علي الزيدي بين وعود الإصلاح واختبار الدولة

لن يكون نجاح رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي مرهونًا بتشكيل حكومته أو بزيارته المرتقبة إلى واشنطن، بل بقدرته على مواجهة منظومة النفوذ التي تداخل فيها السلاح والمال والقرار السياسي داخل الدولة العراقية.

علي الزيدي: الاختبار الفعلي سيبدأ عندما تقترب الدولة من مراكز القوة الحقيقية.

علي محمود*

من المتوقع أن يتوجه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن في منتصف تموز (يوليو) المقبل، في زيارة تبدو للوهلة الأولى محطة جديدة في مسار العلاقات العراقية–الأميركية، لكنها في الواقع تمثل اختبارًا مبكرًا لقدرة الحكومة الجديدة على التعامل مع أكثر الملفات تعقيدًا في العراق: مستقبل الميليشيات، وحدود النفوذ الإيراني، وإعادة تعريف موقع بغداد في معادلات الإقليم.

وتشير المعطيات إلى أنَّ الزيارة تبقى مشروطة باستكمال الزيدي تشكيل حكومته، في وقت يواصل فيه المبعوث الأميركي توم برّاك ضغوطه لإنجاز هذا الاستحقاق، باعتباره المدخل لأيِّ تفاهم سياسي مع الإدارة الأميركية. ولا تقتصر المطالب الأميركية على استكمال البنية الحكومية، بل تمتد إلى وضع مسار واضح وقابل للقياس لحصر السلاح بيد الدولة، والحصول على ضمانات تحول دون استخدام الأراضي العراقية منصّة لشنّ هجمات تستهدف المصالح الغربية أو دول الجوار.

لكن التحدي الحقيقي الذي يواجه الزيدي لا يكمن في إقناع واشنطن، بقدر ما يتمثل في قدرته على التحرّر من القيود التي فرضتها القوى السياسية التي أوصلته إلى رئاسة الحكومة. فمنذ تكليفه، حرص على تقديم نفسه، في واشنطن وعدد من العواصم العربية، بوصفه شخصية تختلف عن النخبة التقليدية التي حكمت العراق خلال العقدين الماضيين. وتشير مصادر سياسية إلى أنَّ إحدى الدول العربية لعبت دورًا في تبديد جانب من التحفظات الأميركية تجاهه، وقدمت تطمينات بشأن توجّهاته السياسية. غير أنَّ هذه الصورة الخارجية تصطدم بواقعٍ داخلي مختلف؛ فالحكومة التي يقودها جاءت نتيجة تفاهمات القوى ذاتها التي هيمنت على المشهد السياسي منذ عام 2003، في ظل دور محوري اضطلع به قائد “فيلق القدس” الإيراني إسماعيل قاآني في إدارة مشاورات تشكيلها. ومن ثم، فإنَّ أيَّ رصيد يكتسبه الزيدي خارج العراق لا يغيّر، حتى الآن، موازين القوى داخل بغداد.

وفي موازاة ذلك، لا تبدو مُعضِلة السلاح غير الخاضع لسلطة الدولة أقرب إلى الحل، بل تشير مؤشرات عدة إلى أنها تدخل مرحلة أكثر تعقيدًا. فوفق تقارير متقاطعة، أنشأ الحرس الثوري الإسلامي الإيراني خلال الفترة الماضية خلايا تنظيمية سرية داخل العراق، تعمل بعيدًا من الهياكل المعروفة للفصائل المسلحة، بما يتيح لطهران الاحتفاظ بأدوات نفوذها وتقليل كلفة أي ضغوط قد تتعرّض لها الجماعات المعلنة.

أما الفصائل القائمة، فتبدو منشغلة بإعادة توزيع أدوارها أكثر من استعدادها للتخلي عن نفوذها. فبعضها يعمل على توسيع حضوره داخل قوات الحشد الشعبي، والوزارات، والمؤسسات الأمنية، والمفاصل الاقتصادية، فيما تتمسك جماعات أخرى بترساناتها من الصواريخ والطائرات المسيّرة، باعتبارها جزءًا من منظومة الردع الإقليمية التي لا ترغب طهران في التفريط بها. وفي هذا السياق، تبدو عملية دمج بعض هذه الفصائل في مؤسسات الدولة أقرب إلى إعادة تموضع تكتيكية منها إلى تفكيك حقيقي لبنيتها العسكرية، بما يسمح لها بالحفاظ على نفوذها تحت مظلة رسمية، مع الإبقاء على هامش واسع للتحرك خارج مؤسسات الدولة عند الضرورة.

السلاح… خارج معادلة الدولة

ويؤكد الخطاب الصادر عن الفصائل المسلحة أنَّ الخلاف لم يعد يدور حول الوجود العسكري الأميركي داخل العراق فحسب، بل حول الدور الإقليمي الذي ترى هذه الجماعات أنها تؤديه. ففي 19 حزيران (يونيو) 2026، أعلنت “كتائب سيد الشهداء” أنها لن تتخلى عن سلاحها حتى في حال انسحاب القوات الأميركية من العراق، مُبرّرةً ذلك باستمرار الوجود العسكري الأميركي في الكويت والمملكة العربية السعودية ودول الخليج. ولم يكن هذا التصريح مجرد موقف سياسي، بل كشف عن تحول لافت في طبيعة وظيفة السلاح؛ إذ لم يعد يُقدَّم باعتباره أداة مرتبطة بالساحة العراقية، وإنما ورقة ضغط ضمن معادلة إقليمية أوسع تتجاوز حدود الدولة العراقية نفسها.

ومن هذا المنطلق، لا يبدو أنَّ مجرد تسليم السلاح، إذا حدث، سيشكل بالضرورة نقطة تحول حقيقية. فوفق مصادر سياسية، يفضّل بعض الفصائل إيداع أسلحته في مستودعات تبقى تحت نفوذه المباشر أو غير المباشر، بما يسمح له باستعادتها متى اقتضت الظروف. وبذلك، لا تصبح المشكلة في مكان تخزين السلاح، بل في الجهة التي تملك القرار الفعلي بالتحكم فيه، وفي مدى قدرة الدولة على احتكار استخدام القوة بصورة كاملة.

وتشير المصادر نفسها إلى أنَّ رئيس الوزراء علي الزيدي أبلغ قادة الفصائل، في وقتٍ مبكر، بأنَّ أيَّ اعتداءٍ على دول الجوار سيقود إلى اعتقالات وإجراءات قضائية. إلّا أنَّ الهجمات التي استهدفت لاحقًا أهدافًا في دول خليجية أظهرت محدودية قدرة الحكومة على ترجمة هذه التحذيرات إلى إجراءات عملية. فباستثناء بيانات الإدانة والتصريحات الرسمية، لم تُسجَّل أي خطوات علنية بحق الجهات التي وُجهت إليها الاتهامات، وهو ما أعاد طرح التساؤلات حول حدود سلطة الدولة في مواجهة الفصائل المسلحة.

وفي المقابل، تحاول واشنطن تسويق الحكومة الجديدة باعتبارها بداية مختلفة عن الحكومات السابقة، وأقل خضوعًا لنفوذ الميليشيات. وجاءت الزيارة الأولى للمبعوث الأميركي توم براك إلى بغداد في هذا السياق، كما حملت رسائل سياسية واضحة، من بينها إشادته برئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان ودوره في إنجاز عملية تشكيل الحكومة. غير أنَّ الصورة التي تسعى الولايات المتحدة إلى ترسيخها لا تزال تصطدم بواقع أكثر تعقيدًا داخل العراق، حيث ما زالت مراكز القوة الفعلية بعيدة من أيِّ تغيير جوهري.

الدولة في مواجهة اقتصاد الميليشيات

فحتى إذا نجح الزيدي في استكمال تعيين وزرائه، وفتح ذلك الباب أمام زيارته المرتقبة إلى واشنطن، فإنَّ هذا الإنجاز الإداري لن يكون دليلًا على تبدل قواعد اللعبة السياسية. فما زالت منظومة النفوذ التي بنتها الفصائل المسلحة خلال العقدين الماضيين تحتفظ بسيطرتها على مفاصل رئيسة في الدولة، تمتد من السلاح المتطوِّر إلى المعابر الحدودية، ومن المصارف إلى العقود الحكومية، ومن الشركات الواجهة إلى شبكات التمويل والاقتصاد الموازي. وبالتالي، فإنَّ أيَّ محاولة لإعادة بناء سلطة الدولة ستصطدم حتمًا بالمصالح التي قامت عليها هذه المنظومة، وبالقوى التي تمتلك القدرة نفسها على تعطيل الإصلاح كما امتلكت القدرة على إنتاج الحكومة.

ومن هنا، فإنَّ ملاحقة بعض الشخصيات المتهمة بالفساد، أو تفكيك عدد من الواجهات الحزبية، قد تحقق مكاسب سياسية وإعلامية، لكنها لن تمسَّ البنية الاقتصادية التي تضمن استمرار نفوذ الفصائل. فالمال، في التجربة العراقية، ليس نتيجة لامتلاك السلاح، بل هو أحد أهم أدوات حمايته واستدامته، إذ يوفر الموارد التي تسمح لهذه الجماعات بالحفاظ على شبكاتها العسكرية والسياسية حتى في ظل تصاعد الضغوط الأمنية أو العقوبات الدولية.

ولهذا، يبدو أنَّ واشنطن باتت تدرك أن معركة الدولة في العراق لا تبدأ من أسماء الوزراء، بل من البنية الاقتصادية التي تقوم عليها منظومة النفوذ المسلح. وتشير تقارير إلى أنَّ توم برّاك أبلغ الزيدي بوضوح أنَّ المطلوب لا يقتصر على تنظيم ملف السلاح، بل يشمل أيضًا تفكيك المصارف والهياكل المالية والشركات المرتبطة بالجماعات المسلحة، باعتبارها العمود الفقري الذي يضمن استمرارها. غير أنَّ هذه الضغوط، حتى الآن، لم ترتقِ إلى مستوى فرض كلفة حقيقية على الشبكات التي تعمل داخل مؤسسات الدولة أو على الجهات التي تديرها.

وفي النهاية، لن يكون الامتحان الحقيقي لحكومة علي الزيدي هو استكمال تشكيلتها الوزارية، أو عقد لقاءات ناجحة في البيت الأبيض، أو تقديم صورة جديدة للعراق أمام المجتمع الدولي. فالاختبار الفعلي سيبدأ عندما تقترب الدولة من مراكز القوة الحقيقية: من يتحكّم بالسلاح، ومن يُموِّل الفصائل، ومن يُدير المصارف وشبكات الاقتصاد الموازي، ومن يملك في نهاية المطاف سلطة إصدار القرار. وعندها فقط سيتضح ما إذا كانت بغداد تشهد بداية تحوُّل في بنية الدولة، أم مجرّد إعادة ترتيب للمشهد من دون تغيير قواعده.

  • علي محمود الأبرز هو صحافي وباحث عراقي يركز على الجماعات المسلحة في العراق والشرق الأوسط؛ إذ تحلل أعماله ديناميكيات هذه الجماعات وكيفية تأثيرها في سلطة الدولة ومؤسساتها والمجتمع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى