حين تَصنَعُ الأفكارُ الحروب: هل تَحَقَّقَ “صدامُ الحضارات” في إيران؟

لا تبدو الحرب مع إيران مجرّد مواجهة عسكرية تقليدية، بل انعكاسًا لرؤية أعمق تُعيد تعريف الصراع بوصفه صدامًا بين هويات. لكن السؤال الأهم: هل تكشف هذه الحرب عن واقع “صراع الحضارات” — أم أنها نتيجةٌ له؟

الرئيس دونالد ترامب: هل متأثر مع فريقه بفكرة “صراع الحضارات”؟

بول بوست*

توقفت الحرب الإيرانية حاليًا في ظلِّ شروطٍ غامضة لما يُمكن اعتباره في أحسن الأحوال وقفًا هشًا لإطلاق النار. يبقى مصير الحرب، وموعد انتهائها رسميًا، موضع تساؤل، شأنه شأن العديد من جوانب أسباب اندلاعها. إلّا أنَّ أمرًا واحدًا واضح: قرار الرئيس دونالد ترامب بشنِّ الحرب كان، من نواحٍ عديدة، النتيجة المنطقية لإدارةٍ تتبنى نزعة عسكرية مهووسة ومدفوعة بدوافع دينية. هذا، إلى جانب أنَّ نهجها العنصري في السياسة الخارجية الأميركية، يُمهد الطريق بسهولة لعقلية الصراع الحضاري.

في هذا الإطار، يعود إلى الواجهة مفهوم “صدام الحضارات” الذي صاغه عالم السياسة صموئيل هنتنغتون في أعقاب الحرب الباردة، أولًا في مقالٍ أثار جدلًا واسعًا، ثم في كتاب تحوّل إلى مرجع في النقاشات الاستراتيجية. فقد جادل هنتنغتون بأنَّ الصراعات بين الدول، التي طبعت مرحلة الحرب الباردة، ستفسح المجال لنمط جديد من النزاعات، حيث تصبح الهوية الثقافية —لا الإيديولوجيا أو الاقتصاد— المحرّك الأساسي للصراع. ووفقًا لرؤيته، فإنَّ “الانقسامات الكبرى بين البشر” ستغدو المصدر المهيمن للتوترات في العالم الجديد.

وقد لاقت هذه الأطروحة صدى واسعًا، لا سيما لأنها جاءت في مواجهة قراءات أكثر تفاؤلًا لمستقبل النظام الدولي، أبرزها ما طرحه فرانسيس فوكوياما في كتابه “نهاية التاريخ والإنسان الأخير”، حيث اعتبر أنَّ انتصارَ الديموقراطية الليبرالية واقتصاد السوق يمثل نهاية المسار الإيديولوجي للبشرية. كما عارضت أطروحة هنتنغتون أيضًا توقعات أخرى أقل تفاؤلًا، رأت أنَّ العالم سيتجه سريعًا نحو استعادة توازنات القوى التقليدية، مع عودة التنافس بين الدول الكبرى.

نظرية مثيرة… وإشكاليات عميقة

ومع ذلك، لم تسلم نظرية “صدام الحضارات” من النقد. فقد واجهت إشكاليات مفاهيمية تتعلق بتعريف “الثقافة” و”الحضارة” نفسيهما، فضلًا عن التباس المعايير التي اعتمدها هنتنغتون في تصنيف الدول. فدول تتشارك خلفيات دينية وتاريخية متقاربة، مثل المكسيك وإسبانيا، وُضعت ضمن حضارات مختلفة، ما أثار تساؤلات حول دقة هذا التصنيف. وقد عزّز ذلك الانتقادات التي رأت في النظرية انعكاسًا لنزعة مركزية أوروبية، بل واتهمها البعض بأنها تحمل أبعادًا تمييزية وعنصرية تتجاوز التحليل الأكاديمي البحت.

في ضوء هذه الخلفية، يبدو أن بعض ملامح الواقع الراهن تعيد إحياء هذه النقاشات، لكن ليس بوصفها تنبؤًا محققًا، بل كإطار تفسيري يُستخدم —وأحيانًا يُوظَّف— لفهم، أو تبرير، مسارات الصراع في عالم لا يزال يبحث عن توازناته.

وقد تعزّز هذا التفسير مع صدور كتاب هنتنغتون مرفقًا بخريطة تُقسّم العالم إلى “حضارات” متمايزة، في مقاربة أعادت إلى الأذهان خرائط مشابهة استخدمها منظّرو تفوّق العرق الأبيض في أوائل القرن العشرين، مثل لوثروب ستودارد، لتصوير ما اعتبروه “تهديدًا” غير غربي للحضارة الأوروبية–الأميركية. ولم يقتصر هذا البُعد على التنظير المجرّد، بل ظهر بشكلٍ أوضح في كتاب هنتنغتون اللاحق “مَن نحن؟”، حيث عبّر صراحةً عن مواقف عدائية تجاه الهجرة، ولا سيما من المكسيك، ما عزّز الاتهامات بأنَّ أطروحته لا تنفصل عن خلفيات ثقافية وسياسية منحازة.

من هنتنغتون إلى ترامب

مع ذلك، تظلّ نظرية “صدام الحضارات” إطارًا تفسيريًا حاضرًا بقوة في قراءة سياسات دونالد ترامب الخارجية، ليس فقط كأداة تحليل، بل كمرآةٍ تعكس تصوُّر إدارته للعالم. فخطاب الأمن القومي في عهد ترامب يُظهر تأثرًا واضحًا بأفكار هنتنغتون، إلى حد استحضار مخاوف من “اندثار الحضارة” في الغرب نتيجة الهجرة، في خطاب يتجاوز السياسة التقليدية نحو بناء سردية ثقافية للصراع.

ويبرز هذا التأثير بشكل أكثر وضوحًا في الدائرة الضيقة المحيطة بترامب. فقد أشارت تقارير إلى أن مستشاره البارز ستيفن ميلر، الذي يُعدّ مهندس سياسات الترحيل الجماعي، يتبنّى رؤية تعتبر القوة المعيار الحاسم في العلاقات الدولية، متأثرًا، ضمن مصادر أخرى، بفكر هنتنغتون. كما استشهدت “كيرون سكينر”، التي شغلت منصب مديرة تخطيط السياسات في وزارة الخارجية في ولاية ترامب الأولى، صراحةً بأطروحة “صدام الحضارات”، معتبرةً أنَّ الولايات المتحدة تستعد لمواجهة حضارية مع الصين.

في سياق الحرب مع إيران، بدا خطاب الرئيس دونالد ترامب الأخير وكأنه صدى مباشر للغة صموئيل هنتنغتون. فقد لوّح، في تهديد لافت، بأنَّ “حضارةً بأكملها قد تموت الليلة ولن تعود أبدًا” إذا لم تستجب طهران لمطالبه، في تعبيرٍ يتجاوز حدود الردع العسكري التقليدي إلى استحضار مفردات الصراع الحضاري.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد. إذ اختتم ترامب تهديدًا سابقًا وجّهه إلى مَن وصفهم بـ”الأوغاد المجانين” الذين يديرون إيران بعبارة “الحمد لله” — وهي عبارة ذات حمولة دينية وثقافية مرتبطة عادةً بالإسلام، ولا تُستخدم في خطابه السياسي المعتاد. هذا الاستخدام لم يكن تفصيلًا لغويًا عابرًا، بل يعكس توظيفًا ضمنيًا للتمايز الثقافي، بما يتقاطع مع الإطار الذي قدّمه هنتنغتون حول الصراع بين الهويات والحضارات.

وبالمثل، لم يكن هذا الخطاب حكرًا على واشنطن. فقد لجأ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى لغة “الحضارة” لتفسير طبيعة التهديد الذي تمثّله إيران، معتبرًا أنه لا يقتصر على إسرائيل وحدها، بل يمتد إلى الولايات المتحدة. وفي هذا التوازي الخطابي، تتكرّس صورة الصراع بوصفه مواجهة تتجاوز المصالح السياسية المباشرة، لتلامس سرديات أوسع حول الهوية والحضارة والانتماء.

ومن زوايا أخرى، لا يبدو مستغربًا أن تقود رؤية “صدام الحضارات” إلى مواجهة مع إيران. فقد استند صموئيل هنتنغتون في بناء أطروحته إلى أمثلة تاريخية، أبرزها الصراع بين اليونان القديمة وبلاد فارس، ليُسقطها على الواقع المعاصر. وفي صلب هذه القراءة، اعتبر أنَّ العلاقة بين “الإسلام” و”الغرب” دخلت، منذ الثورة الإسلامية عام 1979، في ما وصفه بـ”حربٍ شبه حضارية”. هذا التصوُّر وجد صدى متجددًا بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، حين عاد إلى الواجهة بوصفه إطارًا لتفسير التوترات العالمية، وظهر لاحقًا في الخطاب الذي استخدمه مستشارو دونالد ترامب لتبرير استهداف إيران، انطلاقًا من فرضية أنَّ الجمهورية الإسلامية تخوض حربًا ممتدة مع الولايات المتحدة منذ ما يقارب نصف قرن.

ومع ذلك، وعلى الرُغم من النفوذ الواسع الذي لا تزال تتمتع به هذه الأطروحة في دوائر السياسة والتحليل، فإنها تفتقر إلى سند تجريبي متماسك. فقد أشار الباحث جوزيف جوفي، وهو من تلامذة هنتنغتون، إلى أن تنبُّؤاته “تبدأ بالتداعي عند إخضاعها للتدقيق”. فالصورة التي توحي بأنَّ السياسة الدولية محكومة بصراعٍ حضاري شامل تبدو، عند الفحص، تبسيطًا مفرطًا لواقعٍ أكثر تعقيدًا.

تبدأ الإشكالية من محاولة تعريف “الحضارات” نفسها. فرُغم أنَّ تصنيف العالم إلى كتل حضارية له جذور فكرية قديمة، فإنَّ تطبيقه العملي يظل إشكاليًا. وقد بدت محاولة هنتنغتون في هذا السياق اعتباطية في كثير من الأحيان، إذ لم يكن واضحًا دائمًا لماذا تُدرَجُ دول معينة ضمن حضارة محددة دون أخرى. بل إن بعض الحالات، مثل تصنيف اليابان كحضارة قائمة بذاتها، أثارت تساؤلات حول مدى اتساق المنهج. وفي أفضل الأحوال، بدا هذا التصنيف مربكًا؛ وفي أسوَئها، وكأنه محاولة لِلَيّ الوقائع بما يخدم الفرضية.

وحتى إذا تم التسليم بهذا التصنيف، فإنَّ الوقائع التاريخية لا تدعمه. إذ تشير معظم الدراسات إلى أنَّ غالبية الصراعات اندلعت داخل الحضارات نفسها، لا بينها. أما النزاعات التي صُنِّفت لاحقًا كـ“صراعات حضارية” —مثل حرب العراق عام 2003— فلم تكن في جوهرها قائمة على انقسامات ثقافية، بل على اعتبارات سياسية واستراتيجية واضحة.

الأكثر دلالة على محدودية هذه النظرية هو إخفاقها في التنبؤ بأحد أبرز الصراعات المعاصرة. ففي تسعينيات القرن الماضي، توقّع عدد من المنظّرين الواقعيين، من بينهم جون ميرشايمر، احتمال اندلاع مواجهة بين روسيا وأوكرانيا، استنادًا إلى منطق توازن القوى وسعي موسكو إلى استعادة نفوذها السابق. في المقابل، افترض هنتنغتون أنَّ التشابه الحضاري بين البلدين سيحول دون وقوع صدام بينهما. ورغم أن هذا الطرح يُحسب له من حيث قابليته للاختبار، فإنَّ الأحداث اللاحقة أثبتت عكسه بشكل واضح ومأساوي، ما يطرح تساؤلات جدية حول صلاحية “صدام الحضارات” كإطار تفسيري شامل للعالم المعاصر.

حين تصنع الأفكار الحروب

قد يُجادل البعض بأنَّ الحرب مع إيران تمثّل نقيضًا للصراع في أوكرانيا، إذ إنها تُحوّل ما وصفه صموئيل هنتنغتون بـ“الحرب شبه الحضارية” بين إيران والغرب إلى مواجهة فعلية، بما يبدو وكأنه تأكيدٌ مباشر لأطروحته حول “صدام الحضارات”. غير أنَّ قراءة مغايرة تطرح نفسها بقوة.

فمن المرجح أنَّ صُنّاع القرار في كلٍّ من الولايات المتحدة وإسرائيل لم يكتفوا بتفسير إيران كتهديد استراتيجي، بل أعادوا صياغتها ضمن إطار حضاري، متأثرين —ولو جزئيًا— بالسردية التي رسّخها هنتنغتون في الأدبيات السياسية. وبهذا المعنى، لا تعكس الحرب واقع “صراع حضارات” بقدر ما تكشف عن أثر هذا المفهوم في تشكيله.

بعبارة أخرى، قد لا تكون الحرب الإيرانية دليلًا على صحة أطروحة هنتنغتون، بل مثالًا على قوة الأفكار حين تتحوّل إلى عدسةٍ يرى من خلالها صانعو القرار العالم — وعدسة قد تدفعهم، من حيث لا يقصدون، إلى إعادة إنتاج ما تفترضه. إنها، في هذا السياق، ليست إثباتًا للنظرية، بل تجسيدٌ لنبوءةٍ ذاتية التحقق.

  • بول بوست هو باحث أكاديمي أميركي، وأستاذ مشارك في قسم العلوم السياسية بجامعة شيكاغو، وزميل غير مقيم في مجلس شيكاغو للشؤون العالمية.
  • كُتِب هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى