بيكاسو… بيكاسو… ما هو سرُّك؟ (5 من 7)

كتاب جرترود شتاين عن بيكاسو

هنري زغيب*

جمهورُ الفن التشكيلي قسمان حيال بيكاسو (1881-1973): قسمٌ يُحبّ في فنِّه تعدُّدَ الأَنواع وغناها، والقسم الآخر يَجده شَوَّهَ الوُجوه والأَجساد بأَشكاله الغريبة الصادمة. سوى أَنه، بين المعجبين والمنتقدين، ما زال يسير شُهرةً في الزمان، حاضرًا بثباتٍ من جيلٍ إِلى جيل.

في الحلقات الأَربع السابقة من هذه السُباعية، مهَّدتُ بنبْذةٍ عن نشأَة بيكاسو ومطالعه، ومجيئه من إِسبانيا إِلى باريس التي غيَّرَت في نهجه وأُسلوبه وكان لها تأْثير عليه، كتأْثير المسرح والموسيقى على مسيرته، وسردتُ علاقاته الشخصية الخاصة مع 7 نساء.

في هذه الحلقة أَكشف تأْثيرات أُخرى في حياته المهنية.

دانيال كانوايلر وبيكاسو

جرترود شتاين (1874-1946)

سنة 1903 وصلت إِلى باريس الكاتبة الأَميركية جرترود شتاين ومعها شقيقها ليو (1872-1947). وبدأَت سريعًا تطلب لوحات لعرضها، من الرسامين الطليعيين فترتئذٍ: بول سيزان، بيار أُوغست رينوار، بيكاسو، وهنري ماتيس. وكانت تعقد مساءَ كل سبت صالونًا فنيًّا بحضور عدد من أُولئك الطليعيين، ومعهم مجموعة أُخرى بينهم أَبولينير وجورج بْراك وماري لورانسين وإِرنست همنغواي وسكوت فيتزجيرالد. ومع الوقت أَصبحت صديقة مقرَّبة من بيكاسو، حتى أَنها راحت تكرِّر أَن قصائدها تؤَاخي لوحات بيكاسو التكعيبية. وبالفعل، وضع بيكاسو لوحةً لجرترود سنة 1905 كانت من أَروع الأَعمال التكعيبية في تلك الفترة، لِما كان لأَجوائها الفنية من تأْثير عليه.

هنري ماتيس (1869-1954)

منذ الْتقاه بيكاسو سنة 1906، تصادقا، وكان كلٌّ منهما معجبًا بنبوغ الآخر. مع أَنهما، كما قال ماتيس لجرترود يومًا في صالونها، “نحن مختلفان كاختلاف القطب الشمالي عن القطب الجنوبي”.  وفعلًا، كانا دائمًا يهتمَّان بأَعمالهما تبادُلًا وإِعجابًا. وكانا متنافسَين بقدْرما كانا صديقَين. حتى أَن ماتيس صرَّح يومًا: “لا أَقبل نقدًا لأعمالي إِلَّا من شخص واحد هو بيكاسو”. وكانت وفاة ماتيس سنة 1954 صدمة عميقة لبيكاسو، شعر بعدها بالوحدة والعزلة لفترة طويلة.

كريستيان زيرفوس وبيكاسو

جورج بْراك (1882-1963)

لم يطل الأَمر بهذا الرسام الفرنسي الذي زار بيكاسو في محترفه سنة 1906، حتى أَصبحا صديقَيْن متلازمَين، متعاونَيْن، وأَحيانًا متنافسَيْن. مع ذلك شكَّلا في السنوات التالية ظاهرةً جديدة جريئة اقتحمَت الوسط الفني، هي التكعيبية الوليدة الحديثة العهد فترتئذٍ. ومما قاله بْراك يومًا عن بيكاسو: “ما تبادلْنا معًا من أَحاديث وأَفكار طيلة سنوات، لن تتكرَّر اليوم، وإِذا تكررت فلن يفهمها أَحد”. وأَضاف: “كنا كما لو اننا مربوطان معًا في جبل بعيد”. وبالفعل، كانت أَعمالهما متلازَّة شكلًا ومضمونًا، لِما كانا عليه من زمالة متحدة.

دانيال هنري كانْوِيلِر (1884-1979)

كان هذا الأَلماني هاوي لوحات ووسيطًا لبيع وتسويق الأَعمال الفنية في مؤَسسة أَنشأَها لهذه الغاية. يوم زار بيكاسو في محترفه (مونمارتر) لفَتَتْهُ لوحة “آنسات أَفينيون” (1907) وكان بيكاسو لم ينته من رسمها بعد. صعقَه ما وجد في أُسلوب بيكاسو من جديدٍ غير مأْلوف في الوسط الفني الفرنسي. كانت التكعيبية تولد بضجيج وصخب وبسْط حضور. في العام التالي (1908) وقَّع مع بيكاسو عقدًا حصريًّا لتسويق أَعماله. وكان هذا العقْد مع بيكاسو مشجِّعًا وفاتحةَ عقود حصرية تالية مع رسامي تلك الحقبة، ومنهم: بْراك، وخوان غريس، وفرنان ليجيه. كما كانت تلك العقود مع كانوايلر فاتحة اتساع التكعيبية بفضله التسويقي إِلى مستوى دولي.

كريستيان زيرفوس (1889-1970)

كان ناقدًا يوناني الأَصل. ويتجلَّى حضوره في تلك الفترة ضروريًّا لفهم أَعمال بيكاسو بشكل أَعمق. فهو في الثلاثينات من القرن الماضي أَخذ يفهرس أَعمال بيكاسو، واستمر بهذا الاختصاص طوال حياته. كانت ثمرة ذلك سلسلة كتب بعنوان: “بيكاسو كما يراه كريستيان زيرفوس”. وهو فهرس نحو 16،000 لوحة ورسم هي مجموع أَعمال بيكاسو الكاملة. واليوم، هذا الفهرس هو أَفضل مرجع أَساسي عن أَعمال بيكاسو في متناول الدارسين والأَكاديميين والنقاد.

  • هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
  • يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار العربي” (بيروت – دبي)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى