زيت الأركان… كيف تحوَّلَ “ذهب المغرب السائل” إلى معركةٍ على المناخ والنساء والأرباح؟

بين غابات الجنوب المغربي ورفوف متاجر التجميل الفاخرة عالميًا، تحوّل زيت الأركان من رمزٍ للتنمية المحلية إلى صناعة دولية تُدرّ ملايين الدولارات. لكن خلف صورة “الذهب السائل”، تتكشّف أزمة معقّدة من الجفاف والاستغلال وهيمنة الشركات الكبرى على ثروةٍ تُنتجها النساء وتربح منها الأسواق العالمية.

إعلان لشركة “لوريال” الفرنسية عن الزيت العجيب المستخرج من الأركان.

سمير الحلو*

بين امرأة أمازيغية تجلس لساعات طويلة في قرية شبه جافة جنوب المغرب لتكسير نوى الأركان يدويًا، وعبوة فاخرة تُباع في باريس أو لندن أو نيويورك بعشرات الدولارات، تختصر صناعة زيت الأركان واحدة من أكثر مفارقات الاقتصاد العالمي قسوة. فالمُنتَجُ الذي يُسوَّق عالميًا بوصفه رمزًا للجمال الطبيعي والتنمية المستدامة وتمكين النساء، يكشف عند الاقتراب منه عن قطاعٍ يرزح تحت ضغوط الجفاف والمضاربة والاستغلال وعدم العدالة في توزيع الأرباح.

خلال العقدين الماضيين، تحوّل زيت الأركان من منتج محلي تقليدي يُستخدم أساسًا في الطبخ والعناية بالبشرة داخل المغرب، إلى صناعة عالمية ضخمة تُقدَّر بمئات ملايين الدولارات، مدفوعةً بشهية شركات التجميل العالمية لكلِّ ما هو “طبيعي” و”عضوي” و”أصيل”. غير أنَّ هذا النجاح التجاري السريع غيّر طبيعة القطاع بالكامل، وخلق توترًا متزايدًا بين منطق التنمية المحلية ومنطق السوق العالمية.

وتنمو شجرة الأركان (Argania spinosa) أساسًا في جنوب غرب المغرب، ضمن نظام بيئي فريد يمتدُّ بين سوس والصويرة وأكادير، مع وجود محدود جدًا في غرب الجزائر. وتؤدي هذه الشجرة دورًا بيئيًا بالغ الأهمية في مقاومة التصحُّر وتثبيت التربة والحفاظ على التوازن الزراعي في مناطق شديدة الهشاشة مناخيًا. وقد منحتها منظمة اليونسكو مكانة خاصة بإدراج “المعارف والمهارات المرتبطة بالأركان” ضمن التراث الثقافي غير المادي للإنسانية. كما صُنِّف مجال الأركان الحيوي كمحمية بيئية عالمية (ich.unesco.org).

لكن القيمة الحقيقية للأركان لم تعد بيئية فقط، بل أصبحت اقتصادية واستراتيجية أيضًا. فزيتُ الأركان يُعَدُّ من أغلى الزيوت النباتية في العالم، بسبب تركيبته الغنية بالأحماض الدهنية غير المشبعة والغني بمركبات مضادة للأكسدة، أبرزها فيتامين “E”. وقد ساهمت دراسات علمية متزايدة في تعزيز صورته كمنتج صحي وتجميلـي عالي القيمة، إذ تشير أبحاث حديثة إلى إمكان مساهمته في تقليل الالتهابات وتحسين صحة الجلد والميكروبيوم المعوي بفضل خصائصه البيولوجية النشطة.

هذه الشهرة العالمية خلقت طلبًا هائلًا على الزيت، لكن العوائد لم تُوزَّع بالتساوي على طول سلسلة الإنتاج. فبينما تحقق شركات التجميل العالمية أرباحًا ضخمة من المنتجات التي تحتوي على زيت الأركان، لا تزال النساء اللواتي يقمن بالعمل اليدوي الأكثر قسوة يحصلن على عوائد محدودة للغاية.

من التعاونيات النسائية إلى هيمنة الشركات

لسنوات طويلة، شكّلت التعاونيات النسائية المغربية واجهة مشرقة لصناعة الأركان. فقد قُدِّمت هذه التعاونيات بوصفها نموذجًا للتنمية القروية وتمكين النساء والحفاظ على التراث المحلي. وكانت الصورة التسويقية العالمية للزيت تقوم أساسًا على هذه الرواية: نساء قرويات يعملن جماعيًا لإنتاج منتج طبيعي يعود ريعه إلى المجتمع المحلي.

غير أنَّ واقع السوق تغيّر تدريجًا مع دخول الشركات الخاصة والمصدرين الكبار إلى القطاع. وتشير المعطيات الواردة في تقارير عدة إلى أنَّ التعاونيات كانت تستحوذ على نحو 80% من السوق عام 2008، قبل أن تتراجع حصتها بصورة كبيرة لمصلحة شركات التصدير والتجميل الخاصة.

ومع ارتفاع أسعار الثمار وتزايد الطلب العالمي، أصبحت كثير من التعاونيات عاجزة عن شراء المادة الخام أو تخزينها، بسبب ضعف التمويل وغياب القدرة التنافسية أمام الشركات الأكبر. وبدل أن تكون التعاونيات طرفًا فاعلًا في السوق، تحوّل بعضها إلى مجرد مزوّد بخدمات التكسير اليدوي لصالح شركات تملك رأس المال والتصدير والعلاقات التجارية الدولية.

وفي قلب هذه الأزمة تقف النساء العاملات أنفسهن. فالعمل في تكسير نوى الأركان يدويًا مرهق وبطيء للغاية، وقد يستغرق استخراج كيلوغرام واحد من لوز الأركان ساعات طويلة من العمل المتواصل. ومع ذلك، فإنَّ كثيرًا من العاملات لا يحصلن على أجور ثابتة أو حماية اجتماعية أو تأمين صحي، لأنهن لا يُعامَلن كعاملات بأجر مباشر بل كعضوات في تعاونيات أو عاملات موسميات.

وتشير التحقيقات الميدانية إلى أنَّ بعض النساء يتقاضين ما بين 25 و50 درهمًا فقط مقابل يوم عمل طويل، في وقتٍ تُباع منتجات زيت الأركان النهائية في الأسواق العالمية بأسعار مرتفعة للغاية.

الأخطر أنَّ جُزءًا متزايدًا من العمل انتقل إلى المنازل. ففي كثير من القرى، بات وسطاء ينقلون أكياس الثمار إلى النساء داخل بيوتهن ليقمن بالتكسير مقابل مبالغ زهيدة، بعيدًا من أي رقابة قانونية أو تنظيم رسمي. وهذا النموذج خفّض كلفة الإنتاج على الشركات، لكنه عمّق هشاشة النساء العاملات وحوّل “التجارة العادلة” إلى شعار تسويقي أكثر منها واقعًا اقتصاديًا.

الجفاف… تهديد وجودي للصناعة

لكنَّ التحدي الأكبر الذي يواجه قطاع الأركان اليوم قد لا يكون اقتصاديًا فقط، بل مناخيًا أيضًا.

فالمغرب يعيش واحدة من أطول موجات الجفاف في تاريخه الحديث، وقد انعكس ذلك بصورةٍ مباشرة على غابات الأركان وإنتاج الثمار. ورُغمَ أنَّ شجرة الأركان تُعرف بقدرتها على التكيُّف مع المناخ القاسي، فإنَّ تكرار سنوات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة واستنزاف المياه الجوفية بدأ يهدد قدرتها على التجدُّد الطبيعي.

وتشير تقارير حديثة إلى أنَّ إنتاج زيت الأركان تراجع بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة، فيما ارتفعت أسعار الثمار بشكل غير مسبوق. كما تراجعت صادرات المغرب من الزيت من أكثر من 1200 طن سنويًا إلى نحو 650 طنًا فقط في عام 2024، بحسب البيانات الواردة في التقارير التي حصلن عليها “أسواق العرب”.

ولا يرتبط الأمر بالمناخ فقط، بل أيضًا بالضغط البشري المتزايد على الغابات. فالرعي الجائر والتوسع الزراعي والطلب التجاري العالمي كلها عوامل تُسرِّع تدهور النظام البيئي للأركان. ويشيرُ بعضُ الدراسات إلى اختفاء مساحات واسعة من غابات الأركان خلال العقود الماضية، مع تراجع كثافة الأشجار وضعف تجدّدها الطبيعي.

وهنا تظهر مفارقة أخرى: كلما ارتفع الطلب العالمي على زيت الأركان، ازدادت الضغوط على الشجرة التي تمنح هذا الزيت قيمته أساسًا.

مَن يربح فعلًا؟

تكشف صناعة الأركان بوضوح كيف تعمل سلاسل القيمة العالمية الحديثة. فالمغرب يوفّر المادة الخام والمعرفة التقليدية والعمل اليدوي، لكن الجُزء الأكبر من الأرباح يتحقق في مراحل لاحقة: التسويق والعلامات التجارية والتوزيع الدولي.

فشركات التجميل العالمية، وفي مقدمتها مجموعة “لوريال” الفرنسية، تشتري الزيت الخام أو نصف المصنع، ثم تضيفه إلى منتجاتها الفاخرة وتبيعه بأسعار مضاعفة مرات عديدة. ويشير بعض البيانات إلى أَّن ليترَ زيت الأركان قد يُصدَّر من المغرب بسعرٍ يتراوح بين 45 و70 يورو، بينما يُباع داخل منتجات تجميلية عالمية بمئات اليوروات لليتر الواحد.

وهنا تبرز أزمة أعمق تتجاوز الاقتصاد نفسه: مَن يملك “قصة الأركان”؟ فالشركات العالمية لا تبيع الزيت فقط، بل تبيع أيضًا صورة المرأة القروية المغربية والطبيعة الصحراوية والأصالة المحلية. بمعنى آخر، يجري تحويل التراث والثقافة والعمل اليدوي إلى قيمة تسويقية عالمية، بينما يبقى المنتج المحلي الحلقة الأضعف ماليًا.

وهذا النمط ليس جديدًا في الاقتصاد العالمي. فكما يحدث مع مزارعي الكاكاو في غرب أفريقيا أو منتجي القهوة في أميركا اللاتينية، يبقى المنتج المحلي في أسفل السلسلة، بينما تتحقق الأرباح الحقيقية في مراحل العلامة التجارية والتسويق والتوزيع داخل الأسواق الغنية. فالقيمة الأعلى لم تعد تُصنع في الحقل أو المعصرة، بل في القدرة على تحويل المادة الخام إلى “قصة” قابلة للبيع عالميًا.

الغش والجودة… الوجه الآخر للطلب العالمي

ومع الارتفاع الكبير في أسعار زيت الأركان عالميًا، برزت مشكلة أخرى تهدد سمعة القطاع بأكمله: الغش التجاري وتفاوت الجودة. فكلما ارتفعت قيمة المنتج في الأسواق الدولية، ازدادت الحوافز أمام بعض المنتجين والوسطاء لخفض الكلفة وتعظيم الأرباح، سواء عبر خلط زيت الأركان بزيوت نباتية أرخص ثمنًا، أو عبر تسويق منتجات لا تستوفي المعايير المطلوبة تحت اسم “الأركان”.

ولا يقتصر الأمر على الغش المباشر، بل يشمل أيضًا طرق الإنتاج نفسها. فبعض عمليات الاستخلاص الصناعية السريعة، التي تعتمد على درجات حرارة مرتفعة أو على مواد منخفضة الجودة، يُؤثّر في التركيبة الكيميائية للزيت ويُضعف جُزءًا من خصائصه الطبيعية. وتشير الدراسات إلى أنَّ تعريض الزيت للحرارة المفرطة قد يؤدي إلى تراجع مستويات مضادات الأكسدة والمركبات النشطة، وفي مقدمتها فيتامين ” E”، وهي العناصر التي تمنح زيت الأركان قيمته التجميلية والغذائية المرتفعة.

كما إنَّ جودة الزيت ترتبط بسلسلة طويلة من التفاصيل الدقيقة: طريقة جمع الثمار، وظروف التخزين، ومدى نظافة عمليات التكسير والعصر، وحتى سرعة معالجة الثمار بعد الحصاد. فأيُّ خللٍ في هذه المراحل قد ينعكس مباشرة على النكهة والرائحة والتركيب الكيميائي والعمر التخزيني للمنتج النهائي.

وقد دفعت هذه التحديات المختبرات والجهات الرقابية إلى تطوير تقنيات أكثر دقة لكشف الغش والتحقق من أصالة الزيت، بما في ذلك التحاليل الكروماتوغرافية والبصمات الكيميائية التي تسمح بتمييز زيت الأركان النقي من المنتجات المخلوطة أو المقلّدة. لكن المشكلة تبقى أكبر في الأسواق التي تعاني ضعف الرقابة أو غياب معايير واضحة للتتبع.

ولهذا، أصبحت مسألة الاعتماد الجغرافي والتتبع والجودة عنصرًا حاسمًا في مستقبل القطاع، خصوصًا مع تشدد الأسواق الأوروبية والأميركية في معايير السلامة والاستدامة والشفافية. فالمستهلك العالمي لم يعد يشتري الزيت فقط، بل يشتري أيضًا “قصة” ترتبط بالأصالة والنقاء والإنتاج الأخلاقي. وأيُّ اهتزاز في الثقة بجودة المنتج أو بمصداقية سلسلة إنتاجه قد يهدد صورة قطاع كامل بُنيت سمعته العالمية على فكرة الندرة والطبيعة والجودة العالية.

هل فشل نموذج التنمية؟

تكشف أزمة الأركان في النهاية حدود النموذج الذي رُوِّج له لسنوات باعتباره قصة نجاح مثالية للتنمية المحلية. فالتعاونيات النسائية حققت بالفعل مكاسب اجتماعية مهمة، وفتحت باب العمل النقدي أمام آلاف النساء، لكنها لم تستطع الصمود أمام منطق السوق العالمية وهيمنة رأس المال الكبير.

كما إنَّ الدولة المغربية، رُغم برامجها لدعم القطاع، تبدو حتى الآن عاجزة عن تحقيق التوازن بين التصدير السريع وحماية المنتجين المحليين والموارد الطبيعية. فالمعادلة الحالية تقوم عمليًا على تصدير مادة نادرة تحت ضغطٍ مناخي متزايد، في سوق عالمية شرسة، من دون أن تحصل الحلقة الأضعف في السلسلة على نصيب عادل من القيمة.

وفي المحصّلة، لا تبدو أزمة زيت الأركان مجرد مشكلة قطاع زراعي أو تجميلي، بل نموذجًا مكثفًا للتناقضات التي تحكم الاقتصاد العالمي اليوم: منتج محلي يتحوّل إلى سلعة فاخرة عالمية، وثروة طبيعية تُستنزف تحت شعار التنمية المستدامة، ونساء يُستخدَمنَ كواجهة تسويقية لاقتصاد لا يمنحهن بالضرورة حماية أو عدالة حقيقية.

وقد يكون السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم ليس كيف يمكن زيادة صادرات زيت الأركان، بل كيف يمكن حماية الشجرة والنساء والمجتمعات المحلية من النجاح التجاري نفسه الذي جعل هذا الزيت مشهورًا عالميًا.

  • سمير الحلو هو صحافي لبناني من أسرة “أسواق العرب”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى