تركيا في القرن الأفريقي: رهانُ الطاقة على حافةِ الانفجار

تدخل تركيا القرن الأفريقي بثقلٍ اقتصادي وعسكري غير مسبوق، واضعةً أمن الطاقة في قلب استراتيجيتها الإقليمية. لكن هذا التمدُّد السريع يجري في بيئة مشتعلة، حيث تتقاطع الحروب بالوكالة وصراعات الموانئ، ما يجعل رهان أنقرة محفوفًا بمخاطر قد تتجاوز قدرتها على التحكُّم.

رجب طيب أردوغان وآبي أحمد: مصافحةٌ دافئة فوق طاولةٍ باردة… حيث تُدار المصالح أكبر من الصور.

إلفاضل إبراهيم*

في تحرُّكٍ يعكس عودة مدروسة إلى عمق القارة الأفريقية، قام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بزيارةٍ إلى إثيوبيا في شباط (فبراير)، هي الأولى منذ أكثر من عقد، ضمن جولةٍ إقليمية شملت كلًا من مصر والمملكة العربية السعودية. وقد حظي أردوغان باستقبالٍ حافل في أديس أبابا، حيث أشاد رئيس الوزراء آبي أحمد بـ”الصداقة الدائمة” و”التعاون المتين” بين البلدين، تزامنًا مع مرور مئة عام على إقامة العلاقات الديبلوماسية. كما وقّع الجانبان اتفاقيات اقتصادية مهمة، خصوصًا في مجالي الطاقة والبنية التحتية، بما يُمهّد لعقود مستقبلية واعدة.

غير أنَّ ما وراء هذه الزيارة يتجاوز رمزية البروتوكول الديبلوماسي. فتركيا تراهن بثقل متزايد على منطقة القرن الأفريقي، عبر استثمارات بمليارات الدولارات تشمل تطوير النفط والغاز، وتوسيع صادراتها من الأسلحة المتطورة، وتعزيز التعاون الأمني. وفي هذا السياق، لا يمكن فهم الانفتاح على إثيوبيا بمعزل عن العلاقة الاستراتيجية مع الصومال، التي تشكّل ركيزةً أساسية في الحضور التركي الإقليمي، حيث انتشرت مؤخرًا طائرات مقاتلة تركية من طراز “أف-16” لدعم الحكومة الصومالية في تصعيد عملياتها ضد “حركة الشباب” الجهادية المتطرفة.

النفط بوابة النفوذ: لماذا تراهن أنقرة على الصومال؟

ويبرز النفط بوصفه المحرّك الأهم لهذا التوجه. إذ تستورد تركيا حاليًا نحو 90% من احتياجاتها من النفط والغاز الطبيعي، ما يجعلها شديدة التأثر بتقلبات الأسعار العالمية، كما شهدت الأسواق في الأسابيع الأخيرة على خلفية الحرب مع إيران. ووفقًا لتقرير صادر عن خبراء في البنك المركزي التركي في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، فإنَّ ارتفاع سعر برميل النفط بمقدار 10 دولارات يؤدي إلى زيادة عجز الحساب الجاري بنحو 2.6 ملياري دولار خلال 12 شهرًا، كما يرفع معدل التضخم بنحو 1.2 نقطة مئوية.

في هذا الإطار، تكتسب الصومال أهمية خاصة في الحسابات التركية. إذ تشير التقديرات إلى أنَّ مياهها الإقليمية تحتوي على نحو 30 مليار برميل من احتياطيات النفط البحرية، إضافة إلى 6 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي. وهذه الأرقام تضع الصومال في المرتبة الثالثة أفريقيًا من حيث إمكانات الهيدروكربونات، بعد ليبيا —حيث تشارك تركيا بالفعل في إنتاج النفط والغاز— ونيجيريا.

في موازاة التحرّكات الديبلوماسية والاستثمارية، تدخل الاستراتيجية التركية في القرن الأفريقي مرحلة أكثر حساسية، مع اقتراب الصومال من إطلاق أولى عمليات التنقيب عن النفط في مياهه الإقليمية في الأسبوع المقبل. وتتم هذه الخطوة بدعمٍ مباشر من سفينة تنقيب تابعة للحكومة التركية، في مؤشر واضح إلى انتقال أنقرة من موقع الشريك إلى موقع الفاعل الرئيس في قطاع الطاقة الصومالي.

وفي حال أثبتت عمليات الحفر وجود رواسب قابلة للاستثمار التجاري، ستكون تركيا في موقع متقدم للاستفادة منها، بموجب اتفاقية عام 2024 الموقّعة مع مقديشو، والتي تمنح شركة البترول التركية المملوكة للدولة حقوقًا حصرية للتنقيب في ثلاثة قطاعات بحرية. ولا يقتصر الرهان هنا على توسيع النفوذ الخارجي، بل يرتبط مباشرة بالاقتصاد التركي الداخلي: إذ من شأنِ أيِّ إنتاجٍ مستقبلي أن يخفّض كلفة استيراد الطاقة، ويقلّص عجز الحساب الجاري، ويخفّف الضغوط التضخّمية، ما ينعكس بدوره على استقرار الليرة التركية.

غير أنَّ هذا الطموح يصطدم بواقع صومالي بالغ التعقيد. فعلى مدى ثلاثة عقود، ظلّت البلاد واحدة من أكثر الدول هشاشة وانقسامًا، في ظلِّ ضعف السلطة المركزية، واستمرار تمرّد الجماعات الجهادية، إضافةً إلى تهديدات القرصنة في المياه الساحلية. وهو ما يجعل الاستثمار في قطاع الطاقة هناك رهينةً لمعادلة أمنية غير مستقرة.

من هنا، يمكن فهم التصعيد في الحضور العسكري التركي. فقد عززت أنقرة تعاونها الدفاعي مع الصومال بشكلٍ لافت، حيث تحتضن مقديشو أكبر قاعدة عسكرية تركية خارج البلاد، وهي معسكر “توركسوم”، الذي تولّت فيه القوات التركية تدريب آلاف الجنود الصوماليين. ومؤخرًا، ذهبت تركيا إلى أبعد من ذلك، عبر نشر طائرات مقاتلة ومروحيات هجومية، في خطوةٍ تعكس انتقال دورها من دعمٍ غير مباشر إلى انخراطٍ أمني أكثر وضوحًا.

لكن التحديات لا تتوقف عند الداخل الصومالي. فالمشهد في القرن الأفريقي يتداخل مع أزمات إقليمية أوسع، أبرزها الحرب الأهلية في السودان، التي تحوّلت إلى ساحة تنافس مفتوح بين قوى إقليمية متعددة. إذ تشير تقارير (نفتها أبو ظبي) إلى أنَّ الإمارات العربية المتحدة تدعم “قوات الدعم السريع”، عبر إمداداتٍ عسكرية تمرّ من قواعد في شرق ليبيا وتشاد ومنطقة بونتلاند الصومالية شبه المستقلة. في المقابل، تدعم كلٌّ من تركيا ومصر والسعودية الجيش السوداني، حيث تشير المعلومات إلى أنَّ أنقرة تزوّد الجيش بطائرات مسيّرة، وتنسّق عملياته مع القاهرة انطلاقًا من قاعدة جوية في شرق العوينات داخل الصحراء المصرية.

في هذا السياق، يتّضح أنَّ التحرُّك التركي في القرن الأفريقي لم يعد مجرد توسُّع اقتصادي أو شراكة تنموية، بل بات جُزءًا من شبكة توازنات إقليمية معقدة، تتقاطع فيها المصالح الطاقوية مع الحسابات الأمنية، وتتحوّل فيها الجغرافيا إلى مسرحٍ مفتوح لإعادة رسم النفوذ.

بين الوساطة والتوازن

في موازاة رهانات الطاقة والأمن، تتعقّد حسابات أنقرة أكثر مع تصاعد التوترات الإقليمية، ولا سيما في إثيوبيا غير الساحلية، حيث يواجه رئيس الوزراء آبي أحمد ضغوطًا متزايدة بسبب سعيه الحثيث للحصول على منفذ بحري. هذا الطموح يضعه في مواجهة مباشرة مع إريتريا، وسط مخاوف متصاعدة من انزلاق التوتر إلى مواجهة عسكرية مفتوحة.

ولم تقتصر تداعيات هذا المسعى على العلاقة مع إريتريا، بل امتدت إلى الصومال، حين وقّعت أديس أبابا عام 2024 اتفاقًا مثيرًا للجدل مع منطقة أرض الصومال الانفصالية (صوماليلاند)، يمنح إثيوبيا حق الوصول إلى موانئها مقابل اعتراف ديبلوماسي محتمل. وقد أثار هذا الاتفاق موجة احتجاجات غاضبة في مقديشو، التي رأت فيه مساسًا مباشرًا بسيادتها ووحدة أراضيها.

في خضم هذا التصعيد، تحركت أنقرة بسرعة لاحتواء الأزمة. فقد استضاف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كلًّا من آبي أحمد والرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في أنقرة، في مسعى وساطي أسفر عن إعلان مشترك لتهدئة التوتر في كانون الأول (ديسمبر) 2024. ولم تكن زيارة أردوغان إلى أديس أبابا في شباط (فبراير) سوى امتداد لهذا الدور، حيث سعى إلى تثبيت موقع تركيا كوسيط إقليمي، موازنًا بين تأكيده دعم وحدة الصومال، وتشجيعه إثيوبيا على السعي إلى تحقيق طموحاتها البحرية عبر الوسائل السلمية.

غير أنَّ هذه الوساطة تضع أنقرة أمام معادلة دقيقة. فمن جهة، تمثل إثيوبيا أكبر شريك تجاري لتركيا في القرن الأفريقي، ما يجعل الحفاظ على علاقات مستقرة معها أولوية اقتصادية. ومن جهة أخرى، لا تستطيع تركيا المخاطرة بخسارة مقديشو، حيث تتركز استثماراتها النفطية الحيوية، إلى جانب قاعدتها العسكرية الاستراتيجية. وبين هذين القطبين، تحاول أنقرة إدارة توازن هش بين المصالح الاقتصادية والاعتبارات الأمنية.

لكن تركيا ليست وحدها في هذا المشهد. فالقرن الأفريقي بات ساحة تنافس مفتوح لقوى إقليمية ودولية متعددة. وقد جاء قرار إسرائيل في كانون الأول (ديسمبر) 2025 بالاعتراف بأرض الصومال كدولة مستقلة ليضيف طبقة جديدة من التعقيد، محدثًا صدمة سياسية في المنطقة.

بالنسبة إلى مقديشو، شكّل هذا القرار تحديًا وجوديًا يمسُّ وحدة الدولة. أما بالنسبة إلى أنقرة، فقد اعتُبر خطوة استفزازية تمس مباشرةً استثماراتها ونفوذها في الصومال. فتركيا، التي راهنت طويلًا على وحدة البلاد، تنظر إلى أيِّ تحرُّك يقوّض هذه الوحدة باعتباره تهديدًا استراتيجيًا لموقعها.

وفي هذا السياق، اكتسبت تصريحات أردوغان في أديس أبابا دلالات أوسع، حين أكد أنَّ “القرن الأفريقي لا ينبغي أن يكون ساحة معركة للقوات الأجنبية”. لم تكن هذه الرسالة موجهة فقط إلى الداخل الإقليمي، بل حملت أيضًا إشارات واضحة إلى تل أبيب. فالتقارير التي تتحدث عن نية إسرائيل إنشاء قاعدة عسكرية على ساحل أرض الصومال، بهدف استهداف الحوثيين في اليمن، تعكس اتساع رقعة الصراع وتحوُّل المنطقة إلى نقطة تقاطع لمصالح أمنية تتجاوز حدودها الجغرافية.

في ظل هذا المشهد المتشابك، يبدو أنَّ القرن الأفريقي يتحوّل تدريجًا من ساحة نفوذ اقتصادي إلى عقدة جيوسياسية معقدة، حيث تتداخل رهانات الطاقة مع صراعات الموانئ، وتتقاطع فيها الطموحات الوطنية مع حسابات القوى الكبرى، ما يضع جميع الفاعلين —وفي مقدمتهم تركيا— أمام اختبارٍ دقيق لإدارة التوازن بين الطموح والمخاطر.

غير أنَّ التحدّي الأكثر تعقيدًا أمام أنقرة لا يأتي فقط من بؤر التوتر المحلية، بل من تداخل مصالحها مع قوى إقليمية صاعدة، وفي مقدمتها الإمارات العربية المتحدة. فعلى الرغم من أنَّ أبوظبي وأنقرة نجحتا في ترميم علاقاتهما بعد سنوات من القطيعة التي أعقبت ثورات “الربيع العربي”، فإنَّ تناقض المصالح بينهما في القرن الأفريقي لا يزال قائمًا بوضوح.

فدعم الإمارات ل”قوات الدعم السريع” في السودان، واستثماراتها في ميناء بربرة في إقليم أرض الصومال، إضافة إلى حضورها العسكري في منطقة بونتلاند، كلها عوامل تتقاطع مباشرة مع المصالح التركية، بل وتتناقض معها في بعض الأحيان. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم مبادرة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لعرض وساطة مباشرة بين الجيش السوداني وأبوظبي، متجاوزًا قوات الدعم السريع، في محاولة لاحتواء ما بات يُعدّ أكثر الحروب تدميرًا في أفريقيا.

وكان من اللافت أن برنامج جولة أردوغان في شباط (فبراير) كان يتضمن محطة في أبوظبي في طريقه إلى أديس أبابا، في خطوة هدفت إلى إعادة ضبط العلاقة مع الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، مع وضع الملف الصومالي في صدارة النقاش. غير أنَّ هذه الزيارة أُلغيت بهدوء، على ما يبدو لأسباب صحية تتعلق بالرئيس الإماراتي، ما ترك قنوات التفاهم بين الطرفين مفتوحة، لكن من دون اختراق فعلي.

في المقابل، شهدت الأشهر الأخيرة تقاربًا ملحوظًا بين السعودية وكلٍّ من مصر وتركيا، مدفوعًا بمخاوف متزايدة من تنامي النفوذ الإماراتي في اليمن والقرن الأفريقي. وقد تجلّى هذا التحوُّل بوضوح عندما ألغت الصومال فجأة اتفاقياتها الأمنية مع الإمارات في كانون الثاني (يناير)، متهمةً أبوظبي بالتدخُّل في مناطق انفصالية مثل أرض الصومال من دون موافقة الحكومة الاتحادية في مقديشو.

وفي ظلِّ هذا الفراغ، تحرّكت الرياض بسرعة. إذ كان وفد ديبلوماسي سعودي رفيع من أوائل الواصلين إلى مقديشو، وبحلول شباط (فبراير)، وقّع الجانبان اتفاقية تعاون عسكري جديدة تهدف إلى تعزيز القدرات الدفاعية للصومال وأمنه البحري. ولا ينفصل هذا التحرك عن حسابات سعودية أوسع في البحر الأحمر، حيث تسعى المملكة إلى منع أيِّ هيمنة أحادية على الساحل الأفريقي، خصوصًا في ظل التحديات المتزايدة المرتبطة بأمن الطاقة والممرات البحرية. وقد ازدادت أهمية هذا البُعد مع إغلاق إيران الفعلي لمضيق هرمز، ما دفع السعودية إلى تحويل مسارات تصدير النفط عبر ميناء ينبع على البحر الأحمر.

كل ذلك يجعل القرن الأفريقي ساحة أكثر ازدحامًا وتنافسًا وخطورة، حيث تتقاطع استراتيجيات الطاقة مع الحسابات العسكرية، وتتداخل مصالح القوى الإقليمية في مشهد معقد يصعب احتواؤه.

في هذا السياق، تمتلك تركيا عناصر قوة تفتقر إليها قوى خارجية أخرى. فهي تُظهر استعدادًا لنشر قوة عسكرية فعلية، كما يتضح من إرسال طائرات “أف-16” إلى الصومال في أواخر كانون الثاني (يناير). كما تتمتع بقدرة لافتة على تحمّل المخاطر، إلى جانب مرونة ديبلوماسية تتيح لها التواصل مع مختلف الأطراف، حتى المتعارضة منها. وبين هذه الأدوات، تحاول أنقرة ترسيخ موقعها كلاعبٍ يصعب تجاوزه في معادلات القرن الأفريقي، رغم تعقيدات المشهد وتزايد كلفة الانخراط فيه.

هل يبتلع الصراع الإقليمي رهانات أنقرة؟

غير أنَّ هذا التوازن الدقيق الذي تحاول أنقرة إدارته يبقى مُعرَّضًا للاهتزاز في أيِّ لحظة. فوساطتها بين إثيوبيا والصومال قد تنهار إذا قررت أديس أبابا أنَّ صبرها كدولة برية حبيسة قد نفد، واتجهت إلى فرض خيار الوصول إلى البحر بالقوة. وتشير تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، ولا سيما تلميحاته المتكررة إلى ميناء عصب في إريتريا، إلى أنَّ هذا الاحتمال لم يعد بعيدًا.

السيناريو الأكثر خطورة —ليس فقط بالنسبة إلى تركيا، بل لجميع القوى المنخرطة في القرن الأفريقي— يتمثّل في انفجار الوضع إلى مواجهة مفتوحة. فالمعطيات الميدانية تشير إلى حشد عسكري متزايد على الحدود الإثيوبية–الإريترية، مع نشر قوات ومعدات ثقيلة، ما يعزز مخاوف من اندلاع صراع قد يكلّف الاقتصاد الإقليمي مليارات الدولارات، وفق تقديرات محللين.

بالنسبة إلى تركيا، فإنَّ مثل هذا السيناريو لا يعني مجرد أزمة عابرة، بل تهديدًا مباشرًا لاستراتيجيتها بأكملها في المنطقة، ولا سيما استثماراتها العسكرية والسياسية والتجارية الضخمة في الصومال. فاندلاع حرب بين إثيوبيا وإريتريا لن يبقى محصورًا بين طرفين، بل مرشح لأن يتحوَّل إلى صراعٍ أوسع يجذب داعمي كل طرف: مصر تميل إلى دعم إريتريا، فيما تُتهم الإمارات العربية المتحدة بمساندة إثيوبيا. وهذه القوى نفسها تتنافس أصلًا على النفوذ في الصومال، وتلعب أدوارًا متشابكة في الحرب الأهلية في السودان.

بل إنَّ خطر تداخل الصراعات يبدو أكثر واقعية من أيِّ وقتٍ مضى. فالتقارير التي تتحدث عن وجود معسكر تدريب ل”قوات الدعم السريع” داخل الأراضي الإثيوبية، إلى جانب اتهامات الخرطوم بانطلاق طائرات مُسيّرة وعناصر عسكرية من داخل إثيوبيا لاستهداف الجيش السوداني، توحي بإمكانية اندماج الساحتين الإثيوبية–الإريترية والسودانية في أزمة إقليمية واحدة مفتوحة.

في مثل هذا المشهد، ستتفاقم ديناميكيات “الحروب بالوكالة” التي تقوّض استقرار الصومال، وبالتالي تهدد مباشرة الاستثمارات التركية هناك. وسيجد رجب طيب أردوغان نفسه أمام معضلة استراتيجية صعبة: هل يواصل لعب دور الوسيط، أم ينحاز إلى أحد الأطراف، مع ما يحمله ذلك من مخاطر فقدان التوازن الذي سعى إلى بنائه؟

في النهاية، تبدو أنقرة وقد اختارت الدخول في لعبة عالية المخاطر، حيث تتداخل الطموحات الاقتصادية مع الحسابات الأمنية، وتتحول الجغرافيا إلى ساحة تنافس مفتوح. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس فقط ما إذا كانت تركيا قادرة على إدارة هذا التوازن، بل ما إذا كان رهانها في القرن الأفريقي سيصمد أمام فوضى متصاعدة — أم أنه سيتلاشى في خضمّها.

  • إلفاضل إبراهيم هو كاتب ومحلل سياسي سوداني يُغطي شؤون الشرق الأوسط وأفريقيا، مع التركيز على السودان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى