من التطبيع إلى الأمن الإقليمي… كيف أعادت حرب غزة تشكيل حسابات الشرق الأوسط؟

أوقفت حرب غزة اندفاعة التطبيع، لكنها فتحت في المقابل نقاشًا أوسع حول مستقبل الأمن الإقليمي، ودور التحالفات، وكيف تعيد دول الشرق الأوسط صياغة حساباتها في ظل بيئة استراتيجية تتغيّر بسرعة.

الأمير محمد بن سلمان وبنيامين نتنياهو… رؤيتان مختلفتان لمستقبل الشرق الأوسط.

ميشال مظلوم*

قبل هجوم حركة “حماس” على إسرائيل في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، كانت المملكة العربية السعودية وإسرائيل تقتربان من مرحلة متقدّمة من المفاوضات حول تطبيع العلاقات برعاية الولايات المتحدة. وكان التصوُّر السائد في واشنطن أنَّ انضمام الرياض إلى “اتفاقات أبراهام” ليس سوى مسألة وقت، في ظلِّ حزمة تفاهمات شملت اتفاقًا دفاعيًا مع الولايات المتحدة، وبرنامجًا نوويًا مدنيًا للمملكة، إلى جانب إقامة علاقات رسمية مع إسرائيل.

وتشير تقارير غربية إلى أنَّ ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان كان ينظر إلى التطبيع من زاوية استراتيجية، باعتباره خطوة يمكن أن تخدم مصالح المملكة في المدى الطويل، لكنه كان يدرك في الوقت نفسه أنَّ أيَّ اتفاقٍ لا يمكن أن يتجاهل المزاج الشعبي العربي، ولا سيما في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية. ولذلك، ظلَّ الموقف السعودي يربط أيَّ تقدُّم في هذا المسار بوجود صيغة يمكن تقديمها داخليًا وإقليميًا باعتبارها تحقق مكاسب سياسية ملموسة للفلسطينيين.

غير أنَّ أحداث السابع من تشرين الأول (أكتوبر) وما أعقبها من حرب في غزة غيّرت البيئة التي كانت تتحرّك فيها هذه المفاوضات. فلم يعد النقاش في الرياض يقتصر على شروط التطبيع مع إسرائيل، بل امتدَّ إلى إعادة تقييم التوازنات الإقليمية برمتها، في ظلِّ تصاعد المواجهة بين إسرائيل وإيران، واتساع نطاق العمليات العسكرية إلى أكثر من ساحة في الشرق الأوسط.

ومنذ ذلك الحين، بدأ يتبلور في السياسة السعودية اتجاهٌ جديد يقوم على أنَّ أمنَ الخليج لا يمكن أن يبقى رهينة الصراع الإيراني-الإسرائيلي، وأنَّ استمرار المواجهة المفتوحة بين الطرفين يحمل مخاطر مباشرة على دول المنطقة، حتى تلك التي لا ترغب في الانخراط في هذا الصراع.

ولم يكن هذا التحوُّل في الرؤية السعودية معزولًا عن التطورات على الجانب الإسرائيلي، حيث دفعت الحرب أيضًا تل أبيب إلى إعادة صياغة أولوياتها الأمنية والعسكرية.

تحوُّلٌ في الحسابات السعودية والإسرائيلية

في المقابل، شهدت إسرائيل تحوُّلًا مهمًا في مقاربتها الأمنية بعد هجوم السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، الذي اعتبرته أكبر اختراق أمني تتعرّض له منذ عقود. فقد خلصت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى أنَّ سياسة الردع التقليدية لم تعد كافية لمنع التهديدات، وأنَّ الاعتماد على احتواء المخاطر لم يعد يُحقّق الأمن المطلوب.

وانطلاقًا من هذا التقييم، اتجهت إسرائيل إلى تبنّي سياسة أكثر هجومية تقوم على استهداف مصادر التهديد قبل تحوُّلها إلى خطر مباشر، سواء داخل الأراضي الفلسطينية أو في الساحات الإقليمية التي تنشط فيها الجماعات المتحالفة مع إيران.

وخلال الأشهر التالية، توسّعت العمليات العسكرية الإسرائيلية لتشمل غزة ولبنان وسوريا واليمن، إضافةً إلى ضربات استهدفت مواقع مرتبطة بإيران. ومن وجهة النظر الإسرائيلية، جاءت هذه العمليات ضمن استراتيجية واحدة هدفها منع خصومها من إعادة بناء قدراتهم العسكرية.

إلّا أنَّ هذه السياسة خلقت انطباعًا مختلفًا لدى عدد من العواصم العربية، ولا سيما في الخليج، حيث بدأ يتزايد القلق من أنَّ اتساع نطاق العمليات العسكرية قد يؤدي إلى جرِّ المنطقة بأسرها إلى دوّامةٍ من التصعيد، ويزيد من المخاطر الأمنية والاقتصادية التي تواجهها دول الخليج.

في البداية، اكتفت الرياض بتجميد محادثات التطبيع، مع التأكيد أنَّ العملية لم تُلغَ، وإنما أُرجِئت إلى حين انتهاء الحرب في غزة. لكن مع استمرار العمليات العسكرية وارتفاع أعداد الضحايا واتساع رقعة المواجهة، أخذ الموقف السعودي يتشدد تدريجيًا.

ومع مرور الوقت، باتت المملكة تربط أيَّ تطبيعٍ مع إسرائيل بقيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وهو ما حوّل هذا الشرط من مطلب قابل للنقاش إلى أساس ثابت في السياسة السعودية.

وفي الوقت نفسه، اتسعت النظرة السعودية إلى الملف من مجرد علاقة ثنائية مع إسرائيل إلى رؤية أشمل تتعلق بمستقبل النظام الإقليمي. فالمملكة باتت ترى أنَّ الاستقرار في الخليج يتطلّب تقليص احتمالات المواجهة بين القوى الإقليمية، بدل الانخراط في محاور قد تجعل دول الخليج طرفًا مباشرًا في صراعاتٍ لا تخدم مصالحها.

ومن هذا المنطلق، بدأت الرياض تتحرّك في اتجاه توسيع شبكة شراكاتها الدفاعية والسياسية، وعدم الاكتفاء بالاعتماد على التحالف التقليدي مع الولايات المتحدة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على العلاقات الاستراتيجية معها.

ويشير عددٌ من المحلّلين إلى أنَّ هذا التحوُّل لا يعكس قطيعة مع واشنطن أو رفضًا للتعاون مع إسرائيل، بقدر ما يُعبّر عن محاولة سعودية لإعادة صياغة أولوياتها الأمنية في ضوء المتغيرات التي شهدتها المنطقة منذ أواخر عام 2023.

مع مرور الوقت، لم يعد النقاش السعودي يدور حول توقيت التطبيع فحسب، بل حول طبيعة النظام الإقليمي الذي ينبغي أن يقوم بعد الحرب.

ففي حين ترى إسرائيل أنَّ تعزيز التعاون الأمني مع الدول العربية يمثّل أحد عناصر الاستقرار الإقليمي، برز داخل الرياض اتجاهٌ يعتبر أنَّ الاستقرار يتطلب قبل كل شيء تخفيف حدة الاستقطاب بين المحاور المتنافسة، وعدم تحويل الخليج إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين إسرائيل وإيران.

ولهذا، بدأت المملكة في تعزيز اتصالاتها مع عدد من القوى الإقليمية، من بينها قطر وتركيا وباكستان ومصر، بالتوازي مع استمرار علاقاتها الوثيقة بالولايات المتحدة. ولم يكن الهدف، وفق هذا التصوُّر، إنشاء محور جديد بقدر ما كان بناء شبكة من العلاقات تمنح الرياض قدرة أكبر على إدارة الأزمات وتقليل الاعتماد على طرف واحد.

وفي هذا الإطار، حظيت اتفاقيات التعاون الدفاعي مع باكستان باهتمام خاص، لما تمثله إسلام آباد من ثقل عسكري واستراتيجي، كما شهدت العلاقات السعوديةـالتركية دفعة جديدة، ترافقت مع توسع التعاون في مجالات الدفاع والصناعات العسكرية.

ويرى مراقبون أنَّ هذه التحركات تعكس رغبة سعودية في تنويع مصادر القوة والشراكات، بما ينسجم مع التحوّلات التي تشهدها السياسة الخارجية للمملكة خلال السنوات الأخيرة.

غير أن هذه المراجعة لم تقتصر على السياسة السعودية، بل جاءت جزءًا من مراجعة أوسع شهدتها دول الخليج، وإن اختلفت أولويات كل دولة ومقاربتها للتحوّلات الإقليمية.

الخليج بين التحالفات التقليدية وتعدد الشراكات

وفي الوقت نفسه، برز تباين واضح في مقاربة دول الخليج للتطورات الإقليمية.

فالإمارات والبحرين، اللتان انضمّتا إلى “اتفاقات أبراهام”، واصلتا اعتبار التعاون مع إسرائيل جُزءًا من ترتيبات الأمن الإقليمي، في حين فضلت السعودية، إلى جانب دول خليجية أخرى، اتباع سياسة أكثر حذرًا تقوم على الاحتفاظ بقنوات اتصال مع مختلف الأطراف، مع تجنُّب الانخراط في استقطابٍ حاد.

ولم يقتصر هذا الاختلاف على العلاقة مع إسرائيل، بل امتد إلى ملفات إقليمية أخرى، مثل اليمن والسودان والقرن الأفريقي، حيث ظهرت تباينات في الأولويات والمقاربات بين عدد من العواصم الخليجية.

ورُغمَ ذلك، لم يؤدِّ هذا التباين إلى قطيعة داخل مجلس التعاون الخليجي، بل عكس اختلافًا في تقدير المخاطر وسُبُل التعامل معها، في مرحلة تشهد تغيرات متسارعة في موازين القوى الإقليمية.

يرى مؤيدو المقاربة السعودية أنَّ تنويعَ الشراكات يمنح المملكة هامشًا أوسع للمناورة ويُقلّل من احتمالات انجرارها إلى صراعات لا تخدم مصالحها المباشرة. كما يعتقدون أنَّ الحفاظ على قنوات التواصل مع مختلف الأطراف قد يتيح للرياض أداء دور الوسيط في أزمات المنطقة، ويعزز مكانتها بوصفها لاعبًا إقليميًا رئيسيًا.

في المقابل، يرى آخرون أنَّ نجاح هذه السياسة سيظل مرتبطًا بقدرة المملكة على تحقيق توازن دقيق بين علاقاتها مع الولايات المتحدة وشركائها التقليديين، وبين انفتاحها على قوى إقليمية أخرى، في ظلِّ استمرار التوتر بين إسرائيل وإيران وعدم اتضاح شكل النظام الإقليمي الذي قد ينشأ بعد انتهاء الصراعات الحالية.

ومهما يكن، فإنَّ السنوات التي أعقبت حرب غزة أظهرت أنَّ مسار التطبيع لم يعد القضية الوحيدة المطروحة، بل أصبح جزءًا من نقاش أوسع يتعلق بمستقبل الأمن في الشرق الأوسط، وبكيفية إدارة التنافس بين القوى الإقليمية من دون أن يتحوَّل إلى مواجهة شاملة.

وجاءت التطورات العسكرية اللاحقة لتختبر هذه المقاربات الجديدة على أرض الواقع، بعدما اتسعت دائرة المواجهة لتشمل أطرافًا إقليمية ودولية عدة.

مع اتساع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وجدت دول الخليج نفسها أمام اختبارٍ عملي لفعالية الترتيبات الأمنية التي اعتمدتها خلال السنوات الماضية.

فقد تعرّضت دولٌ خليجية عدة لهجمات صاروخية ومسيّرات إيرانية، بينما تأثرت حركة الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، وارتفعت أسعار الطاقة، وعادت المخاوف من اضطراب إمدادات النفط العالمية.

وأظهرت هذه التطورات أنَّ أيَّ مواجهة واسعة بين إيران وإسرائيل لا تبقى محصورة بين الطرفين، بل تمتد آثارها سريعًا إلى اقتصادات الخليج وأمنه، حتى بالنسبة إلى الدول التي لا تشارك مباشرة في العمليات العسكرية.

اختلفت التفسيرات بشأن ما أفرزته الحرب.

فمن جهة، اعتبرت إسرائيل أنَّ العمليات العسكرية أضعفت القدرات العسكرية لحلفاء إيران في أكثر من ساحة، وألحقت أضرارًا بمنشآت عسكرية وبرامج استراتيجية داخل إيران، وهو ما رأت فيه تعزيزًا لسياسة الردع التي تبنتها بعد هجوم السابع من تشرين الأول (أكتوبر).

في المقابل، رأت أطراف أخرى أنَّ الحرب أثبتت أيضًا محدودية الحلول العسكرية وحدها، بعدما انعكست المواجهة على الاقتصاد العالمي، وأدت إلى اضطرابات في أسواق الطاقة، ورفعت كلفة استمرار الصراع بالنسبة إلى جميع الأطراف.

ومن هنا، عاد المسار الديبلوماسي إلى الواجهة، مدفوعًا برغبة القوى الكبرى في احتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب مفتوحة طويلة الأمد.

من الحرب إلى الديبلوماسية

في هذا السياق، جاءت مذكرة التفاهم التي وُقعت في إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران لتفتح مرحلة جديدة من إدارة الأزمة.

ورغم أنَّ المذكرة لم تُنهِ الخلافات الجوهرية بين الطرفين، فإنها أرست إطارًا لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى التفاوض حول عدد من الملفات الأمنية والإقليمية.

كما تضمنت تفاهمات تتعلق بلبنان، وهو ما أعاد هذا البلد إلى صلب التوازنات الإقليمية، بالنظر إلى استمرار دور “حزب الله” في المعادلة الأمنية بين إيران وإسرائيل.

ورأى مراقبون أن إدراج الساحة اللبنانية ضمن التفاهمات يعكس إدراكًا دوليًا بأنَّ استقرار لبنان بات جزءًا من أيِّ ترتيبات أوسع للأمن الإقليمي، حتى وإن بقيت الخلافات السياسية حول مستقبل “حزب الله” ودوره قائمة.

دفعت الحرب وما تلاها كثيرًا من دول الخليج إلى إعادة تقييم أولوياتها الأمنية.

فبدل التركيز على بناء تحالفات عسكرية فقط، اتجه الاهتمام بصورة أكبر إلى حماية الممرات البحرية، وتأمين صادرات الطاقة، وتعزيز القدرة على مواجهة الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة.

كما ازدادت أهمية التنسيق بين دول الخليج نفسها، إلى جانب توسيع التعاون مع شركاء إقليميين مثل مصر وتركيا وباكستان، باعتبار أنَّ أمن المنطقة لم يعد مرتبطًا بدولة واحدة أو تحالف واحد، بل بشبكة واسعة من العلاقات الأمنية والسياسية.

وفي هذا الإطار، برزت مبادرات تدعو إلى إنشاء آليات إقليمية للحوار وبناء الثقة، تشمل أمن الملاحة البحرية، وعدم الاعتداء، وتسوية النزاعات بالوسائل الديبلوماسية، مع الاستفادة من تجارب إقليمية مشابهة في مناطق أخرى من العالم.

تكشف التطورات الأخيرة عن وجود رؤيتين مختلفتين لمستقبل الأمن في الشرق الأوسط.

الأولى ترى أنَّ تعزيز التحالفات مع الولايات المتحدة وإسرائيل يشكل عنصرًا أساسيًا في ردع التهديدات الإقليمية، ولا سيما تلك المرتبطة بإيران وحلفائها.

أما الثانية، فتدعو إلى نظام إقليمي أكثر توازنًا يقوم على تنويع الشراكات، والحوار، وتخفيف حدة الاستقطاب، بما يقلل احتمالات تحول المنطقة إلى ساحة مواجهة دائمة بين القوى الكبرى والإقليمية.

ولم تحسم التطورات الأخيرة أيًا من هاتين الرؤيتين بصورة نهائية، لكنها أظهرت أنَّ مستقبل الأمن الخليجي سيظل مرتبطًا بقدرة دول المنطقة على التوفيق بين متطلبات الردع من جهة، والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والسياسي من جهة أخرى.

تكشف التطورات التي شهدتها المنطقة منذ أواخر عام 2023 أن النقاش لم يعد يدور حول مستقبل العلاقات السعودية-الإسرائيلية وحدها، بل حول طبيعة النظام الأمني الذي يمكن أن يحكم الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.

فمن جهة، ترى الولايات المتحدة وإسرائيل أنَّ توسيع دائرة التعاون الإقليمي، بما في ذلك “اتفاقات أبراهام”، يمكن أن يسهم في تعزيز الاستقرار، واحتواء التهديدات المشتركة، وتطوير التعاون الاقتصادي والتكنولوجي بين دول المنطقة.

ومن جهة أخرى، تميل السعودية وعدد من الدول العربية إلى مقاربة مختلفة، تقوم على تنويع الشراكات الإقليمية والدولية، وتجنُّب الانخراط الكامل في أيِّ محور، مع الإبقاء على قنوات الحوار مفتوحة مع مختلف الأطراف، بما في ذلك إيران، كلما كان ذلك ممكنًا.

ولا تعني هذه المقاربة التخلي عن الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، بل تعكس رغبة متزايدة في توسيع هامش القرار الوطني، وتقليل الاعتماد على ترتيبات أمنية قد تتأثر بتغير الإدارات الأميركية أو بالتحولات السريعة في البيئة الإقليمية.

في الوقت نفسه، أظهرت الحرب أنَّ القوة العسكرية، مهما بلغت فاعليتها، لا تكفي وحدها لإنتاج استقرار دائم.

فالعمليات العسكرية قد تغير موازين القوى على الأرض، لكنها لا تلغي الحاجة إلى التفاهمات السياسية، كما إنَّ الاتفاقات الديبلوماسية، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع النجاح إذا افتقرت إلى توازنات أمنية تضمن استمرارها.

ولهذا، يبدو أنَّ المنطقة تتجه نحو مرحلة يصبح فيها المزج بين أدوات الردع والديبلوماسية أكثر أهمية من الاعتماد على أيٍّ منهما بصورة منفردة.

رغم التراجع الواضح في زخم التطبيع خلال العامين الماضيين، لا يبدو أنَّ هذا المسار قد انتهى بصورة نهائية.

فالعلاقات التي أقامتها بعض الدول العربية مع إسرائيل ما زالت قائمة، كما إنَّ المصالح الاقتصادية والأمنية التي نشأت عنها لا تزال فاعلة.

وفي المقابل، فإنَّ المملكة العربية السعودية لم تعلن التخلي عن فكرة التطبيع من حيث المبدَإِ، لكنها أعادت ربطها بمجموعة من الشروط السياسية والإقليمية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، إضافة إلى رؤية أشمل تتعلق بأمن المنطقة واستقرارها.

ومن ثم، قد يكون من الأدق القول إنَّ التطبيع انتقل من كونه مشروعًا يجري التفاوض على تفاصيله إلى ملف أصبح مرتبطًا بإعادة تشكيل النظام الإقليمي بأكمله.

وتشير المعطيات إلى أنَّ دول الخليج تتجه نحو اتباع سياسات أكثر تنوُّعًا في علاقاتها الدولية، تجمع بين استمرار التعاون مع الولايات المتحدة، وتطوير الشراكات مع قوى إقليمية ودولية أخرى، بما ينسجم مع التحوّلات التي يشهدها النظام الدولي.

كما يُتوقع أن يزداد الاهتمام بملفات أمن الطاقة، والممرات البحرية، والصناعات الدفاعية، والأمن السيبراني، وهي قضايا باتت تشكّل جُزءًا أساسيًا من مفهوم الأمن الوطني لدول المنطقة.

وفي الوقت نفسه، ستظل القضية الفلسطينية، والعلاقة مع إيران، ومستقبل الصراع العربي-الإسرائيلي، من بين العوامل الرئيسة التي ستؤثر في أيِّ ترتيبات أمنية جديدة.

أعادت الحرب في غزة، وما تبعها من تطورات إقليمية، رسم كثير من المسلمات التي حكمت الشرق الأوسط خلال العقد الماضي.

فبعد أن بدا أن المنطقة تتجه نحو توسيع دائرة “اتفاقات أبراهام”، فرضت الحرب أولويات جديدة دفعت كثيرًا من الدول إلى إعادة تقييم سياساتها وتحالفاتها.

ولا يزال من المبكر الجزم بالشكل النهائي للنظام الإقليمي الذي سيتبلور في السنوات المقبلة. إلّا أنَّ المؤكد هو أنَّ الشرق الأوسط يشهد مرحلة إعادة ترتيب واسعة، تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والاقتصادية والسياسية، فيما تسعى الدول الرئيسية إلى توسيع خياراتها الاستراتيجية، وتقليل هامش المخاطر في بيئة تتسم بدرجة عالية من عدم اليقين.

ولذلك، فإنَّ مستقبل المنطقة لن يتحدد فقط بمسار العلاقات السعودية-الإسرائيلية أو الإيرانية-الأميركية، بل أيضًا بقدرة دول الشرق الأوسط على بناء منظومة أمنية أكثر استقرارًا، تقوم على التوازن بين الردع والحوار، وتحمي مصالحها في ظلِّ التحوُّلات المتسارعة التي يشهدها العالم.

وهكذا، لم تعد “اتفاقات أبراهام” تمثل وحدها عنوان التحوّلات التي يشهدها الشرق الأوسط، بل أصبحت جُزءًا من نقاشٍ أوسع حول شكل النظام الإقليمي المقبل، وحدود القوة العسكرية، ودور الديبلوماسية، وكيفية تحقيق توازن بين الردع والاستقرار في منطقة ما زالت تعيش واحدة من أكثر مراحلها تقلُّبًا منذ عقود.

  • ميشال مظلوم هو كاتب وصحافي لبناني من أسرة “أسواق العرب”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى