الانتشارُ اللبناني في معركةِ الدولة: حَشدٌ دولي من أجلِ السيادة والسلام
الياس كسّاب، مي الريحاني، فيليب سالم*
في خضمِّ التحوّلات الجيوسياسية العميقة التي تُعيدُ رَسمَ موازين القوى في الشرق الأوسط، يجد لبنان نفسه أمامَ فرصةٍ استثنائية قد لا تتكرّر لإعادة بناء مؤسّسات الدولة واستعادة قرارها السيادي. فبعد عقودٍ من تحوُّله إلى ساحةٍ لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، وإلى منصّةٍ تتقاطع فوقها مشاريع النفوذ والمحاور المتنافسة، يلوحُ اليوم مسارٌ مختلف يضع الدولة اللبنانية نفسها في صلب الاهتمام الدولي، لا باعتبارها ورقة تفاوض أو جُزءًا من صراعات الآخرين، بل ككيانٍ يحتاجُ إلى الإنقاذ واستعادة قدرته على إدارة شؤونه باستقلالية.
ويبدو أنَّ المقاربة الأميركية تجاه لبنان تشهدُ تحوُّلًا لافتًا مُقارنةً بالمراحل السابقة. فواشنطن، بدعمٍ من عددٍ من الشركاء الدوليين والعرب، باتت تتعامل مع الملف اللبناني بوصفه قضية مستقلة ينبغي فصلها عن مسارات التفاوض الإقليمي، ولا سيما تلك المرتبطة بإيران. وفي هذا السياق، لم يَعُد الهدف تنظيم توازنات النفوذ الخارجي داخل لبنان أو التكيُّف معها، بل العمل على تقليصها وإنهائها تدريجًا، بما يسمح بإعادةِ ترسيخ مفهوم الدولة صاحبة القرار السيادي. ومن هذا المنطلق، تُركّز الجهود الدولية بصورة متزايدة على دعم المؤسسات الشرعية وتمكين الدولة اللبنانية من استعادة احتكارها لقرار الحرب والسلم، باعتباره المدخل الأساسي لأيِّ عمليةِ نهوضٍ سياسي واقتصادي مستدام.
في هذا المناخ الإقليمي والدولي الجديد، يبرز موقف السلطة اللبنانية باعتباره أحد أبرز المؤشّرات إلى محاولة إعادة الاعتبار لمنطق الدولة والمؤسسات، رُغمَ حجم الضغوط السياسية والأمنية التي تحيط بها من الداخل والخارج. فقد تبنّت القيادة اللبنانية خطابًا جريئًا يقوم على دعم الشرعية الدستورية، وتعزيز دور الجيش والقوى الأمنية، وحصر السلاح بيد الدولة، واستعادة القرار الوطني في قضايا الحرب والسلم، إلى جانب العمل على إعادة وصل لبنان بعمقه العربي وشركائه الدوليين. وتُمثّل هذه المقاربة تحوُّلًا مهمًّا مُقارنةً بسنواتٍ طويلة طغى خلالها منطق الأمر الواقع على حساب سلطة المؤسسات، وأصبحت فيها الدولة عاجزة عن ممارسة كامل صلاحياتها. غير أنَّ التحدّي الحقيقي لم يعد في صياغة الرؤية أو اتخاذ القرار السياسي، بل في القدرة على ترجمة هذه التوجُّهات إلى خطواتٍ تنفيذية ملموسة تُعيدُ بناء الثقة بالدولة ودورها.
وفي موازاة ذلك، يكتسب الانتشار اللبناني حول العالم أهمية متزايدة في هذه المرحلة المفصلية. فمنذ عقود، شكّل اللبنانيون المنتشرون في مختلف القارات امتدادًا طبيعيًا لوطنهم الأم، وساهموا في الحفاظ على حضوره السياسي والثقافي والاقتصادي في المحافل الدولية. واليوم، ومع تزايد حضور شخصيات لبنانية بارزة في مراكز القرار والأوساط الأكاديمية والإعلامية والاقتصادية، ولا سيما في الولايات المتحدة، تتعزّز قدرة هذا الانتشار على التأثير في الرأي العام وصناعة السياسات المرتبطة بلبنان. كما يبرز دورٌ متنامٍ للمجموعات والهيئات اللبنانية–الأميركية التي تدافع عن فكرة لبنان السيد المستقل، وتعمل على حشد الدعم الدولي لمشروع الدولة ومؤسساتها الشرعية.
لكن نجاح هذه اللحظة السياسية يبقى رهنًا بقدرة اللبنانيين أنفسهم على الالتفاف حول مشروع الدولة وتغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الفئوية والمحاور الخارجية. فالفرصة المتاحة اليوم قد تكون الأكثر أهمية منذ عقود، وربما الأخيرة قبل دخول البلاد في دورة جديدة من الأزمات وعدم الاستقرار. لقد أثبتت التجارب أنَّ لبنان يدفع أثمانًا باهظة كلّما تحوّل إلى ساحةٍ لتبادل الرسائل الإقليمية أو إلى ورقة تستخدمها القوى المتصارعة لتحسين شروط التفاوض في ما بينها. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تكريس معادلة جديدة تقوم على أولوية الدولة ومؤسساتها، وعلى تثبيت مبدَإٍِ بسيط لكنه حاسم: لبنان ليس ساحةً لأحد، بل دولة ذات سيادة يجب أن تكون مصالحها الوطنية فوق أي محور أو اصطفاف خارجي. فنجاح هذا المسار لن يحدد فقط مستقبل السلطة الحالية، بل سيحدد أيضاً ما إذا كان لبنان قادرًا أخيرًا على الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة بناء الدولة.
وفي قلبِّ هذا التحوّل، تبرزُ أهميّةُ عودةِّ “حزب الله” الى حضن لبنان وإلى المساهمة في بناء الدولة، بعيدًا من الارتهان للمشاريع الخارجيّة وبعيدًا من تنفيذ اجندة الحرس الثوري الإيراني. فشيعةُ لبنان كانوا دائمًا جُزءًا أصيلًا من الهويّة الوطنيّة اللبنانيّة، وشاركوا في صناعة نهضتها الفكريّة والسياسيّة والثقافيّة. ومن جبل عامل خرج العلماءُ والمفكّرون وروّادُ الانفتاح والمعرفة، لا دعاةُ الحروب المفتوحة.
إنَّ أيََّ تسويةٍ جديّةٍ اليوم لا يمكنُ أن تقتصرَ على وقفِ إطلاقِ النار أو الترتيبات الأمنيّةِّ المحدودة، بل يجبُ أن تؤسّسَ لسلامٍ دائمٍ واستقرارٍ حقيقي. وهذا السلامُ لا يمكنُ أن يقومَ إلّا على ضمانات ثلاث:
أولًا، الضمانةُ الأميركيّة، باعتبارِ أنَّ الولايات المتحدةَ هي الجهةُ الدوليّةُ الوحيدةُ القادرةُ فعليًّا على الضغطِ لضمان احترام أيِّ اتفاقٍ أو تسوية، ومنع تكرار الحروب والاعتداءات، كما إنّها الجهةُ الأكثرُ قدرةً على توفير الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي اللازم لقيام دولةٍ لبنانيّةٍ قويّة. وقد يحتاج ذلك إلى إبرام معاهدة دفاع مشتركة بين الولايات المتحدة ولبنان.
ثانيًا: إنَّ نزعَ سلاح “حزب الله” لا يمكن تحقيقه بالقوة وحدها. فهذا يحتاج إلى قرارٍ سياسي تأخذه إيران. ومن هذا المنطلق فالانتشار اللبناني يطلب من الوفد اللبناني المفاوض في واشنطن الإصرار على المفاوض الأميركي إدراج بند في الاتفاق الأميركي – الإيراني، تتعهّد فيه إيران بوقف تدفق المال والسلاح إلى “حزب الله” وإلى كلِّ الأذرع العسكرية التي زرعتها في العالم العربي.
ثالثًا، التطبيقُ الكاملُ للقرارات الدوليّةِّ ذات الصلة، وفي مقدّمتها القرار 1701، بما يضمنُ بسطَ سلطة الدولة اللبنانيّة على كامل أراضيها، وضبط الحدود، ومنع وجود أيِّ سلاحٍ خارج إطار الشرعيّة، وترسيخَ مبدَإِ حصرية قرارِ الحرب والسلم بيد الدولة وحدها.
ومع الحديث المتزايد عن انتهاءِ دورِ قوات الطوارئ الدوليّة بصيغتها الحاليّة، تبرزُ الحاجةُ إلى مقاربةٍ جديدةٍ أكثر فعاليّة. فالمطلوبُ ليس مجرّد مراقبةٍ هشّة لوقف إطلاق النار، بل إنشاءُ قوّةٍ دوليّةٍ متعدّدة الجنسيّات، تعملُ بتفويضٍ واضحٍ من الأمم المتحدة، وتساندُ الجيشَ اللبناني في تنفيذ مهمّاته السياديّة، وعلى رأسها بسطُ سلطة الدولة، وحمايةُ الحدود، وضبطها. غير أنَّ نجاحَ أيِّ قوّةٍ دوليّةٍ يبقى مرتبطًا بإعادة بناء الجيش اللبناني نفسه. فالجيشُ يحتاجُ إلى تسليحٍ حديث، وتدريبٍ متقدّم، وزيادةٍ كبيرةٍ في عديده وإمكاناته اللوجستيّة، ليصبحَ قادرًا فعلًا على تولّي مسؤوليّات الأمن الوطني كاملة. فالدولةُ لا تُبنى بالشعارات، بل بمؤسساتٍ قويّةٍ تمتلكُ القرارَ والقدرةَ على تنفيذ القرار معًا.
بعد سنوات طويلة من الحروب والأزمات والانقسامات والانهيارات المتلاحقة، يقف اللبنانيون اليوم أمام مفترق طرق تاريخي قد يرسم ملامح مستقبل بلادهم لعقود مقبلة. فالخيار لم يعد بين مشاريع سياسية متنافسة أو تحالفات متبدلة، بل بين مسارَين واضحين: إما استعادة الدولة لدورها وسيادتها وقرارها الوطني، وإما استمرار الارتهان لصراعات الخارج وحساباته وموازين قواه.
إنَّ اللحظة الراهنة تتيح فرصة نادرة لإطلاق مسار مختلف يُعيدُ لبنان إلى ذاته وإلى موقعه الطبيعي كدولة منفتحة ومتعددة وقادرة على التفاعل الإيجابي مع محيطها العربي والعالم. وإذا نجح اللبنانيون، مدعومين بانتشارهم الواسع والمؤثر في مختلف أنحاء العالم، في استثمار هذه الفرصة، فقد يكونون أمام بداية مرحلة جديدة تستعيد فيها الدولة حضورها وهيبتها، ويستعيد فيها لبنان دوره التاريخي كمساحة للحرية والتعددية والحوار، لا كساحة لتصفية النزاعات الإقليمية والدولية.
لكن هذه الفرصة لن تدوم إلى الأبد. فالعالم يراقب ما إذا كان اللبنانيون قادرين على بناء دولة طبيعية تحكمها المؤسسات والقانون، أم أنهم سيبقون أسرى الانقسامات والولاءات المتنازعة التي استنزفت بلدهم لعقود. إنها لحظة اختبار حقيقية لإرادة اللبنانيين وقدرتهم على الانتقال من منطق الأزمات إلى منطق الدولة.
وفي مثل هذه اللحظات المفصلية، لا تكفي النوايا الحسنة ولا الخطابات الطموحة. ما يحتاجه لبنان قبل أي شيء آخر هو قادة يمتلكون الرؤية والشجاعة والقدرة على اتخاذ القرارات الصعبة ووضعها موضع التنفيذ. إنها ساعة الحقيقة، وساعة الدول التي تُبنى بالقيادة قبل أيِّ شيء آخر.
- الياس كساب هو الرئيس العالمي السابق للجامعة اللبنانية الثقافية في العالم.
- مي الريحاني هي كاتبة وباحثة أكاديمية لبنانية تعيش في واشنطن منذ نصف قرن. عملت في مؤسّساتٍ تنموية تربوية أميركية كبرى. لها مؤلفاتٌ عدة بالإنكليزية والعربية. وحاليًّا هي الناطقة الرسمية باسم الجامعة اللبنانية الثقافية في العالم.
- الدكتور فيليب سالم هو طبيب وباحث وأستاذ ورجل دولة عالمي في طب السرطان، يعمل كمدير فخري لأبحاث السرطان في مستشفى سان لوك الأسقفية في هيوستن، وهو رئيس “مركز سالم للأورام السرطانية”.



