويق، في إطار منظومة واحدة للاقتصاد الإبداعي.
ويُقدَّر حجم سوق الإعلام السعودي بأنه الأكبر عربيًا، فيما تستهدف رؤية 2030 رفع مساهمة الاقتصاد الإبداعي في الناتج المحلي عبر الاستثمار في الإعلام والترفيه والصناعات الثقافية.
هذه المقاربة تختلف عن معظم التجارب العربية السابقة، التي تطوَّرت بصورةٍ تدريجية أو تخصّصت في مجالٍ معين.
لكنها في الوقت نفسه تطرح تحدّيًا أساسيًا، وهو أنَّ بناء منظومة متكاملة يتطلب نجاح جميع حلقاتها، لا نجاح بعضها فقط.
حتى الآن، يبدو أنَّ السعودية نجحت في بناء المقومات الأساسية لصناعة إعلامية كبيرة، لكنها لا تزال في مرحلة بناء الهوية. فالمؤسسات يمكن إنشاؤها خلال سنوات، أما السمعة الإعلامية فتحتاج إلى عقود. ولذلك فإنَّ السؤال لم يعد يتعلق بقدرة المملكة على الاستثمار، بل بقدرتها على إنتاج نموذج إعلامي يحمل بصمة واضحة، كما فعلت القاهرة في الدراما، ودبي في بيئة الأعمال، والدوحة في الإعلام الإخباري وبيروت في النشر والخلق والإبداع.
هل يكفي المال؟
ربما يكون أكثر الأسئلة حساسية في أيِّ نقاش حول الإعلام السعودي هو سؤال المال.
فالمملكة تمتلك قدرة استثمارية استثنائية مقارنة بمعظم الأسواق العربية، وقد سخّرت جُزءًا كبيرًا منها لتطوير قطاعات الثقافة والترفيه والإعلام.
لكن التجارب العالمية تُعلِّمنا أنَّ الاستثمار، مهما بلغ حجمه، ليس سوى أحد عناصر النجاح.
هوليوود لم تصبح هوليوود لأنها الأغنى فقط، بل لأنها أنتجت على مدى قرن كتّابًا ومخرجين وممثلين ومؤلفين وموسيقيين، وخلقت نظامًا متكاملًا لحماية الملكية الفكرية، وتطوير المواهب، وتوزيع المحتوى عالميًا.
وكوريا الجنوبية لم تحقق انتشارها العالمي عبر الدراما والموسيقى لأنها أنفقت أكثر من غيرها، بل لأنها بنت صناعة تعتمد على الابتكار والتصدير الثقافي.
وهنا يواجه الإعلام السعودي امتحانه الحقيقي. فالاستثمارات تستطيع بناء الاستوديوهات، لكنها لا تستطيع شراء الإبداع. والتشريعات تستطيع تنظيم السوق، لكنها لا تستطيع كتابة سيناريو ناجح أو إنتاج فيلم يعيش في ذاكرة الجمهور.
ولهذا فإنَّ نجاح التجربة سيقاس في النهاية بقدرتها على إنتاج محتوى لا يحتاج إلى دعم رسمي كي ينجح، بل ينجح لأنه قادرٌ على المنافسة في السوق.
ولم تعد المنافسة في صناعة الإعلام تدور بين العواصم الإقليمية وحدها، كما كانت في العقود الماضية. فمع صعود المنصات الرقمية العالمية وخدمات البث عند الطلب، أصبح المحتوى السعودي ينافس مباشرة أعمالًا تُنتج في مختلف أنحاء العالم، ويصل إلى الجمهور عبر المنصة نفسها. ولذلك، فإن نجاح أي صناعة إعلامية لم يعد يُقاس بعدد القنوات أو الاستوديوهات فقط، بل بقدرتها على إنتاج محتوى يفرض حضوره في الأسواق والمنصات العالمية.
من السوق المحلية إلى السوق العربية
الميزة الكبرى التي تتمتع بها السعودية أنها لا تبدأ من سوق صغيرة.
فالسوق المحلية تمنح المنتجين قاعدة اقتصادية قوية، وهو ما يقلل من المخاطر التي تواجه الصناعات الإبداعية في كثير من الدول العربية.
لكن النجاح الحقيقي يبدأ عندما يعبر المنتج حدوده الوطنية.
فالمسلسل السعودي، أو الفيلم السعودي، أو الكتاب السعودي، أو اللعبة الإلكترونية السعودية، لا تصبح جزءًا من القوة الناعمة إلّا عندما تجد جمهورًا في القاهرة والدار البيضاء وبغداد والكويت وتونس، كما تجد جمهورًا في لندن أو باريس أو نيويورك.
وهذا يتطلب خطابًا ثقافيًا منفتحًا، وجودة إنتاج عالية، وقصصًا إنسانية قادرة على تجاوز الحدود الجغرافية.
سباق لم يُحسم بعد
من المبكر الحديث عن “عاصمة إعلامية عربية” واحدة.
فالمنطقة أصبحت أكثر تنوُّعًا مما كانت عليه قبل عشرين عامًا، والتكنولوجيا جعلت الحدود أقل أهمية، كما إنَّ المنصّات الرقمية سمحت للمحتوى بالوصول إلى الجمهور من أي مكان.
لكن المؤكد أن السعودية أصبحت اليوم أحد أبرز اللاعبين في هذا السباق.
فهي تمتلك ما لم يكن متوافرًا في المنطقة سابقًا: رؤية اقتصادية تربط الإعلام بالتنمية، واستثمارات كبيرة، وسوقًا واسعة، وإرادة واضحة لبناء صناعة متكاملة.
السباق على الريادة الإعلامية العربية لم يعد سباقًا على عدد الصحف أو القنوات، بل على القدرة على إنتاج الأفكار والمحتوى والملكية الفكرية. وقد دخلت السعودية هذا السباق بإمكانات استثمارية وتنظيمية غير مسبوقة، لكن الطريق إلى الريادة لا يمر عبر حجم الإنفاق وحده، بل عبر القدرة على إنتاج أعمال تعيش في الذاكرة العربية، وتنافس في الأسواق العالمية. فالمدن الإعلامية لا تُقاس بما تنفقه، بل بما تُنتجه من أفكار، وبما تتركه من أثر في ذاكرة الجمهور. وإذا نجحت السعودية في تحويل استثماراتها إلى محتوى يعيش طويلًا، فإنها لن تصبح لاعبًا كبيرًا في الإعلام العربي فحسب، بل ستعيد رسم خريطته.
في الحلقة الثالثة والأخيرة: الاختبار الحقيقي… هل يستطيع الإعلام السعودي بناء صناعة عالمية؟
- راغب الشيباني هو مراسل “أسواق العرب” في السعودية.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.