بين قرار الدولة وسلاح “حزب الله”: هل يُدفَعُ الجيش اللبناني إلى معركةٍ خاسرة؟
بين ضغوط الداخل وتصعيد الخارج، يقف الجيش اللبناني أمام اختبارٍ مصيري يتجاوز قدراته الفعلية. فهل المطلوب حماية الدولة… أم زجّها في مواجهةٍ قد تُسقِطُ ما تبقّى منها؟

مايكل يونغ*
في الثاني من آذار (مارس)، دخل لبنان مُجَدَّدًا في دائرة التصعيد العسكري، بعدما أطلق “حزب الله” صواريخ باتجاه إسرائيل، في خطوة تشير معطيات عديدة إلى أنها جاءت في سياق قرار إيراني يتجاوز الساحة اللبنانية. وفي موازاة ذلك، أعلنت الحكومة اللبنانية أنّ الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب تُعدّ غير قانونية، في موقف يعكس محاولة رسم حدود واضحة بين الدولة ومراكز القوة خارجها. غير أنَّ هذا الإعلان سرعان ما اصطدم بالواقع، إذ أبلغ قائد الجيش، العماد رودولف هيكل، رئيس الحكومة نوّاف سلام، بعدم قدرة المؤسسة العسكرية على تنفيذ القرار في ظل الإمكانات المتاحة، ما وضع الجيش أمام معادلة شديدة التعقيد بين القرار السياسي والقدرة التنفيذية.
هذا التبايُن بين التوجُّه الحكومي والواقع الميداني فجّر موجة انتقادات طالت قيادة الجيش، حيث اعتبر البعض أنّ هيكل يفتقر إلى الحزم في التعامل مع “حزب الله”، فيما ذهب آخرون إلى حد المطالبة باستقالته. إلّا أنَّ هذه المقاربة تختزل مسألة شديدة التعقيد في بُعدها الشخصي، مُتجاهلةً طبيعة التوازُنات الداخلية. فملف نزع سلاح “حزب الله”، الذي يمتلك بنية عسكرية واسعة وقاعدة اجتماعية راسخة، لا يمكن اختزاله بمستوى الجرأة الفردية، بل يرتبط بحسابات سياسية وأمنية عميقة، ما يجعل طرحه بهذه البساطة أمرًا ينطوي على قدرٍ من التبسيط المُضلّل.
سوابق الداخل: دروسٌ مُكلفة من تاريخ المواجهات
في هذا السياق، يبدو تردد قائد الجيش مفهومًا إلى حدٍّ بعيد، إذ يعكس إدراكًا دقيقًا لقدرات المؤسسة العسكرية وحدودها، فضلًا عن خبرة متراكمة في التعامل مع تجارب سابقة لم تكن نتائجها مشجعة. فالذاكرة العسكرية اللبنانية لا تزال تحتفظ بسوابق مواجهة مع ميليشيات مسلحة، أبرزها ما جرى عام 1984، عندما حاول الجيش فرض سيطرته على الضاحية الجنوبية لبيروت في مواجهة ميليشيات حركة “أمل”. غير أنّ تلك العملية سرعان ما تعثرت، خصوصًا مع انزلاق القتال إلى قصف أحياءٍ مدنية، قبل أن تنتهي بانسحاب الجيش من غرب بيروت تحت ضغط الميليشيات، في تجربة تركت آثارًا عميقة على مقاربة المؤسسة العسكرية لمثل هذه المواجهات.
ولا تقتصر سوابق المواجهة الداخلية على تلك المرحلة، إذ شهد عام 1990 صدامًا دمويًا بين وحدات مسيحية من الجيش (بقيادة العماد ميشال عون) وميليشيا “القوات اللبنانية”، سرعان ما تحوّل إلى حالة جمود طويلة الأمد خلّفت خسائر بشرية كبيرة، معظمها في صفوف المدنيين. وتؤكد هذه التجارب المتراكمة أنَّ انخراط الجيش اللبناني، بوصفه مؤسسة وطنية متعددة الطوائف ومهمتها الأساسية حماية البلاد من التهديدات الخارجية، في نزاعات داخلية مع مكوّناتٍ من مجتمعه، غالبًا ما يؤدي إلى نتائج كارثية تتجاوز الأهداف المُعلَنة لأيِّ عملية عسكرية.
وفي حال اتجه الجيش نحو خيار نزع سلاح “حزب الله” بالقوة، فإنَّ ذلك يفتح الباب أمام إشكاليتين أساسيتين. الأولى تتعلّقُ بمسألة الحسم العسكري، إذ إنَّ أيَّ مُواجهة لا تضمن تحقيق نصرٍ واضح وسريع قد تنقلب إلى نتيجةٍ عكسية. وفي ظلِّ غياب هذا الضمان، فإنَّ الفشل أو حتى التراجع الجُزئي من شأنه أن يضرب مصداقية الدولة في الصميم، ويُكرِّس واقعًا يظهر فيه “حزب الله” كقوة قادرة على فرض إرادتها على بقية مكوّنات المجتمع اللبناني.
أما الإشكالية الثانية، فتتصل بالبُعد الاجتماعي والسياسي للصراع. ففي توقيت يتّسم بحالة من الصدمة والاضطراب داخل البيئة الشيعية، نتيجة القصف الإسرائيلي وعمليات النزوح القسري من مناطق واسعة في الجنوب وضاحية بيروت الجنوبية، قد يُفَسََّرُ أيُّ تحرُّك عسكري ضد “حزب الله” على أنه استهدافٌ مباشر لهذا المكوّن. ومن شأن ذلك أن يدفع شريحة واسعة من هذا المجتمع إلى الالتفاف حول الحزب، ما يزيد من تعقيد المشهد ويضع الجيش في مواجهة بيئة حاضنة، وليس مجرّد تنظيمٍ مسلح.
وعلى المستوى العسكري البحت، ورغم امتلاك الجيش اللبناني وحدات عالية التدريب، بما في ذلك قوات خاصة يُقدّر عديدها بين سبعة وثمانية آلاف عنصر، إضافة إلى وحدات تدخُّل نوعية، إلّا أنَّ ميزان القوى لا يميل بالضرورة لصالحه في مواجهة تنظيم يتمتع بانتشار واسع في الجنوب والبقاع، ويستند إلى قاعدة شعبية تشعر بالتهديد والقلق. وفي ظل هذه المعطيات، تبدو أيُّ مقاربة عسكرية مباشرة محفوفة بمخاطر استراتيجية تفوق بكثير ما قد تحققه من مكاسب محتملة.
إلى ذلك، كشفت المواجهات الأخيرة بين “حزب الله” وإسرائيل عن مستوى من الجهوزية العسكرية لدى الحزب فاق التقديرات السابقة، ما أعاد رسم صورة توازن القوى على الأرض. وتدعم هذه الخلاصة معطيات ميدانية وتقارير دولية، من بينها ما أوردته وكالة “رويترز”، التي أشارت إلى أنّ إيران كثّفت دعمها للحزب منذ وقف إطلاق النار في تشرين الثاني (نوفمبر) 2024، سواء عبر تزويده بالأسلحة أو من خلال تمويل منتظم يُقدّر بنحو 50 مليون دولار شهرياً لتغطية رواتب المقاتلين. وفي المقابل، يبدو أنّ الأصوات المطالبة بقيام الجيش اللبناني بنزع سلاح “حزب الله” تتجاهل واقع المؤسسة العسكرية نفسها، التي لا تزال تعاني من تداعيات الانهيار الاقتصادي الحاد بين العامين 2019 و2020، وما تركه من آثار عميقة على قدراتها اللوجستية والمعنوية.
خياراتٌ محفوفة بالمخاطر: بين التحرُّك والتورّط
في ظلِّ هذه المعطيات، يبرز سؤال جوهري: هل يستطيع الجيش أن يلتزم موقع المتفرّج؟ خصوصًا في وقت تتحدث إسرائيل عن نيات لاحتلال مناطق على طول الحدود الجنوبية، وربما الإبقاء عليها إلى حين تحقيق هدف نزع سلاح “حزب الله”. من الصعب اعتبار الحياد خيارًا واقعيًا في مثل هذا السياق، لكن ذلك لا يعني بالضرورة الانزلاق إلى مواجهة مباشرة. وهنا تحديدًا تكمن المُعضِلة التي يواجهها قائد الجيش، بين ضرورة التحرُّك ومخاطر التورُّط.
ضمن هذا الهامش الضيِّق، قد يكون أحد الخيارات المُتاحة أمام الجيش هو اعتماد مقاربة مرنة تستند إلى متابعة مسار الاشتباك بين إسرائيل و”حزب الله”، واستثمار التحوُّلات الميدانية بدل مواجهتها مباشرة. ويشمل ذلك، على سبيل المثال، الانتشار في المناطق التي قد يخليها الحزب في الجنوب، ربما بالتنسيق مع أطراف دولية كقوات الأمم المتحدة العاملة في لبنان، بهدف تثبيت حضور الدولة ومنع إعادة ملء الفراغ من قبل أيِّ جهةٍ مسلحة.
وفي هذا السياق، تبرز مفارقة لافتة تتعلق بالأداء العسكري جنوب نهر الليطاني. فعلى الرغم من الانتقادات التي وُجِّهَت إلى الجيش بشأن إزالة أو ضبط سلاح “حزب الله” في تلك المنطقة، تشير الوقائع—والتي تقرُّ بها إسرائيل نفسها—إلى أنَّ الجُزءَ الأكبر من الهجمات الصاروخية انطلق من شمال الليطاني. ما يوحي بأنَّ الجهود التي بذلها الجيش في نطاق انتشاره كانت، إلى حدٍّ ما، فعّالة، ولو ضمن حدود الإمكانات المُتاحة والقيود المفروضة عليه.
إلى جانب ذلك، يمكن للجيش اللبناني أن يسعى إلى تعزيز انتشاره على طول خطوط الإمداد الحيوية الممتدة بين سهل البقاع والجنوب، في محاولةٍ للحدِّ من تدفُّق الأسلحة إلى مقاتلي “حزب الله” في المناطق الحدودية. غير أنَّ هذا الخيار، على الرُغم من وجاهته من الناحية النظرية، يزداد تعقيدًا مع احتدام المواجهات، وقد يُعرِّضُ المؤسسة العسكرية لاتهامات داخلية بالتواطؤ أو بتقديم خدمة غير مباشرة لإسرائيل. إلّا أنَّ هذا الجدل لا يلغي حقيقة أساسية، وهي أنَّ دورَ الجيش، بحُكمِ تكوينه ووظيفته، يبقى مُرتبطًا أوّلًا وأخيرًا بقرارات الدولة اللبنانية، التي أعلنت بوضوح عدم شرعية العمليات العسكرية الخارجة عن إطارها.
في موازاة ذلك، يبرز دور رئيس مجلس النواب نبيه بري كعاملٍ حاسم في إدارة هذا التوازن الدقيق. فبصفته الشخصية الشيعية الأبرز في النظام السياسي، يمتلك برّي موقعًا فريدًا يؤهّله للتأثير في اتجاهات الرأي داخل بيئته. ومن هذا المنطلق، تبدو مسؤوليته مضاعفة في إدراك حجم التداعيات التي خلّفتها الحرب مع إسرائيل—من دمار واحتلال—على مجتمعه، والعمل على الدفع نحو مقاربة تُخفّف من حدّة الانزلاق المستمر. ورُغمَ حساسية العلاقة مع “حزب الله” وحدودها، يبقى بإمكانه الإسهام في بلورة حد أدنى من التوافق الوطني حول دعم الجيش وتعزيز موقعه.
في المحصّلة، لا تُشكّل هذه الخيارات حلولًا حاسمة أو وصفات جاهزة للخروج من الأزمة، بقدر ما تُمثّل محاولات لتفادي الأسوَإِ. أما الرهان على دفع الجيش نحو مواجهة مباشرة مع “حزب الله”، انطلاقًا من ضغوطٍ سياسية أو إعلامية، فينطوي على قدرٍ كبير من المجازفة، لا سيما في ظلِّ غياب ضمانات النجاح. فمثل هذا السيناريو قد لا يؤدي إلّا إلى إضعاف المؤسسة العسكرية، ومعها ركائز الدولة اللبنانية نفسها، وهو مسارٌ لا يخدم في نهاية المطاف سوى الجهات التي تسعى إلى ترسيخ واقع الانقسام وتعميق هشاشة الدولة: إيران و”حزب الله”.
- مايكل يونغ هو مُحرّرٌ كبير في مركز مالكولم كير كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيثُ يرأس تحرير مدوّنة “ديوان” التابعة للمركز. وهو كاتب رأي في الشؤون اللبنانية في صحيفة “ذا ناشيونال” الإماراتية، ومؤلف كتاب “أشباح ساحة الشهداء: رواية شاهد عيان عن كفاح لبنان في الحياة” (دار سايمون وشوستر، 2010)، الذي اختارته صحيفة “وول ستريت جورنال” كواحدٍ من الكتب العشرة البارزة لعام 2010. يُمكن متابعته عبر منصة (X) على: @BeirutCalling
- كُتِبَ هذا المقال بالإنكليزية وترجمه إلى العربية قسم الدراسات والأبحاث في “أسواق العرب”.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.