الشَرخُ الأطلسي الكبير: كيف فَجَّرَت غزة وإيران الخلافَ بين أميركا وأوروبا؟

أعادت حرب غزة والمواجهة مع إيران رسم معالم العلاقات عبر الأطلسي، كاشفةً عن انقسامات غير مسبوقة بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين. وبين تباين الرؤى وتضارب المصالح، يواجه التعاون الغربي في الشرق الأوسط اختبارًا قد يكون الأشد منذ عقود.

صورة تجمع الحلفاء… لكنها تعكس مرحلة غير مسبوقة من التباعد الأميركي ـ الأوروبي حول قضايا الشرق الأوسط.

فيليب غوردون*

شهدت العلاقات الأميركية-الأوروبية في الشرق الأوسط على مدى العقود الماضية تبايُناتٍ متكرّرة في الرؤى والمواقف، إلّا أنَّ حجم الانقسام الذي برز خلال الأشهر الخمسة عشر الأخيرة تجاوز بكثير ما عرفه الطرفان في محطاتٍ سابقة. فقد كشفت الخلافات بشأن الحرب في غزة والتعامل مع إيران عن فجوةٍ سياسية عميقة لم تقتصر تداعياتها على تعطيل فرص التنسيق عبر الأطلسي في المنطقة، بل امتدت لتطال أسس الشراكة الاستراتيجية بين الجانبين. وبلغ التوتر مستوى غير مسبوق عندما انتقدت واشنطن إحجام العواصم الأوروبية عن تقديم دعم إضافي للحرب على إيران، ما دفع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى التلويح بإعادة تقييم جدوى استمرار الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي (الناتو). وجاء ذلك في سياق علاقات كانت تُعاني أصلًا من أزماتٍ متراكمة، بدءًا من الرسوم الجمركية الأميركية الأحادية، مرورًا بوقف الدعم الأميركي لأوكرانيا، ووصولًا إلى مساعي الرئيس دونالد ترامب للسيطرة على غرينلاند، فضلًا عن تبنّي واشنطن نهجًا معلنًا يهدف إلى تعزيز المعارضة للمسار الأوروبي القائم، وفق ما ورد في استراتيجية الأمن القومي الأميركية لعام 2026.

في ظلِّ هذه الأجواء المشحونة، تبدو فرص التعاون الأميركي-الأوروبي في الشرق الأوسط محدودة وأكثر تعقيدًا من أيِّ وقتٍ مضى. صحيح أنَّ بعضَ مجالات التنسيق قد يظلُّ قائمًا، مثل تبادل المعلومات الاستخباراتية، والتعاون في مكافحة الإرهاب، وتأمين الملاحة في البحر الأحمر، أو دعم الحكومة السورية الجديدة، إلّا أنَّ الملفات الإقليمية الأكثر حساسية، وفي مقدمتها مستقبل غزة والضفة الغربية والسياسة تجاه إيران، مرشحة لأن تبقى تحت الهيمنة الأميركية مع دورٍ أوروبي هامشي لا يملك تأثيرًا حاسمًا. ومع ذلك، لا تزال أوروبا تمتلك أدوات يمكن أن تُعزّزَ حضورها إذا ما نجحت في توحيد مواقفها وإظهار قدر أكبر من الحزم، مستفيدة من قدرتها على تقديم الاستثمارات والمساعدات الإنسانية وتخفيف العقوبات. ومن الناحية العملية، قد يكون من مصلحة واشنطن الاستفادة من هذا النفوذ الأوروبي للمساهمة في معالجة أزمات معقّدة يصعب إيجاد حلول سريعة لها. غير أنَّ استمرارَ الانقسامات داخل أوروبا، واعتمادها الأمني على الولايات المتحدة، إلى جانب النهج التصادمي لإدارة ترامب، يجعل من الصعب تصوُّر شراكة أطلسية فاعلة في المنطقة قبل وصول إدارة أميركية جديدة أكثر انسجامًا مع الحلفاء الأوروبيين وأكثر استعدادًا للعمل المشترك.

مصالح متشابهة، مناهج مختلفة

ورغم التوترات المتصاعدة في العلاقات عبر الأطلسي، فإنَّ الولايات المتحدة وأوروبا لا تزالان تتقاسمان مجموعة واسعة من المصالح الأساسية في الشرق الأوسط. فكلا الطرفين يسعى إلى منع اندلاع الحروب واحتواء النزاعات، والحد من انتشار الأسلحة النووية، ومكافحة الإرهاب ومسبباته، وضمان أمن الممرات البحرية الحيوية لتدفق الطاقة والتجارة العالمية. كما يتقاطعان في دعم حقوق الإنسان، والحد من موجات اللجوء والهجرة القسرية، وتعزيز الاستقرار الإقليمي من خلال قيام إسرائيل آمنة وديموقراطية تعيش بسلام إلى جانب الفلسطينيين الذين يتطلعون بدورهم إلى الأمن والاستقرار وتقرير المصير. وإلى جانب ذلك، يشترك الجانبان في مصلحة اقتصادية تتمثل في تعزيز التنمية وتهيئة بيئة مواتية للتجارة والاستثمار المتبادل.

غير أنَّ تشابه المصالح لم يكن يومًا كافيًا لضمان الانسجام السياسي الكامل بين ضفتي الأطلسي. فالعلاقات بينهما شهدت محطات خلافية حادة، أبرزها الغزو الأميركي للعراق عام 2003، لكنها عرفت أيضًا مراحل من التنسيق الوثيق أثمرت مبادرات مهمة، من بينها الجهود المشتركة التي قادت إلى إبرام الاتفاق النووي مع إيران عام 2015، فضلًا عن تأسيس التحالف الدولي لمحاربة تنظيم “داعش” عام 2014. إلّا أنَّ المشهد الحالي يبدو أكثر تعقيدًا، إذ تقف ثلاثة عوامل رئيسة عائقًا أمام أيِّ تقارُبٍ فعّال بين الجانبين.

أوَّل هذه العوامل يتمثل في الانحياز الأميركي شبه المطلق لإسرائيل في عهد الرئيس دونالد ترامب. فالإدارة الأميركية تواصل دعم حكومة بنيامين نتنياهو من دون تحفّظات تُذكر، في وقتٍ تتزايد الانتقادات الأوروبية للسياسات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية ولبنان وإيران. صحيح أنَّ قطاعات واسعة داخل الحزب الديموقراطي الأميركي، بل وحتى بعض أوساط الجمهوريين، تتبنّى مواقف أقرب إلى الرؤية الأوروبية في ملفات مثل شروط تزويد إسرائيل بالسلاح، أو الاعتراف بالدولة الفلسطينية، أو فرض عقوبات على المستوطنين اليهود المتورّطين في أعمال العنف، إلّا أنَّ استمرار ترامب في نهجه الحالي يجعل من الصعب تصوُّر أي تنسيق سياسي حقيقي مع أوروبا في هذه القضايا.

أما العامل الثاني فيتعلق بالاختلاف الجوهري في مقاربة الأزمات الإقليمية، ولا سيما الملف الإيراني. فبينما ترى إدارة ترامب أنَّ مزيجَ القوة العسكرية وسياسة “الضغط الأقصى” يشكل الأداة الأكثر فاعلية لفرض السلوك المطلوب على طهران، تميل معظم الدول الأوروبية إلى تفضيل الحلول الديبلوماسية والعمل ضمن أطر القانون الدولي. وقد رافقت هذه الفجوة العلاقات عبر الأطلسي منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي خلال ولاية ترامب الأولى، لكنها اتسعت بصورة غير مسبوقة بعد الهجوم الأميركي ـ الإسرائيلي على إيران في شباط (فبراير) 2026، والذي واجه معارضة أوروبية واسعة. والأهم أنَّ النجاحات التي تعتقد إدارة ترامب أنها حققتها عبر استخدام القوة في إيران خلال صيف 2025 وفي فنزويلا مطلع 2026 عززت قناعتها بأنَّ العمل العسكري يمكن أن يحقق أهداف السياسة الخارجية الأميركية بكلفة أقل مما كان يخشاه الحلفاء الأوروبيون.

أما العامل الثالث والأكثر عمقًا، فهو النظرة السلبية التي تتبناها إدارة ترامب تجاه مشروع التكامل الأوروبي نفسه. فواشنطن لا تخفي معارضتها لفكرة أوروبا أكثر قوة ووحدة واستقلالية، لكنها في الوقت ذاته تتوقع من الدول الأوروبية الاصطفاف خلف القيادة الأميركية العالمية مقابل استمرار المظلة الأمنية الأميركية. صحيح أنَّ الأوروبيين اشتكوا في السابق من تهميش دورهم في بعض ملفات الشرق الأوسط حتى في ظل إدارات أميركية سابقة، إلّا أنَّ تلك الإدارات لم تنظر إلى النفوذ الأوروبي بوصفه مصدر إزعاج أو منافسة كما هو الحال اليوم. ونتيجة لذلك، لم تعد الخلافات مقتصرة على تباين في السياسات أو الأولويات، بل أصبحت تمس الرؤية الاستراتيجية للعلاقة نفسها، وهو ما يجعل فرص التعاون السياسي الفعّال بين الطرفين أكثر محدودية من أي وقت مضى.

تجلّت هذه التباينات بوضوح في الملف الفلسطيني خلال عامي 2025 و2026، حيث تحوّلت الخلافات الأميركية ـ الأوروبية من تباينات في المقاربة إلى انقسامٍ سياسي متزايد الاتساع. ففي عهد الرئيس جو بايدن، ورُغم بروز مواقف أوروبية أكثر انتقادًا للسياسات الإسرائيلية، بقيت الخلافات ضمن حدود يمكن احتواؤها. فقد دعت دول مثل فرنسا وبلجيكا وإسبانيا وإيرلندا إلى وقف إطلاق نار أحادي الجانب وغير مشروط، بينما بادرت إسبانيا وإيرلندا والنروج وسلوفينيا إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية منذ عام 2024، في خطوة عارضتها واشنطن لكنها لم تؤدِّ إلى أزمة سياسية كبرى بين الجانبين.

غير أنَّ المشهد تبدّل بصورة ملحوظة مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. فبعد انهيار وقف إطلاق النار الذي أُعلن في كانون الثاني (يناير) 2025، وفرض إسرائيل حصارًا شاملًا على قطاع غزة استمر أكثر من شهرين خلال ربيع العام نفسه، وما نتج عنه من تفاقم حاد في الأزمة الإنسانية ووصول القطاع إلى حافة المجاعة، اتسعت الهوة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين بشكل غير مسبوق. وبحلول نهاية عام 2025، كانت معظم الدول الأوروبية قد تبنت موقفًا داعيًا إلى وقف إطلاق نار غير مشروط، كما ارتفع عدد الدول المعترفة بالدولة الفلسطينية إلى مستوى غير مسبوق داخل القارة. في المقابل، اعتبرت إدارة ترامب هذه الخطوات تقويضًا للجهود الأميركية، ووصف وزير الخارجية ماركو روبيو موجة الاعترافات الأوروبية بأنها خطوة “مُضِرّة” تمنح حركة “حماس” مكاسب سياسية ودعائية وتسيء إلى ذكرى ضحايا هجمات السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023.

وازداد التباعد مع تأييد غالبية الدول الأوروبية للتحقيقات التي تجريها المحكمة الجنائية الدولية بشأن السلوك الإسرائيلي في الحرب، في وقتٍ رفضت واشنطن هذه المساعي بشكل قاطع، ولوّحت بفرض عقوبات على الأفراد أو الجهات التي تتعاون مع المحكمة. كما تعمّقت الخلافات أكثر عندما أعلن ترامب، بصورةٍ أحادية ومن دون تنسيق مسبق مع الحلفاء الأوروبيين، تأسيس “مجلس السلام” الخاص بغزة مطلع عام 2026. ولم يلقَ المشروع سوى دعم محدود من عدد قليل من الدول الأوروبية، فيما امتنعت قوى أوروبية رئيسية، من بينها بريطانيا وفرنسا وألمانيا، عن الانضمام إليه، في مؤشر واضح إلى تراجع الثقة المتبادلة بين الطرفين.

أما في الملف الإيراني، فقد بدت القطيعة السياسية أكثر وضوحًا. فبعد أن كانت أوروبا شريكًا أساسيًا في التفاوض على الاتفاق النووي وصياغته وتنفيذه خلال العقد الماضي، وجدت نفسها هذه المرة خارج دائرة صنع القرار بصورة شبه كاملة. فقد جرى تهميش العواصم الأوروبية في المفاوضات المتعلقة بإيران، ولم تُستشر لا في الضربات التي استهدفت البرنامج النووي الإيراني في تموز (يوليو) 2025، ولا في الحملة العسكرية التي أطلقتها إدارة ترامب ضد إيران في شباط (فبراير) 2026. وبذلك انتقل الملف الإيراني من كونه أحد أبرز نماذج التعاون عبر الأطلسي إلى ساحة جديدة للخلاف والتباعد.

وقد بلغت التوترات ذروتها عندما فرض بعض الحكومات الأوروبية قيودًا محدودة على استخدام الولايات المتحدة لقواعد عسكرية تقع على أراضيها في تنفيذ العمليات الجوية، كما رفضت جميع الدول الأوروبية الانخراط في أي عملية عسكرية تهدف إلى فتح مضيق هرمز بالقوة. وردّت إدارة ترامب بلهجة حادة، إذ اتهم الرئيس الأميركي حلفاءه الأوروبيين بالجبن والتردد، ولوّح مجددًا بإعادة النظر في التزام الولايات المتحدة بحلف شمال الأطلسي.

وفي ظلِّ استبعادهم من عملية اتخاذ القرار، ومع تصاعد المعارضة الشعبية للحرب داخل بلدانهم بسبب تداعياتها الاقتصادية وارتفاع أسعار الطاقة، تمسّكَ القادة الأوروبيون بمواقفهم الرافضة للتصعيد. فقد أكد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أنَّ بلاده لن تسمح بأن تُدفَع إلى حرب لا تخدم مصالحها، بينما شكك المستشار الألماني فريدريش ميرز في وجود استراتيجية أميركية واضحة وقابلة للاستمرار. أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فذهب أبعد من ذلك، منتقدًا ما وصفه بتقلبات القيادة الأميركية، ومجدِّدًا دعوته إلى تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية وتقليص الاعتماد على واشنطن. وبذلك دخلت العلاقات عبر الأطلسي في الشرق الأوسط مرحلة من التوتر غير المسبوق، اعتبرها كثير من المراقبين أخطر أزمة بين الجانبين منذ حرب العراق عام 2003، وربما منذ أزمة السويس عام 1956.

نظرة مستقبلية

في ضوء هذه المعطيات، تبدو فرص استعادة التعاون الأميركي ـ الأوروبي الفعّال في الشرق الأوسط محدودة ما دامت إدارة ترامب تتولى السلطة في واشنطن. فإلى جانب الخلافات السياسية المتزايدة، تواجه أوروبا مجموعة من التحديات التي تستنزف قدراتها ومواردها، بدءًا من الانقسامات الداخلية بين دول الاتحاد، مرورًا بالضغوط الاقتصادية والأمنية المتنامية، وصولًا إلى الحاجة المتزايدة لدعم أوكرانيا في مواجهة روسيا في ظل تراجع الالتزام الأميركي. وفي مثل هذا السياق، يصعب تصوُّر استعداد أوروبي لتخصيص موارد سياسية أو مالية كبيرة لتعزيز النفوذ في الشرق الأوسط، خصوصًا في ظل استمرار الاعتماد الأوروبي على المظلة الأمنية الأميركية.

غير أنَّ محدودية الدور الأوروبي لا تعني غياب أدوات التأثير بالكامل. ففي القضية الفلسطينية، لا تزال أوروبا تمتلك أوراقًا يمكن أن تمنحها قدرًا من النفوذ إذا نجحت في تجاوز تبايناتها الداخلية وصياغة موقف موحد. ويأتي في مقدمة هذه الأدوات الدعم الإنساني الذي تعتمد عليه قطاعات واسعة من الفلسطينيين، فضلًا عن القدرة على المساهمة في تدريب أو دعم أي قوة دولية قد تُكلّف بحفظ الأمن في غزة مستقبلًا. كما يمتلك الاتحاد الأوروبي أدوات ضغط سياسية واقتصادية، من بينها فرض عقوبات على المستوطنين المتورطين في أعمال العنف، أو إعادة النظر في بعض جوانب علاقاته الاقتصادية مع إسرائيل. وتكتسب هذه الأوراق أهمية خاصة في ضوء اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، التي تنظم حجمًا كبيرًا من المبادلات التجارية بين الطرفين (حوالي 42 مليار يورو)، ما يمنح بروكسل هامشًا لا يستهان به للتأثير إذا ما قررت استخدامه بصورة أكثر حزمًا.

أما في الملف الإيراني، فرغم سعي إدارة ترامب إلى احتكار عملية التفاوض واتخاذ القرار، فإنَّ أيَّ تسوية طويلة الأمد مع طهران تبدو صعبة التحقيق من دون مشاركة أوروبية فاعلة. فالقارة الأوروبية تمتلك مجموعة من الأدوات التي تجعل حضورها ضروريًا في أيِّ ترتيبات مستقبلية، سواء من خلال المساهمة في تخفيف العقوبات الاقتصادية، أو توفير الاستثمارات المطلوبة لإعادة دمج إيران في الاقتصاد العالمي، أو المشاركة في تأمين الملاحة البحرية في الخليج ومضيق هرمز. كما يمكن للدول الأوروبية أن تؤدي دورًا مهمًا في مراقبة تنفيذ أي اتفاق نووي جديد، أو تقديم الخبرات التقنية والعلمية اللازمة للتعامل مع مخزونات اليورانيوم المخصب، فضلًا عن توفير الدعم اللوجستي والعسكري إذا استدعت الظروف ذلك.

ومن هذا المنطلق، قد يكون الرهان الأوروبي على استرضاء إدارة ترامب أو تجنُّب الصدام معها استراتيجية محدودة الجدوى. فالتجارب الأخيرة أظهرت أنَّ واشنطن تميل إلى أخذ المصالح الأوروبية في الاعتبار عندما تتحدث أوروبا بصوتٍ واحد وتُظهر استعدادًا للدفاع عن مواقفها. ولعلَّ المواجهة السياسية التي خاضتها العواصم الأوروبية بشأن قضية غرينلاند قدمت مثالًا واضحًا على ذلك، إذ دفعت وحدة الموقف الأوروبي الإدارة الأميركية إلى إعادة حساباتها. وبناءً عليه، قد يكون الطريق الأكثر فاعلية أمام أوروبا لتعزيز دورها في الشرق الأوسط هو استخدام أدوات نفوذها بصورة أكثر استقلالية وثقة، بدل الاكتفاء بمجاراة السياسات الأميركية أملًا في كسب رضا البيت الأبيض. فكلما ازدادت قدرة أوروبا على التحرك باعتبارها فاعلًا مستقلًا، ازدادت فرصها في فرض مصالحها وحجز مكان لها في صياغة ترتيبات المنطقة المستقبلية.

في نهاية المطاف، قد يكون من مصلحة إدارة ترامب أن تعيد النظر في مقاربتها للعلاقة مع أوروبا في الشرق الأوسط، وأن تدرك أنَّ الحلفاء الأوروبيين لا يمثلون عبئًا سياسيًا بقدر ما يشكلون مصدرًا إضافيًا للنفوذ والقدرات. فالمسألة لا تتعلق بمنح أوروبا دورًا رمزيًا في ملفات المنطقة، بل بالاستفادة من الأدوات السياسية والاقتصادية والديبلوماسية التي تمتلكها للمساعدة في معالجة أزمات باتت تثبت يومًا بعد يوم أنَّ المقاربات الأحادية عاجزة عن تقديم حلول مستدامة لها. فكلٌّ من غزة وإيران يقدّمان مثالين واضحين على حدود النهج القائم؛ إذ تحوّلت القضيتان إلى أزمتين مكلفتين سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا، ما يجعل الحاجة إلى مراجعة الاستراتيجية الحالية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

صحيح أنَّ حدوث تحوُّل جوهري في المدى المنظور لا يبدو مرجحًا، إلّا أنَّ التجربة التاريخية تشير إلى أنَّ الإخفاقات المتراكمة كثيرًا ما تدفع صانعي القرار إلى البحث عن بدائل جديدة. وإذا ما توصّلت واشنطن في مرحلةٍ ما إلى قناعة بأنَّ إدارة أزمات الشرق الأوسط تتطلّب دعمًا أوسع من الحلفاء والشركاء، فقد تجد في أوروبا شريكًا قادرًا على توفير ما تفتقر إليه السياسة الأميركية الحالية من أدوات ووسائل تأثير. وعندما تحين تلك اللحظة، سيكون من مصلحة أوروبا أن تكونَ مستعدة للانخراط بفاعلية، لأنَّ التعاون المتأخر، مهما كانت حدوده، يبقى أكثر جدوى من استمرار حالة القطيعة السياسية والتباعد الاستراتيجي التي تطبع العلاقة اليوم.

إلى أن تتوافر ظروف أكثر ملاءمة، يبدو أنَّ الخيار الأكثر واقعية أمام أوروبا يتمثل في الحفاظ على قدر من الصبر الاستراتيجي، مع مواصلة استخدام ما تملكه من أدوات نفوذ للدفاع عن مصالحها وحماية موقعها في قضايا المنطقة. فالعلاقات عبر الأطلسي لم تكن يومًا خطًا مستقيمًا؛ إذ تعاقبت عليها مراحل من التنسيق الوثيق وأخرى من الخلافات الحادة والأزمات العميقة. ومع ذلك، كانت المصالح المشتركة في كل مرة تشكّل الأساس الذي يسمح بإعادة بناء الجسور واستعادة الثقة.

ورغم حجم التوترات الراهنة، لا تزال الولايات المتحدة وأوروبا تتقاسمان رؤية عامة متقاربة تجاه العديد من التحديات الأساسية في الشرق الأوسط. ولذلك، فإنَّ التراجع الحالي في مستوى التعاون لا ينبغي النظر إليه باعتباره قطيعة دائمة، بل كمرحلة جديدة من إعادة تعريف الأدوار وتوازنات النفوذ داخل الشراكة الأطلسية. وإذا ما نجح الطرفان في تجاوز الخلافات الآنية واستعادة الحد الأدنى من الثقة المتبادلة، فقد يصبح من الممكن إحياء تعاون أكثر فاعلية وقدرة على التعامل مع أزمات المنطقة في السنوات المقبلة.

  • فيليب غوردون هو باحث “سيدني شتاين جونيور” في مركز ستروب تالبوت للأمن والاستراتيجية والتكنولوجيا التابع لبرنامج السياسة الخارجية في معهد بروكينغز. وتغطي أبحاثه نطاقًا واسعًا من قضايا السياسة الخارجية والأمن القومي الأميركي، بما في ذلك دور القوة الأميركية وتحالفاتها في أوروبا والشرق الأوسط ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ.
  • كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى