عهد مُجتبى بين تقدُّمِ البندقية وتراجُعِ العمامة!

هُدى الحُسَيني*

قد تستمر إيران في تقديم نفسها بوصفها “جمهورية إسلامية”، لكن ملامحها الفعلية باتت تُشير إلى واقعٍ مختلف يتشكّل بهدوء خلف الواجهة العقائدية. فانتخاب مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى جديدًا لا يمكن قراءته باعتباره مجرّد انتقالٍ طبيعي للسلطة داخل بنية دينية، بل يعكس لحظةً مفصلية في مسارٍ طويل من التحوّل؛ حيث تراجعت سلطة الفقهاء تدريجًا لمصلحة مؤسسة عسكرية أمنية باتت تُمسِكُ بخيوط القرار الحقيقي.

هذا التحوُّل لم يكن مفاجئًا، بل جاء نتيجة تراكُمٍ بطيء امتدَّ لسنوات. فمنذ وقت مبكر، بدأ “الحرس الثوري” التمدُّد داخل مفاصل الدولة، مُستفيدًا من الأزمات المتلاحقة، من العقوبات الاقتصادية إلى التوترات الإقليمية، وصولًا إلى الاحتجاجات الداخلية. ومع كلِّ محطة، كان دوره يتعزّز، ليس فقط بوصفه قوّةً عسكرية، بل فاعلٌ اقتصادي وسياسي وأمني، إلى أن بات اليوم أشبه بعمود النظام الفقري، لا مجرّد ذراعٍ من أذرعه.

في هذا السياق، يبدو صعود مجتبى خامنئي أقرب إلى نتيجة توازنات داخلية دقيقة منه إلى تعبيرٍ عن شرعيةٍ دينية خالصة. فالرجل لا يأتي محمَّلًا برصيدٍ فقهي استثنائي، بقدر ما يأتي مدعومًا من شبكة نفوذ ترى فيه الخيار الأنسب لمرحلةٍ حساسة. مرحلة لا يريد فيها “الحرس الثوري” كسر الشكل الديني للنظام، لكنه يسعى في الوقت نفسه إلى تثبيت سلطة فعلية لا تنازعه فيها أي مؤسّسة أخرى.

لقد قامت الجمهورية الإسلامية، منذ نشأتها، على معادلة دقيقة تجمع بين الدين والثورة، بين المرجعية الدينية والقوّة المسلّحة. وكان المرشد الأعلى هو نقطة الالتقاء بين هذين البُعدين. غير أنَّ هذه المعادلة بدأت تختلُّ تدريجًا، مع انتقال مركز الثقل من العمامة إلى البندقية، ومن الفقه إلى الأمن، ومن الخطاب العقائدي إلى منطق السيطرة والبقاء.

ومع مرور الوقت، لم يَعُد القرار النهائي يُصاغ في دوائر الفقه، بل في غرفٍ مُغلَقة تحكمها حسابات القوة والاستقرار. ولم تَعُد الأولوية لتوسيع الشرعية الشعبية، بل لضمان تماسك النظام ومنع أيّ تصدُّع داخلي قد يُهدّد بُنيته. وفي هذا الإطار، يصبح وجود مرشد يحمل اسمًا وازنًا، لكن بصلاحياتٍ مضبوطة، خيارًا مثاليًا لتأمين الغطاء اللازم من دون إعاقة مركز القرار الحقيقي.

اللافت أنَّ هذا التحوُّل لا يُعلِن نفسه صراحة، بل يتم تحت سقف البنية القائمة. فالمؤسسات الدستورية لا تزال قائمة، واللغة الدينية لا تزال حاضرة، والشعارات الثورية لم تختفِ. لكن خلف هذا كله، يتشكّل نظام مختلف في جوهره، نظام أكثر انغلاقًا، وأكثر اعتمادًا على أدوات الضبط، وأقل استعدادًا للتنازل أو الانفتاح.

ومع صعود “الحرس الثوري” إلى موقع القوة الأولى، تتبدّل طبيعة الدولة نفسها. فبدل أن تكون ساحة توازن بين تيارات متعددة تتحوّل إلى جهازٍ مركزي شديد الانضباط؛ يرى في المجتمع مجالًا للمراقبة، وفي الاقتصاد موردًا للسيطرة، وفي السياسة الخارجية امتدادًا للأمن الداخلي. وهنا، تصبح الحدود بين الداخل والخارج أكثر تداخلًا، لأنَّ منطق الأمن يطغى على كلِّ ما سواه.

هذا المسار ينعكس مباشرة على سلوك إيران الخارجي. فكلما تعزّز حضور المؤسسة العسكرية، تراجعت فرص المرونة السياسية، وارتفعت حدة المقاربة الأمنية. وهذا لا يعني بالضرورة اندفاعًا دائمًا نحو المواجهة، لكنه يعني أنَّ قرارات الحرب والسلم ستُقاس أكثر بميزان القوة، وأقل بميزان التكلفة السياسية أو الاقتصادية.

وفي الداخل، لا يبدو أنَّ النظام يتجه نحو تخفيف قبضته، بل على العكس، قد يجد في التحديات المتزايدة مبرِّرًا إضافيًا لتعزيز سيطرته. فكلُّ أزمةٍ تُستَخدَم لتأكيد الحاجة إلى قبضةٍ أقوى، وكلُّ احتجاجٍ يُقدَّم بوصفه تهديدًا وجوديًا، وكلُّ ضغطٍ خارجي يُحوََّل إلى دليلٍ على ضرورة التماسك الداخلي. وهكذا، يدخل النظام في حلقة مغلقة تُغذّي نفسها بنفسها.

ومع ذلك، فإنَّ هذا النموذج يحمل في داخله مفارقة عميقة، فكلما ازداد اعتماد النظام على القوة، تراجعت قدرته على إنتاج شرعية مقنعة، وكلما ضاقت مساحات التعبير، تراكمت الضغوط تحت السطح. وهذا لا يعني انهيارًا وشيكًا، لكنه يشير إلى هشاشة كامنة قد تظهر في لحظة غير متوقعة، حين تتقاطع الأزمات الداخلية مع الضغوط الخارجية.

إضافةً إلى ذلك، فإنَّ التحوُّلَ نحو هيمنة المؤسسة العسكرية قد يُغيّر طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع. فبدل أن تقوم هذه العلاقة على نوعٍ من التعاقد الضمني، تصبح أقرب إلى علاقة ضبط وإدارة؛ حيث يُنظر إلى المجتمع بوصفه مجالًا يجب التحكُّم فيه لا شريكًا في القرار. وهذا التحوُّل، وإن كان يمنح النظام قدرة أعلى على السيطرة في المدى القصير، فإنه قد يُضعِفُ تماسكه في المدى البعيد.

كما إنَّ تركيز السلطة في يد مؤسسة واحدة يحمل مخاطر إضافية، أبرزها تضييق هامش النقاش الداخلي داخل النخبة الحاكمة نفسها. فعندما تتراجع التوازنات، تقل القدرة على تصحيح الأخطاء، ويصبح القرار أكثر عرضة للانغلاق، وهو ما قد يؤدي إلى خيارات أكثر حدة وأقل مرونة في مواجهة الأزمات.

في المحصّلة، لا تُغادر إيران اسم “الجمهورية الإسلامية”، لكنها تُعيد تعريفه من الداخل. فالدين يبقى إطارًا، لكنه لم يَعُد المُحَدِّد الوحيد للسلطة. والمرشد يبقى رمزًا، لكنه قد لا يكون مركز القرار. أما القوة الفعلية، فتتجه بثبات نحو مؤسسة عسكرية أمنية نجحت في الصعود التدريجي إلى قلب النظام، من دون أن تهدم شكله التقليدي.

وهكذا، قد يكون عهد مجتبى خامنئي بداية مرحلة جديدة، لا يُلغى فيها الدور الديني، بل يُعاد توظيفه ضمن معادلة مختلفة، تتقدّم فيها البندقية خطوة إلى الأمام، فيما تتراجع العمامة خطوة إلى الخلف، من دون أن تختفي من المشهد. وفي ظلِّ هذا التوازن الجديد، قد تجد إيران نفسها أمام اختبار طويل بين قدرة النظام على الصمود، وقدرته في الوقت نفسه على التكيّف مع عالم يتغير بسرعة أكبر مما تسمح به بنيته المغلقة.

  • هُدى الحُسَيني هي صحافية وكاتبة سياسية لبنانية، تعملُ في صحيفة “الشرق الأوسط” السعودية. عملت سابقًا في صحفٍ ومجلّات عدّة منها: “الأنوار” في بيروت، و”النهار العربي والدولي” و”الوطن العربي” في باريس، و”الحوادث” و”الصياد” في لندن. غطّت حربَ المجاهدين في أفغانستان، والثورة الإيرانية، والحرب الليبية-التشادية، وعملية “الفالاشا” في السودان وإثيوبيا، وحرب الخليج الأولى. حاورت زعماءَ دول عربية وأجنبية عديدين بينهم الإمام روح الله الخميني (الذي رافقته على الطائرة التي نقلته من باريس إلى طهران)، والملك الحسن الثاني، والملك حسين، والرؤساء أنور السادات، صدام حسين، ياسر عرفات، جعفر النميري، وعيدي أمين …
  • يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” توازيًا مع صدوره في صحيفة “الشرق الأوسط” السعودية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى