أزمةُ الخليج وموجةُ الحرّ: اختبارٌ جديد لأمنِ الطاقة العالمي
تكشف موجات الحرّ القياسية وأزمة الخليج المتواصلة هشاشة التوازن الذي قام عليه نظام الطاقة العالمي لعقود. وبين ضغوط المناخ وتعقيدات الجغرافيا السياسية، يواجه العالم اختبارًا جديدًا لقدرته على تأمين الطاقة من دون التخلّي عن أهداف التحوُّل نحو اقتصادٍ أقل انبعاثًا للكربون.

روبن ميلز*
قبل نحو نصف قرن، وفي ذروة صيف عام 1976 الذي عُدّ آنذاك من أشدّ فصول الجفاف قسوة في بريطانيا، عيّنت الحكومة البريطانية وزيرًا خاصًا لمواجهة الأزمة (وزير الجفاف). ولم تمضِ أيام قليلة حتى هطلت الأمطار بغزارة واستمرّت أسابيع متواصلة، في مفارقة جعلت من دينيس هاول أحد أكثر الوزراء حظًا في التاريخ السياسي البريطاني. غير أنَّ موجات الحرّ التي تضرب أوروبا اليوم لا تبدو مستعدة لتقديم هدايا مماثلة لصنّاع القرار.
فالقارة الأوروبية خرجت مؤخَّرًا من واحدة من أكثر موجات الحرّ شدة في تاريخها الحديث، وسط مؤشرات متزايدة إلى أنَّ التغيُّرات المناخية لم تعد مجرّد سيناريوهات مستقبلية أو تحذيرات علمية بعيدة المدى، بل أصبحت واقعًا يفرض نفسه على الاقتصادات والمجتمعات والسياسات العامة على حد سواء. وقد سجّلت المملكة المتحدة هذا العام أعلى درجات حرارة تُرصَدُ خلال شهر أيار (مايو)، فيما تجاوزت درجات الحرارة في مناطق واسعة من أوروبا المعدلات الموسمية المعتادة بما يتراوح بين 10 و15 درجة مئوية.
ولا تقتصر المخاوف على ما شهدته الأشهر الماضية، بل تمتد إلى ما هو آتٍ. فالمؤشرات المناخية العالمية توحي بأنَّ ظاهرة “النينيو”، المرتبطة بارتفاع حرارة المياه السطحية في شرق المحيط الهادئ، تتجه نحو مستويات استثنائية قد تدفع متوسط درجات الحرارة العالمية إلى تسجيل أرقام قياسية جديدة خلال العام المقبل.
وتحمل هذه الظاهرة تداعيات تتجاوز حدود الطقس والمناخ. ففي العادة ترتبط “النينيو” بموجات جفاف وحرارة مرتفعة في عدد من المناطق الزراعية الحيوية، من الهند وإندونيسيا إلى أجزاء واسعة من أفريقيا وأوستراليا. وتأتي هذه التحديات في وقتٍ تواجه أسواق الغذاء العالمية ضغوطًا إضافية نتيجة اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الطاقة والأسمدة والنقل، ما يزيد من المخاوف بشأن الأمن الغذائي العالمي خلال السنوات المقبلة.
من أزمة المناخ إلى أزمة السياسة
ومع اتساع نطاق التحديات المناخية، يتزايد الجدل السياسي حول كيفية التعامل معها. فبدل أن يتحوّل ملف التغيُّر المناخي إلى مساحة توافق واسعة، أصبح في عدد من الدول الغربية جُزءًا من الاستقطاب السياسي والثقافي الحاد. وقد أدى ذلك إلى إضعاف قدرة الحكومات على بناء توافقات طويلة الأمد حول السياسات البيئية والطاقة، رُغم تزايد الأدلة العلمية التي تؤكد الحاجة إلى تحركات أكثر جدية وسرعة.
ولم يكن الجدل محصورًا بالسياسات المناخية وحدها، بل امتدَّ إلى قضايا الطاقة والأمن الاقتصادي. فقد استغلَّ بعضُ القوى السياسية ارتفاع أسعار الطاقة لتوجيه انتقادات حادة إلى سياسات التحوّل نحو الحياد الكربوني، معتبرًا أنَّ التسرُّعَ في تقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري ساهم في زيادة الضغوط على المستهلكين والصناعات الأوروبية. وفي المقابل، يرى مؤيدو التحوُّل الأخضر أنَّ المشكلة لا تكمن في أهداف خفض الانبعاثات نفسها، بل في غياب التخطيط المتوازن والاستثمارات الكافية لضمان انتقال تدريجي ومستقر إلى مصادر الطاقة البديلة.
وبين هذين الموقفين، تبرز حقيقة يصعب تجاهلها: فالتعامل مع التغيُّر المناخي لم يعد مجرد قضية بيئية، بل أصبح تحديًا اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا من الطراز الأول. كما إنَّ نجاحَ أيِّ استراتيجية مستقبلية لن يتوقف على التطوُّر التكنولوجي وحده، بل على قدرة الحكومات على مصارحة المواطنين بالتكاليف الحقيقية للتحوُّل الطاقوي، وشرح المفاضلات المعقّدة التي تفرضها مواجهة واحدة من أكبر الأزمات التي يشهدها العالم في العصر الحديث.
ومع ذلك، فإنَّ الصورة الأوروبية لا يمكن قراءتها من زاوية الإخفاقات وحدها. فلو لم تبادر الحكومات الأوروبية إلى ضخِّ استثماراتٍ ضخمة في مشاريع كفاءة الطاقة والطاقة المتجددة منذ اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية عام 2022 وما أعقبها من أزمة غاز حادة، لكانت القارة تواجه اليوم أوضاعًا أكثر صعوبة بكثير.
فقد دفعت الأزمة الأوروبية إلى تسريع مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتحديث شبكات الكهرباء وتطوير البنية التحتية الخاصة بالطاقة. وأسهمت هذه الإجراءات في الحدِّ من حجم الصدمة التي تعرّضت لها الاقتصادات الأوروبية، رُغمَ استمرار الضغوط المرتبطة بارتفاع الأسعار وتذبذب الإمدادات.
وفي المقابل، لا يخفي بعضُ الأحزاب اليمينية والشعبوية الأوروبية انتقاداته لسياسات التحوُّل الطاقوي، معتبرًا أنَّ أهدافَ خفض الانبعاثات الكربونية أسهمت في زيادة الأعباء على المستهلكين والصناعات. ويرى منتقدو هذه الأحزاب أنَّ جُزءًا من خطابها السياسي ينطوي على حنين ضمني إلى حقبة الاعتماد الواسع على إمدادات الطاقة الروسية الرخيصة التي كانت تشكّل ركيزةً أساسية لأمن الطاقة الأوروبي قبل الحرب في أوكرانيا.
وفي جانبي المحيط الأطلسي، يبدو بعضُ السجالات السياسية حول الطاقة وكأنه يعود إلى نقاشات عقد مضى أكثر مما تعكس واقع السوق الحالي. فالتطوّرات التكنولوجية السريعة خفّضت تكاليف الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بصورة كبيرة، كما عززت من قدرتها على المنافسة والاعتماد عليها ضمن مزيج الطاقة الحديث. ولم تعد هذه التقنيات تُقدَّم فقط باعتبارها أدوات للحد من الانبعاثات الكربونية، بل أصبحت في كثير من الحالات خيارات اقتصادية مجدية وقادرة على تعزيز أمن الطاقة وتنويع مصادره.
ومع ذلك، لا تزال السياسات العامة في عدد من الدول الغربية تعاني من تناقضات واضحة. ففي الوقت الذي تتبنّى الحكومات أهدافًا طموحة لخفض الانبعاثات، تستمر في تقديم أشكال مختلفة من الدعم لمصادر طاقة تقليدية أو في اتخاذ قرارات تعكس اعتبارات سياسية وانتخابية قصيرة المدى أكثر مما تعكس رؤية استراتيجية متكاملة لمستقبل الطاقة.
الطاقة بين التحوّل والأمن
ومن موقعها كأحد أهم مراكز إنتاج الطاقة في العالم، تتابع دول الخليج هذه النقاشات بمزيج من الحذر والاهتمام. فمنذ سنوات، يدعو مسؤولون وخبراء في المنطقة إلى تبنّي مقاربة أكثر واقعية في إدارة التحوُّل الطاقوي العالمي، تقوم على التوازن بين متطلبات أمن الطاقة وأهداف خفض الانبعاثات الكربونية.
وقد حذر مسؤولون خليجيون مرارًا من أنَّ التركيز الحصري على تقليص الاستثمارات في النفط والغاز من دون توفير بدائل كافية وموثوقة قد يؤدي إلى اختلالاتٍ خطيرة في الأسواق العالمية. كما أشاروا إلى أنَّ العالم يواجه تحدّيًا مزدوجًا يتمثل في ضرورة تلبية الطلب المتزايد على الطاقة من جهة، وخفض الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري من جهة أخرى.
واليوم يبدو بعضُ تلك التحذيرات أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. فالعالم لم ينجح حتى الآن في تحقيق التقدّم المطلوب للوصول إلى أهدافه المناخية، وفي الوقت نفسه بات أمن الطاقة أكثر هشاشة مما كان عليه قبل سنوات قليلة.
ومن اللافت أنَّ دول الخليج العربي لم تتعامل مع التغيُّر المناخي باعتباره قضية هامشية أو موضع شك علمي. بل إنَّ العديد منها وضع استراتيجيات طويلة الأمد لتحقيق الحياد الكربوني، وأطلق استثمارات ضخمة في مجالات الطاقة المتجددة والهيدروجين وتقنيات التقاط الكربون، بالتوازي مع استمرار الاستثمار في قطاع النفط والغاز.
لكن الأزمة الحالية تفرض واقعًا جديدًا حتى على الدول المنتجة للطاقة. فقبل التوترات الأخيرة في منطقة الخليج، كان من الممكن الدفاع عن فكرة أنَّ أمن الطاقة العالمي يحتاج إلى مزيج متوازن من النفط والغاز والطاقة النووية والطاقة المتجددة وغيرها من المصادر. أما اليوم، فإنَّ استمرار اضطراب طرق الإمداد البحرية وارتفاع المخاطر الجيوسياسية يسلطان الضوء على الحاجة إلى تنويع مصادر الطاقة بوتيرة أسرع وأكثر جدية.
وقد كان بعضُ الدول النامية أول من دفع ثمن هذه الاضطرابات. ففي أجزاءٍ من أفريقيا وآسيا، تسببت أزمة الطاقة في تعطيل النشاط الصناعي والتجاري وارتفاع تكاليف المعيشة بصورة حادة، ووصل الأمر في بعض الحالات إلى انقطاعات واسعة للكهرباء واحتجاجات شعبية مرتبطة بارتفاع أسعار الوقود.
ورُغمَ أنَّ الاقتصادات الكبرى في أوروبا والولايات المتحدة والصين واليابان تمكنت حتى الآن من احتواء جُزءٍ كبير من آثار الأزمة، فإنَّ هذا الوضع قد لا يستمر طويلًا إذا تواصل استنزاف المخزونات النفطية وتعطّلت الإمدادات لفترة ممتدة. فأسواق الطاقة العالمية ما زالت تعتمد بدرجة كبيرة على استقرار منطقة الخليج وسلامة حركة الملاحة فيها.
وفي حال استمرار الضغوط الحالية، قد يصبح صيف الحرارة القياسية وانقطاعات الكهرباء وارتفاع تكاليف الطاقة نقطة تحوُّل في السلوك الاستهلاكي والسياسات الحكومية على حد سواء. فعادة ما تترك الأزمات الكبرى أثرًا يتجاوز مدتها الزمنية المباشرة، إذ تدفع الحكومات والشركات والمستهلكين إلى إعادة النظر في خياراتهم طويلة الأمد.
ومن هذا المنطلق، قد تشكّل الأزمة الراهنة حافزًا إضافيًا لتسريع الاعتماد على السيارات الكهربائية وتقنيات تخزين الطاقة والحلول منخفضة الكربون. كما قد تمنح دفعة جديدة للدول التي استثمرت مبكرًا في بناء سلاسل صناعية وتقنية مرتبطة بالطاقة النظيفة، وفي مقدمتها الصين التي تبدو اليوم في موقع متقدم للاستفادة من التحوّلات الجارية في أسواق الطاقة العالمية.
وفي نهاية المطاف، لا تبدو الأزمة الحالية مجرّد اختبار لقدرة العالم على تأمين احتياجاته من الطاقة، بل اختبارًا لمدى قدرته على إدارة التحوُّل نحو نظام طاقوي جديد يوازن بين متطلبات الأمن الاقتصادي وأهداف الاستدامة البيئية. وهي معادلة ستبقى في صلب النقاش العالمي لسنوات طويلة مقبلة، حتى بعد انقضاء موجات الحر الحالية وانحسار الأزمات الطارئة.
الخليج واستحقاقات المستقبل
وفي خضم هذه التحوُّلات، تبدو دول الخليج العربي من بين الأطراف الأكثر استعدادًا للتكيُّف مع البيئة الجديدة التي تتشكّل أمامها. فالتحديات الراهنة لا تدفعها إلى الانكفاء أو انتظار عودة الظروف السابقة، بل إلى تسريع عملية إعادة بناء منظومة الأمن الاقتصادي والطاقة على أسس أكثر تنوُّعًا ومرونة.
ومن المتوقع أن تكتسب مشاريع البنية التحتية الإقليمية أهمية متزايدة خلال السنوات المقبلة، سواء عبر تطوير خطوط أنابيب جديدة أو توسيع الموانئ وشبكات النقل البري والسكك الحديدية. وقد لا تمثل هذه البدائل حلولًا مثالية مقارنة بحرية الملاحة التقليدية عبر الممرات البحرية الاستراتيجية، لكنها توفر خيارات ضرورية للحدِّ من المخاطر وتعزيز قدرة الدول على التعامل مع أيِّ اضطراباتٍ مستقبلية في حركة التجارة والطاقة.
وفي الوقت نفسه، من المرجح أن تدفع الأزمة الحالية دول الخليج إلى المضي بوتيرة أسرع في برامج تنويع مصادر الطاقة وتوسيع قاعدة اقتصاداتها الوطنية. فقد انتقلت هذه الاستراتيجيات خلال السنوات الأخيرة من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، مدعومةً باستثمارات ضخمة تستهدف بناء موقع متقدم للمنطقة في اقتصاد المستقبل.
وتوفّر التجارب القائمة مؤشّرات واضحة على هذا التوجُّه. فبرنامج الطاقة النووية السلمية في دولة الإمارات، ومشاريع الطاقة الشمسية وتخزين الكهرباء على نطاقٍ واسع، ومبادرات الهيدروجين الأخضر في كلٍّ من السعودية وسلطنة عُمان، ليست مجرد مشاريع طاقة منفصلة، بل تمثل رهانات استراتيجية على عالم يتغير بسرعة وتتغير معه طبيعة الطلب على الطاقة ومصادر النمو الاقتصادي.
ولا يقتصر الأمر على قطاع الطاقة وحده. فالاستثمارات الخليجية المتنامية في مجالات الذكاء الاصطناعي والفضاء والصناعات الدفاعية والتقنيات المتقدمة تعكس إدراكًا متزايدًا بأنَّ القدرة التنافسية في العقود المقبلة لن تُقاس فقط بحجم الموارد الطبيعية، بل بامتلاك المعرفة والتكنولوجيا والقدرة على الابتكار. وهكذا لا يجري استبدال قطاع الطاقة التقليدي بقطاعات جديدة بقدر ما يجري بناء منظومة اقتصادية أوسع قادرة على الاستفادة من الحاضر والاستعداد للمستقبل في آنٍ واحد.
وربما تكمن المفارقة في أنَّ منطقة ارتبطت صورتها عالميًا بالنفط والغاز أصبحت اليوم من أكثر المناطق استثمارًا في السيناريوهات المختلفة لمستقبل الطاقة. فهي تدرك أنَّ العالم لن يتخلّى عن الوقود التقليدي بين ليلة وضحاها، كما تدرك في الوقت نفسه أنَّ التحوُّل نحو مصادر الطاقة منخفضة الانبعاثات يتسارع بوتيرة يصعب تجاهلها.
وعلى امتداد تاريخها، تعلمت مجتمعات الخليج دروس التكيُّف مع البيئات الصعبة. فقد نشأت بين الصحراء والبحر؛ وهما مصدران للحياة والفرص بقدر ما يحملان من تحديات ومخاطر. فالصحراء تكافئ من يفهم قوانينها ويتعامل معها بواقعية، والبحر يمنح خيراته لمَن يُحسِن قراءة تقلّباته واحترام حدوده.
وربما تنطبق القاعدة نفسها على عالم اليوم. فالتغير المناخي، والتحوّلات الجيوسياسية، وإعادة تشكيل أسواق الطاقة ليست ظواهر يمكن تجاهلها أو التعامل معها بمنطق الأمنيات. وفي النهاية، لا يكون الخطر الحقيقي في ندرة الموارد أو صعوبة الظروف بقدر ما يكون في سوء تقدير الواقع أو إنكاره. فسواء كان التحدي علميًا أو اقتصاديًا أو سياسيًا، يبقى التكيُّف الذكي مع المتغيّرات هو الشرط الأساسي للبقاء والازدهار في عالمٍ يزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم.
- روبن ميلز هو الرئيس التنفيذي لشركة “قمر للطاقة”، ومؤلف كتاب “أسطورة أزمة النفط” (The Myth of the Oil Crisis).
- كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.