اللحظة الخليجية: لماذا أصبحت الكونفيدرالية ضرورة؟
لم تكشف الحرب الأخيرة حدود الردع في الخليج فحسب، بل كشفت أيضًا حدود الاعتماد على الضمانات الخارجية. وفي عالم يتجه نحو التكتلات الكبرى، تبرز الكونفيدرالية الخليجية باعتبارها خيارًا استراتيجيًا لحماية الأمن والمصالح وصناعة المستقبل، لا مجرد مشروع سياسي جديد.

إبراهيم الشيخ*
لا تُقاس الدول بعد الأزمات الكبرى بقدرتها على الصمود فحسب، بل بقدرتها على استثمار لحظات الهدوء التي تعقبها لإعادة رسم أولوياتها وبناء مشاريعها الاستراتيجية قبل أن تفرضَ عليها الأزمات المقبلة أجندتها من جديد. فوقف إطلاق النار لا يعني انتهاء الصراع بقدر ما يفتح نافذة قصيرة لإعادة تقييم الخيارات المؤجلة والإجابة عن سؤالين جوهريين: ماذا تحقق؟ وما الذي بات تأجيله يهدّد الأمن والاستقرار في المستقبل؟
في هذا السياق، تقف دول مجلس التعاون الخليجي أمام لحظة مفصلية فرضتها المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، ولا سيما بعد الهجمات الإيرانية المباشرة التي استهدفت منشآت الطاقة وخطوط الملاحة في الخليج. فقد كشفت تلك التطوّرات أنَّ الأمن والاقتصاد لم يعودا مسارَين منفصلين، وأنَّ حماية الممرّات البحرية، واستقرار أسواق الطاقة، واستمرار مشاريع التنمية، أصبحت عناصر متداخلة في معادلة واحدة، تتشكل بقدر كبير من توازنات الجغرافيا السياسية.
شراكات وجودية
ومع كل قمة تشاورية أو اجتماع تنسيقي لقادة مجلس التعاون الخليجي، يتجدّد السؤال حول ما إذا كانت المنظومة الخليجية ستظل عند حدود التنسيق السياسي التقليدي، أم أنها باتت مستعدة للانتقال إلى مرحلةٍ أكثر عمقًا من التكامل. فالتحديات التي تواجه المنطقة اليوم تختلف جذريًا عن تلك التي رافقت تأسيس المجلس؛ إذ لم تعد التهديدات تقتصر على الخلافات الحدودية أو الأزمات الإقليمية العابرة، بل أصبحت تمسُّ ركائز النمو الاقتصادي وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد والاستقرار الداخلي.
وقد عكست القمة التشاورية الأخيرة في الرياض هذا الإدراك المتنامي من خلال ثلاث رسائل واضحة: التأكيد على وحدة المصير الخليجي، ورفض تحويل المنطقة إلى ساحة لتصفية الصراعات الدولية، والتشديد على أنَّ التكامل الأمني والاقتصادي لم يعد خيارًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية. ورُغمَ أنَّ الخطاب الرسمي حافظ على لغته الهادئة والمتوازنة، فإنَّ مضمونه كشف عن تحوُّل مهم في التفكير الخليجي، يقوم على أنَّ أيَّ تهديدٍ يستهدف إحدى دول المجلس لم يعد يُنظر إليه باعتباره أزمة محلية، بل تحديًا يطال المنظومة الخليجية بأكملها.
من التنسيق إلى التكامل
منذ تأسيس مجلس التعاون الخليجي عام 1981، ظل المشروع الخليجي يتأرجح بين التنسيق والاندماج. ورغم ما تحقق من خطوات مهمة، فإنَّ التكامل الكامل بقي دون مستوى الطموحات، على الرغم من تزايد الضغوط والتحديات الاستراتيجية التي واجهت المنطقة خلال العقود الماضية.
وتعكس مبادرات مثل الاتحاد الجمركي (2003)، والسوق الخليجية المشتركة (2008)، ومشروع السكك الحديدية الخليجية الذي أُطلق عام 2009، إلى جانب مشروع العملة الخليجية الموحدة، إدراكًا مبكرًا لأهمية بناء فضاء اقتصادي خليجي متكامل. غير أنَّ وتيرة تنفيذ هذه المشاريع ظلت أبطأ من سرعة التحوّلات الإقليمية، الأمر الذي حدّ من قدرتها على تحقيق الأثر الاستراتيجي المنشود.
أما اليوم، وبعد التحولات الأمنية التي شهدتها المنطقة، لم يعد من الممكن النظر إلى هذه المبادرات باعتبارها مشاريع تنموية واقتصادية فحسب، بل بوصفها ركائز أساسية للأمن القومي الخليجي. فكلما ازداد الترابط الاقتصادي واللوجستي بين دول المجلس، تعززت قدرتها على الصمود أمام الضغوط السياسية، وتقليص هامش الإكراه الخارجي، ورفع مستوى المرونة في مواجهة الأزمات الإقليمية والدولية.
حدود المظلة الأمنية الأميركية
أعادت المواجهة الأخيرة في الخليج طرح سؤال قديم بصيغة أكثر إلحاحًا: إلى أي مدى ما زالت المظلة الأمنية الأميركية تمثّل ضمانة استراتيجية لدول المنطقة؟ فقد كشفت الأزمة أنَّ مفهوم الحماية الذي حكم العلاقات الخليجية-الأميركية لعقود لم يعد ثابتًا كما كان، بل أصبح أكثر ارتباطًا بحسابات الكلفة والعائد والمصلحة المباشرة.
ولم تكن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي قدّم فيها الحماية الأمنية باعتبارها علاقة تقوم على “المقابل” أو “الصفقة”، مجرد خطاب سياسي عابر، بل عكست تحوّلًا أعمق في التفكير الاستراتيجي الأميركي. فمنذ سنوات، تتجه واشنطن إلى إعادة توزيع مواردها العسكرية نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ لمواجهة الصين، مع تقليص انخراطها المباشر في أزمات الشرق الأوسط، والانتقال من سياسة الوجود العسكري الكثيف إلى إدارة الأزمات من مسافة، مع الاحتفاظ بالقدرة على التدخل عند الضرورة.
وقد عزّزت الحرب الأخيرة هذا الاتجاه؛ إذ بدا أنَّ التدخل الأميركي يتركز على حماية مصالح جوهرية: أمن الطاقة، وحرية الملاحة، واحتواء الخصوم بأقل تكلفة ممكنة، وذلك ضمن إطارٍ يمنح الأولوية لأمن إسرائيل. أما ما عدا ذلك، فأصبح خاضعًا لحسابات سياسية واستراتيجية أكثر تعقيدًا من ذي قبل.
ومن هنا يبرز السؤال الذي لا تستطيع دول الخليج تأجيله: إذا كانت القوى الكبرى تُعيدُ تعريف التزاماتها وفقًا لمصالحها الوطنية، فهل يكفي استمرار الاعتماد على المظلة الخارجية، أم أنَّ المرحلة المقبلة تفرض بناء مشروع أمني خليجي أكثر استقلالية، يكون قادرًا على حماية المصالح المشتركة بغض النظر عن تقلبات السياسات الدولية؟
أزمة الثقة
كشفت الحرب الأخيرة أيضًا أنَّ المشكلة الخليجية لم تعد تقتصر على مصادر التهديد، بل أصبحت تمتد إلى طبيعة الضمانات نفسها. فالصفقات الدفاعية الضخمة، ومنها ما أُعلن عن شراء 4200 صاروخ “باتريوت” بتكلفة تقترب من 17 مليار دولار، لا تعكس فقط رغبة في تعزيز القدرات العسكرية، بل تشير إلى إدراك متزايد بأنَّ البيئة الأمنية الإقليمية مرشحة للبقاء في حالة اضطراب وعدم يقين لفترة طويلة.
غير أنَّ الرسالة الأهم تكمن في أنَّ هذه الاستثمارات تعكس أزمة ثقة مزدوجة. فمن جهة، لا تزال الشكوك قائمة تجاه السلوك الإيراني بعد سنوات من المواجهات المباشرة وغير المباشرة، واستهداف منشآت الطاقة، وتوظيف الجماعات الحليفة في صراعات المنطقة. ومن جهة أخرى، لم تعد الضمانات الأميركية تُقرأ باعتبارها التزامًا ثابتًا، بل أصبحت تُفهم على أنها التزامٌ مشروط تحكمه أولويات السياسة الأميركية وتبدلات الإدارات في واشنطن.
ويزداد هذا المشهد تعقيدًا بسبب استمرار الفجوة بين حجم الإنفاق الدفاعي الخليجي ومستوى التكامل العسكري والسياسي بين دول المجلس. فامتلاك منظومات تسليح متطورة لا يحقق بالضرورة ردعًا فعالًا إذا لم يكن جزءًا من منظومة موحدة للقيادة والسيطرة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والتخطيط الاستراتيجي المشترك. ومن دون هذا الإطار، يبقى الإنفاق الدفاعي استجابة للأزمات أكثر منه استثمارًا في بناء أمن جماعي مستدام.
إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية
تُعلمنا الجغرافيا السياسية أنَّ الفراغات الاستراتيجية لا تدوم طويلًا؛ فما إن تتراجع قوة إقليمية أو يتعثر مشروعها، حتى تبدأ قوى أخرى بمحاولة ملء الفراغ وإعادة رسم توازنات المنطقة. واليوم، ومع الضغوط المتزايدة التي تواجه المشروع الإقليمي الإيراني، تتجه الأنظار إلى شكل النظام الإقليمي الذي قد يتبلور خلال السنوات المقبلة، والقوى المرشحة لقيادة ترتيباته الجديدة.
في هذا السياق، برز الدور الإسرائيلي بوصفه أحد أبرز الفاعلين الإقليميين، مستفيدًا من تفوقه العسكري والتكنولوجي، ومن شبكة علاقاته المتنامية مع عدد من الدول العربية بعد توقيع اتفاقيات أبراهام عام 2020. ولم يعد الحضور الإسرائيلي يقتصر على البُعد الأمني، بل امتد إلى مجالات التكنولوجيا، والاستثمار، والطاقة، والممرات الاقتصادية، بما يعكس محاولة للانتقال من موقع الدولة الباحثة عن الاعتراف الإقليمي إلى شريك يسعى للمساهمة في صياغة ترتيبات الشرق الأوسط الجديد.
ومن هذا المنظور، لا تبدو مفاهيم مثل “الشرق الأوسط الجديد” أو “أطر أبراهام” مجرد شعارات سياسية، بل تمثل مشاريع لإعادة تشكيل شبكات المصالح والتحالفات، وإعادة تعريف أولويات المنطقة اقتصاديًا وأمنيًا. والتحدي بالنسبة إلى الدول العربية لا يكمن في رفض هذه التحولات أو قبولها بصورة مطلقة، وإنما في امتلاك رؤية استراتيجية مستقلة تضمن ألّا تتحوّل عملية إعادة تشكيل الإقليم إلى مسار يُفرض من الخارج، بل إلى عملية تشارك الدول الخليجية نفسها في صياغة قواعدها، بما يحفظ مصالحها وسيادة قرارها ويمنع تهميش دورها في النظام الإقليمي الجديد.
ما وراء المشاريع الخارجية
إذا كانت الحرب الأخيرة قد أعادت رسم خطوط التوازن العسكري في المنطقة، فإنها كشفت في الوقت نفسه عن حقيقة أكثر عمقًا: لا يمكن لأيِّ منظومة إقليمية أن تبني أمنها واستقرارها على مشاريع يصوغها الآخرون، مهما بلغت قوة حلفائها أو متانة تحالفاتها. فالاستراتيجيات التي تنتج خارج الإقليم تعكس، في نهاية المطاف، أولويات القوى التي وضعتها، لا بالضرورة أولويات الدول التي يُفترض أن تستفيد منها.
ومن هنا، فإنَّ التحدي الحقيقي الذي يواجه دول الخليج لا يتمثل في كيفية التكيُّف مع التحوُّلات الإقليمية والدولية فحسب، بل في امتلاك مشروع استراتيجي ذاتي، ينطلق من مصالحها المشتركة، ويحافظ على سيادتها، ويمنحها القدرة على التأثير في مسار الأحداث بدل الاكتفاء بالتفاعل معها.
ويُظهر التاريخ الحديث أنَّ القوى الكبرى لا تتحرك بردود الأفعال، وإنما وفق رؤى بعيدة المدى تجمع بين القوة العسكرية، والاقتصاد، والتكنولوجيا، والديبلوماسية، والنفوذ الثقافي. والأمر نفسه ينطبق، بدرجات متفاوتة، على قوى إقليمية مثل إيران وتركيا وإسرائيل، التي بنت مشاريعها على تصوّرات استراتيجية ممتدة لعقود، بصرف النظر عن اختلاف أدواتها ونتائجها.
في المقابل، حققت دول الخليج إنجازات استثنائية في التنمية الاقتصادية، وتحديث البنية التحتية، وتنويع مصادر الدخل، وبناء نماذج تنموية أصبحت محل اهتمام عالمي. إلّا أنَّ هذه النجاحات، على أهميتها، لا تكتمل ما لم تستند إلى رؤية استراتيجية موحَّدة تحميها من تقلبات البيئة الإقليمية. فالتنمية لا تزدهر في فراغ أمني، والاستثمارات لا تستقر في محيط مضطرب، والازدهار الاقتصادي يحتاج، في نهاية المطاف، إلى مظلة استراتيجية تُصنَعُ داخل المنطقة قبل أن تُستَورَدَ من خارجها.
وهنا تكمن الفجوة التي كشفتها الأزمة الأخيرة؛ إذ إنَّ امتلاك الموارد لا يكفي وحده لضمان الأمن، كما إنَّ وفرة الإمكانات الاقتصادية لا تتحوّل تلقائيًا إلى نفوذٍ سياسي ما لم تُترجم ضمن مشروع استراتيجي طويل الأمد، قادر على حماية المكتسبات وتحويلها إلى عناصر قوة مستدامة.
نحو كونفيدرالية خليجية
لهذا السبب، لا ينبغي النظر إلى مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار باعتبارها نهاية للأزمة، بل بوصفها بداية لمرحلة جديدة من التفكير الاستراتيجي. فالتهديدات لم تختفِ، وإنما تغيّرت أشكالها، والتحالفات الدولية لم تعد ثابتة كما كانت، فيما أثبتت التجربة أنَّ الضمانات الخارجية، مهما بلغت أهميتها، تبقى محكومة بحسابات المصالح الوطنية للدول التي تُقدِّمها.
وفي المقابل، تمتلك دول مجلس التعاون الخليجي جميع المقوّمات التي تؤهّلها للانتقال إلى مستوى جديد من العمل المشترك. فهي تجمع بين الموقع الجيوسياسي الذي يربط الشرق بالغرب، والقدرة على التأثير في أسواق الطاقة العالمية، والموارد المالية الضخمة، والخبرات التنموية المتراكمة، والبنية التحتية المتقدمة، إضافة إلى الروابط التاريخية والاجتماعية والثقافية التي لا تتوافر لكثير من التجمعات الإقليمية الأخرى.
غير أنَّ هذه المقومات لن تحقق كامل أثرها إذا بقي التعاون الخليجي محصورًا في التنسيق السياسي أو الاقتصادي التقليدي. فالمرحلة المقبلة تفرض الانتقال إلى مفهوم أعمق يقوم على وحدة المصالح الاستراتيجية، حيث يصبح الأمن والدفاع، وسلاسل الإمداد، والأمن الغذائي والمائي، والطاقة، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، مجالات تُدار بمنطق الأمن الجماعي لا بمنطق السياسات الوطنية المنفصلة.
ومن هذا المنطلق، تبدو فكرة الكونفيدرالية الخليجية أقرب إلى خيار استراتيجي يستجيب للتحوّلات الدولية منها إلى مشروعٍ سياسي تقليدي. فهي لا تعني إلغاء سيادة الدول أو تذويب خصوصياتها الوطنية، بل إنشاء إطار مؤسّسي أكثر قدرة على توحيد السياسات الدفاعية والاقتصادية، وتعزيز التكامل في القطاعات الحيوية، وبناء قوة تفاوضية جماعية توازي مكانة الخليج الاقتصادية على الساحة الدولية.
لقد دخل العالم بالفعل مرحلة التكتلات الكبرى، حيث أصبحت القدرة على المنافسة وحماية المصالح ترتبط بحجم الكتلة الاقتصادية والاستراتيجية أكثر من ارتباطها بإمكانات الدولة منفردة. وفي ظلِّ هذا التحوُّل، لم يعد السؤال ما إذا كانت دول الخليج تحتاج إلى مشروع تكاملي أكثر عمقًا، بل ما إذا كان الزمن الاستراتيجي المُتاح يسمح بمزيد من التأجيل. فكل أزمة تمر بها المنطقة تؤكد أنَّ تكلفة الانتظار تزداد، وأنَّ مستقبل الخليج لن يصنعه حجم موارده وحدها، بل سرعة انتقاله من مرحلة التعاون إلى مرحلة الشراكة المصيرية.
- إبراهيم الشيخ هو أكاديمي وباحث بحريني متخصص في الشؤون الخليجية، ويركز في عمله على تحليل التحولات السياسية والإعلامية في المنطقة، مع اهتمام خاص بدور الاتصال السياسي في تشكيل الرأي العام والتأثير في صنع السياسات. وهو يجمع بين الرؤية الأكاديمية وخبرة البحث التطبيقي لفهم ديناميكيات العلاقات الإقليمية والدولية المرتبطة بمنطقة الخليج بشكل أفضل.
- يصدر هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره على موقع “أفكار” التابع لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية (الدوحة).




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.