حين كان الأدب يصنع العرب: خليل مطران في مرايا عصر النهضة

في كتابه “خليل مطران في مراياهم” (194 صفحة)، الصادر إلكترونيًا عن “أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني” التابعة للجامعة اللبنانية الأميركية، قبل طرح نسخته الورقية المرتقبة في تموز (يوليو) المقبل، يستعيد هيام جورج ملّاط لحظة ثقافية عربية نادرة اجتمع فيها جبران خليل جبران وأحمد شوقي وأمين الريحاني ومي زيادة حول شاعرٍ واحد. عملٌ توثيقي غني يعيد فتح أرشيف النهضة العربية، ويضيء على زمنٍ كان الأدب فيه يصنع المجال الثقافي العربي المشترك.

هيام جورج ملاط.

ميشال مظلوم*

في كتابه “خليل مطران في مراياهم”، لا يقدّم هيام جورج ملّاط مجرد عمل توثيقي عن احتفال أدبي أُقيم في القاهرة عام 1913 تكريمًا للشاعر خليل مطران، بل يستعيد، عبر هذا الحدث، مرحلة كاملة من التاريخ الثقافي العربي كانت فيها النهضة الأدبية مشروعًا حضاريًا متكاملًا، وكانت الصحافة والأدب والشعر تشكّل فضاءً عربيًا عابرًا للجغرافيا والهويات الضيقة. فالكتاب، الصادر عن “أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني” في الجامعة اللبنانية الأميركية، يبدو أقرب إلى إعادة بناء مشهد ثقافي بكامله، أكثر من كونه سيرة جٌزئية أو أرشيفًا احتفاليًا عن “شاعر القُطرَين”.

تكمن فرادة هذا العمل في أنه ينطلق من مناسبة تبدو، للوهلة الأولى، بروتوكولية أو رمزية: احتفال تكريم شاعر كبير نال “الوسام المجيدي الثالث” من خديوي مصر عباس حلمي الثاني. غير أنَّ المؤلف ينجح في تحويل هذه المناسبة إلى مدخلٍ لفهم طبيعة الحياة الثقافية العربية في مطلع القرن العشرين، وكيف كانت القاهرة آنذاك مركزًا جاذبًا للنخب الفكرية العربية، وملتقى للأدباء والشعراء والصحافيين اللبنانيين والمصريين والسوريين، في زمنٍ كانت النهضة العربية لا تزال تحمل وعودها الكبرى.

ومن خلال المواد التي جمعها من “مجلة سركيس”، يفتح ملّاط نافذة واسعة على شبكة العلاقات الفكرية والأدبية التي ربطت بين رموز عصر النهضة. فجبران خليل جبران يرسل كلمته من نيويورك، وأمين الريحاني يكتب من الفريكة، ومي زيادة تلقي كلمة جبران في القاهرة، فيما يتناوب أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وشبلي ملّاط وشكيب أرسلان على الاحتفاء بمطران شعرًا ونثرًا. هذه الأصوات المختلفة لا تظهر هنا بوصفها شهادات منفصلة، بل باعتبارها جُزءًا من “جمهورية أدبية” عربية كانت تتشكّل عبر الصحافة والمراسلات والصالونات الثقافية، قبل أن تمزّقها لاحقًا الانقسامات السياسية والإيديولوجية.

وفي هذا السياق، تتجاوز أهمية الكتاب شخصية خليل مطران نفسه. صحيح أنَّ مطران يحتل مركز المشهد، بوصفه “شاعر القطرين” وأحد أبرز المُجدِّدين في الشعر العربي الحديث، لكن الكتاب يقدّم، بصورة غير مباشرة، صورة بانورامية عن النخبة الثقافية العربية في تلك الحقبة: كيف كانت تفكر، وكيف كانت تتخاطب، وكيف كانت ترى دور الأدب في صياغة الهوية العربية الحديثة. ولهذا السبب تحديدًا، يمكن قراءة الكتاب بوصفه وثيقة عن “ثقافة النهضة” بقدر ما هو وثيقة عن خليل مطران.

واحدة من أبرز نقاط قوة الكتاب هي وفاؤه للأرشيف. فالمؤلف لا يكتفي بإعادة سرد الحدث، بل يعيد نشر نصوص كاملة من الكلمات والقصائد والمراسلات، مع صور وأغلفة وصفحات أصلية من “مجلة سركيس”، ما يمنح القارئ شعورًا بأنه يعايش اللحظة الثقافية نفسها. هذا البُعد الوثائقي يمنح الكتاب قيمة بحثية حقيقية، خصوصًا للمهتمين بتاريخ الصحافة العربية أو بدايات التحديث الأدبي.

لكن هذا الوفاء للأرشيف هو أيضًا أحد مواطن التباس الكتاب. فملّاط يبدو أحيانًا أقرب إلى “القَيِّم على ذاكرةٍ أدبية” منه إلى الباحث النقدي الذي يفكك هذه الذاكرة ويعيد مساءلتها. إذ يغلب على العمل طابع احتفائي واضح، سواء في اللغة أو في طريقة تقديم الشخصيات. فخليل مطران يظهر بوصفه رمزًا شبه إجماعي للنهضة، فيما تُقدَّم الشخصيات المحيطة به ضمن هالة من التبجيل الثقافي. وحتى حين يضيء المؤلف على شخصيات مثل سليم سركيس أو شبلي ملّاط أو مي زيادة، فإنه يفعل ذلك من زاوية الإشادة بدورهم التاريخي، أكثر مما يحاول تحليل تناقضاتهم أو حدود مشروعهم الفكري.

هذا الطابع الاحتفائي مفهوم إلى حد بعيد، لأنَّ الكتاب نفسه ينطلق من رغبة معلنة في “إنقاذ الذاكرة الجماعية” والحفاظ على التراث الثقافي العربي من الضياع. وقد يصرّح المؤلف بذلك بوضوح في مقدمته حين يعتبر أنَّ الكتاب محاولة لإحياء صفحة “مشرقة” من تاريخنا الثقافي والأدبي. غير أنَّ هذا الحنين القوي إلى زمن النهضة يجعل الكتاب أحيانًا أسير رؤية رومانسية للماضي، كأن تلك المرحلة كانت زمنًا ذهبيًا خاليًا من التناقضات السياسية والاجتماعية والفكرية.

فالقارئ لا يجد، مثلًا، نقاشًا مُعمَّقًا للتوترات التي كانت تحكم علاقة أدباء النهضة بالسلطة العثمانية، أو للاستقطابات الفكرية بين دعاة القومية العربية والليبرالية والإصلاح الديني. كما إنَّ صورة القاهرة الثقافية تُقدََّم بوصفها فضاءً عربيًا منفتحًا، من دون التوقف كثيرًا عند البنية الاجتماعية والسياسية التي كانت تجعل هذا الفضاء ممكنًا، أو عند هشاشته التاريخية. وحتى شخصية خليل مطران نفسها لا تخضع لقراءة نقدية كافية من زاوية مشروعه الشعري أو تحوّلاته الفكرية، بل تبقى محاطة بصورة “الشاعر الكبير” التي كرّسها معاصروه.

ومع ذلك، فإنَّ هذه الملاحظات لا تنتقص فعليًا من القيمة الأساسية للكتاب، لأنَّ هدفه ليس إنتاج دراسة نقدية أكاديمية بالمعنى الصارم، بل إعادة تركيب ذاكرة ثقافية مهددة بالنسيان. وهنا ينجح ملّاط بامتياز. فالكتاب يُعيدُ الحياة إلى عالم كامل من المجلات الأدبية والرسائل والمراسلات والاحتفالات الثقافية، ويذكّر القارئ بأنَّ الأدب العربي الحديث لم يولد فقط من النصوص، بل أيضًا من العلاقات والشبكات الثقافية العابرة للحدود.

كما يكتسب الكتاب أهمية إضافية لأنه يعيد الاعتبار إلى دور الصحافة الثقافية العربية في صناعة النهضة. فـ”مجلة سركيس” التي يدور الكتاب حولها لم تكن مجرد مطبوعة أدبية، بل منصّة جمعت أدباء المشرق والمهاجر في فضاء فكري واحد. ومن خلال السرد الذي يقدمه المؤلف عن سليم سركيس ومسيرته بين بيروت وباريس ولندن والقاهرة، نفهم كيف لعبت الصحافة العربية المبكرة دورًا سياسيًا وثقافيًا يتجاوز النشر الأدبي التقليدي.

ويبرز هنا أحد أجمل أبعاد الكتاب: إضاءته على فكرة “العروبة الثقافية” قبل أن تتحوّلَ إلى إيديولوجيا سياسية صلبة. ففي النصوص التي يجمعها، تبدو الروابط بين أدباء لبنان ومصر وسوريا والمهجر طبيعية وتلقائية، قائمة على اللغة والأدب والمراسلات والاهتمام المشترك بالحداثة الثقافية. وهذه الروح تحديدًا هي ما يمنح الكتاب بُعدًا وجدانيًا يتجاوز قيمته التوثيقية.

ومن اللافت أيضًا أنَّ الكتاب يُعيدُ الاعتبار إلى شخصيات غالبًا ما تُهمََّش في السرديات الأدبية التقليدية. فإلى جانب خليل مطران، يبرز دور مي زيادة ليس فقط بوصفها “ملهمة أدبية”، بل أيضًا باعتبارها فاعلة ثقافية ومحررة وكاتبة. كما يسلط الضوء على شخصيات مثل شبلي ملّاط وسليم سركيس، اللذين لعبا دورًا محوريًا في الحياة الثقافية العربية، رُغمَ أنهما لا يحظيان اليوم بالحضور نفسه الذي يحظى به جبران أو شوقي.

في النهاية، يقدّم “خليل مطران في مراياهم” أكثر من مجرّد استعادة لأمسٍ ثقافي بعيد؛ إنه تذكيرٌ بزمن كانت فيه الثقافة العربية قادرة على إنتاج فضاء مشترك، وكانت الصحافة والأدب والشعر أدوات لصياغة هوية فكرية عربية حديثة. وربما تكمن القيمة الأعمق للكتاب في هذا التحديد: أنه لا يستعيد الماضي من باب الحنين فقط، بل من باب التذكير بما خسرته الثقافة العربية المعاصرة من قدرتها على بناء المجال العام الثقافي العابر للحدود.

إنه كتابٌ عن خليل مطران، نعم، لكنه أيضًا كتابٌ عن فكرة النهضة نفسها: كيف وُلدت، وكيف ازدهرت، وكيف تحولت اليوم إلى ذاكرة تحتاج بدورها إلى من يُنقذها من النسيان.

  • ميشال مظلوم هو صحافي لبناني من أسرة “أسواق العرب”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى