بيكاسو… بيكاسو… ما هو سرُّك؟ (1 من 7)

هنري زغيب*
في جمهور الفن التشكيليّ مَن يُحبُّون فنَّه متعدِّدَ الأَنواعِ، غنيَّها. ومنهم مَن يَجدونه شَوَّهَ الوُجوه والأَجساد بأَشكاله الغريبة الصادمة. سوى أَنه، بين المعجبين والمنتقدين، ما زال يسير في الزمان حاضرًا بثبات من جيل إِلى جيل.
أَيُّ سرٍّ فيه؟
هذه السُباعية تكشف بعض السر.

ملامح من طُفولة
في سيرة كلِّ مبدعٍ ملامحُ من تأُثُّراتٍ بأَشخاص أَو أَمكنة، وتأْثيراتٍ تُشكِّل نواةَ ما استلْهمَه لاحقًا ليكوِّن شخصيته المستقلَّة.
ولعلَّ أَبرزَ تلك الملامح في حياة بيكاسو (1881-1973) انصرافُه التامُّ الكاملُ إِلى فنه منذ مطلع صباه وشبابه. ويرجَّح ما تركَه عمومًا نحو 20،000 عملٍ بين لوحات ورسوم ونقوش ومنحوتات وخزفيات وديكور مسرحيات وتصميم ملابس، طيلة الثمانين من سنوات إِنتاجه.
كلُّ مرحلة من مسيرته الفنية انطبعَت بوُجُوه وأَحداثٍ في حياته، من تَعَدُّد علاقاته النسائية، إِلى تَوَالي المآسي المعقَّدة، إِلى ما عرفت أُوروبا من خضَّات اجتماعية وسياسية. لذا يمكن القول إِنَّ حجم إِنتاجه الكثير الكثيف دليلٌ على غنى مسيرته الفنية والشخصية.
أَهمُّ التأْثيرات في حياته
بين أَوائل التأَثيرات: حضور أَبيه. فمنذ ولادته (25 أكتوبر) في ملَقَة الإِسبانية، وعى في طفولته على والد رسَّام، فكان طبيعيًّا أَن يدرس الرسم منذ بلغ العاشرة، حتى إِذا بلغ الثالثة عشْرة وبرع في التلقّي ووضْع رسومٍ ولوحاتٍ لافتة، اضطُرَّ والده إِلى التخلِّي عن الرسم لأَن الفتى بدأَ يشي بمستقبل فني غير عاديّ.
حفلات “الكورِّيدا”
تأْثير آخر: حفلات مصارعة الثيران (“الكورِّيدا”). فمنذ يفاعته جذَبَتْهُ تلك الحفلات المثيرة، وكانت له رمز الرجولة والبراعة والشجاعة، حتى شعر أَنه يتماهى بالـمُصارع البارع الشُجاع.
ولاحقًا كتبَتْ صديقتُهُ الروائية والناقدة التشكيلية الكاتبة هيلين پارمُلِن (1915-1998) أَنَّ “الكورّيدا طبعت بيكاسو منذ صباه، حتى باتت جُزءًا عضويًّا من شخصيته، فكان يحبُّ أَن يرتدي ملابس مصارع الثيران، وكثيرًا ما كان يصطحب زوجته لحضور حفلات الكوريدا. وحتى في محترفه كانت مشاهد مصارعة الثيران في باله ومخيِّلته التشكيلية وطريقة عيشه اليومية، كأَنَّ مساحةَ محترفه مساحةُ مصارعة الثيران”.

موجة كسر القواعد
في مطلع وصوله إِلى باريس سنة 1904، وهو في الثالثة والعشرين، كان الشاعر غِيُّوم أَپولينير (1880-1908) أَوَّلَ من الْتقاه وصادقَه. وكان ذاك الشاعر نجمَ الحلقات الباريسية بطليعيته وحضوره الساطع، طابِعًا بذلك مطلع القرن العشرين في فرنسا، وخصوصًا مَن انحازوا معه إِلى السوريالية. هذا الجوُّ أَثَّر في بيكاسو الْكان آتيًا من كلاسيكيات الرسم في إِسبانيا، وترسَّخ في باله وريشته حتى انتفض على تلك الكلاسيكيات وكسَر نُظُمها، وبدأَ ينحو صوب كسر النُظُم القواعد المتَّبَعَة في مطلع شبابه، بادئًا بالانخراط في الموجة التكعيبية. وراح ارتياده الملاهي والحانات والمقاهي يؤَثِّر في طبيعة أَعماله وطريقة عيشه البوهيمية.
تأْثيرات أَفريقية وإِيبيرية
نحتيًّا، كان بالغَ التأْثير على بيكاسو، في مطلع القرن العشرين، اطِّلاعُه على النحت الأَفريقي والإِيبيري. تأَثَّر به في وضع منحوتاته الباكرة، وتكوين خط خاص في منحوتاته لاحقًا، متميِّزًا بالاختصار في الخطوط والملامح. وإِذ بدأَ متأَثرًا بجو النحت في لوحاته مع مرحلته الزهرية، كما في أَعمال جرترود شتاين (1874-1946)، كان قويًّا كذلك عليه تأْثير النحت الأَفريقي، كما في لوحته التكعيبية “آنسات أَفينيون” (1907). وهو صرَّح لاحقًا: “كان لظاهرة الأَقنعة تأْثيرٌ كبيرٌ عليّ، كأَنها سحرٌ دخلَ في أَعمالي الباريسية الأُولى، وأَبرزها فترتئذ “آنسات أَفينيون”.
الحلقة المقبلة: تأْثيرات المسرح والموسيقى.
- هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
- يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار العربي” (بيروت – دبي)




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.