إذا أَلغَت إسرائيل الاتفاقَ البحري… فليُطالِب لبنان بإحداثيات 17 أيار 1983

في ظل التشكيك الإسرائيلي بالاتفاق البحري، تعود وثائق منسية لتطرح سؤالًا حاسمًا: هل يمتلك لبنان أوراقًا أقوى مما يَعرضه اليوم؟

الرئيس جوزيف عون وحكومته أمام تحدٍّ كبير: ماذا لو ألغت إسرائيل اتفاق الحدود البحرية من جانبٍ واحد؟

السفير الدكتور بسام النعماني*

في خضمّ الجدل المتجدّد حول ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، برز موقف لافت لوزير الطاقة الإسرائيلي، المعني مباشرة بملف الغاز والطاقة، وبالتالي بالشقّ الأساسي من الاتفاق البحري الموقّع بين الجانبين في 10 تشرين الأول (أكتوبر) 2022. إذ اعتبر الوزير أخيرًا أنّ الاتفاق ينطوي على إجحاف بحق إسرائيل، داعيًا إلى إلغائه، في خطوةٍ تعكس تحوّلًا في الخطاب السياسي الإسرائيلي حيال التفاهم الذي تمّ التوصل إليه بوساطة دولية.

في المقابل، سارع عدد من الخبراء القانونيين إلى التشديد على صعوبة الإقدام على خطوة كهذه، مستندين إلى قواعد القانون الدولي التي تفرض احترام المعاهدات والمواثيق الدولية وعدم التنصّل منها بشكل أحادي. غير أنَّ هذا الطرح يثير تساؤلات مشروعة حول مدى فاعلية هذه القواعد في الواقع السياسي، خصوصًا في ضوء سوابق دولية بارزة، من بينها انسحاب الولايات المتحدة في ولاية الرئيس دونالد ترامب الأولى من الاتفاق النووي مع إيران، رُغمَ كونه اتفاقًا أبرمته إدارة سابقة. وهو ما يطرح إشكالية أعمق تتعلّق بحدود إلزامية القانون الدولي عندما تتعارض مع المصالح السياسية للدول.

انطلاقًا من هذه المعطيات، أُطرحُ خيارَ العودة إلى مرجعيات سابقة في تحديد الحقوق البحرية، ولا سيما الإحداثيات الواردة في اتفاق 17 أيار (مايو) 1983، حيث أقرت إسرائيل واعترفت آنذاك بانطلاق المياه الإقليمية اللبنانية من رأس الناقورة باتجاه الغرب، مع انحناءة طفيفة نحو الجنوب لضمّ بعض الجزر الصغيرة، ولمسافة تقارب ثمانية كيلومترات داخل البحر. وتكمن أهمية هذا الطرح في أنّ هذا الخط يقع جنوب الخط الذي اقترحه الوسيط الأميركي آموس هوكستين في إطار المفاوضات الأخيرة.

في المقابل، تبدو إسرائيل اليوم وكأنها تدفع باتجاه إعادة رسم الحدود وفق مقاربة تصفها بـ”الأكثر عدالة”، من خلال التقدّم شمالًا نحو النقطة رقم 1، التي سبق أن اتفقت عليها مع قبرص في 17 كانون الأول (ديسمبر) 2010. بل إنَّ بعض الطروحات الإسرائيلية يذهب أبعد من ذلك، مستحضرًاً خطوطًا سبق طرحها خلال المفاوضات مع الوفد العسكري اللبناني عام 2011، عندما طالب لبنان بالنقطة 29، حيث جرى آنذاك التداول بخطٍّ يصل إلى النقطة 310 درجات، بما يوازي تقريبًا السواحل المقابلة للعاصمة بيروت كحد أقصى.

وبين هذه الطروحات المتباينة، تتّضح معالم صراع مفتوح على تفسير الحدود والمرجعيات القانونية، في ظل تداخل الحسابات السياسية مع الاعتبارات التقنية والقانونية، ما يجعل من ملف الترسيم البحري ساحة مستمرة للتجاذب، تتجاوز في أبعادها الإطار القانوني البحت إلى رهانات استراتيجية أوسع تتعلق بثروات الطاقة في شرق المتوسط.

وكان الوزير اللبناني الأسبق للإعلام، محمد عبيد، قد أعاد قبل نحو عامين تسليط الضوء على هذه المسألة، حين أشار إلى أنّ اتفاق 17 أيار (مايو) 1983 منح لبنان حقوقًا بحرية أوسع مما تضمّنه الاتفاق الذي صاغه الوسيط الأميركي آموس هوكستين. غير أنّ هذا الطرح لم يلبث أن أثار جدلًا إعلاميًا واسعًا، إذ سارع بعض الصحافيين والمحللين إلى التشكيك في دقته، نافين أساسًا أن يكون الاتفاق المذكور قد تضمّن أي إحداثيات بحرية واضحة. وبين الأخذ والرد، سرعان ما خفت النقاش واختفى من التداول، من دون أن يُحسم بشكلٍ علمي أو يُعاد فتحه على أسس توثيقية دقيقة.

لفهم خلفية هذا الجدل، لا بد من العودة إلى سياق اتفاق 17 أيار (مايو) 1983 نفسه، الذي تم التوصل إليه في منطقة خلدة برعاية أميركية، عقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 ووصول القوات الإسرائيلية إلى بيروت. وقد شكّل الاتفاق آنذاك محاولة لتنظيم انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، مقابل ترتيبات سياسية وأمنية واقتصادية معقّدة، عكست موازين القوى السائدة في تلك المرحلة.

وفي إطار تثبيت هذا الاتفاق وتوثيقه، سارعت وزارتا الخارجية والإعلام في لبنان إلى إصدار ما عُرف بـ”الكتاب الأبيض” تحت عنوان “وثائق اتفاق جلاء القوات الإسرائيلية”، وذلك في الشهر نفسه. ويُعدّ هذا النوع من الإصدارات أداة رسمية تعتمدها الحكومات لتوثيق الاتفاقيات الدولية، إذ يتضمّن نسخًا أصلية من الوثائق الديبلوماسية، ويهدف إلى تقديم عرض دقيق وموثّق لبنود التفاهمات التي تمَّ التوصُّل إليها مع الأطراف الخارجية.

إلّا أنّ الإشكالية التي أُثيرت لاحقًا تتمحور حول ما إذا كان هذا “الكتاب الأبيض” يتضمّن فعلًا إشارات صريحة إلى حدود أو إحداثيات بحرية يمكن البناء عليها اليوم في سياق النزاع الحدودي، أم أنّ تلك القراءة تمثّل اجتهادًا تفسيريًا يتجاوز النصوص الأصلية. وبين هذين الاحتمالين، يبقى النقاش مفتوحًا على ضرورة العودة إلى الوثائق الأصلية وتحليلها بمنهجية قانونية وتقنية دقيقة، بعيدًا من السجالات الإعلامية العابرة.

وبالعودة إلى “الكتاب الأبيض” الصادر عن الحكومة اللبنانية في أيار (/مايو) 1983، تبرز معطيات لافتة في الصفحة 36 منه، حيث أُدرج ملحق خاص بالترتيبات الأمنية، يتناول جملة من المسؤوليات التي كان يُفترض أن تضطلع بها المؤسسات اللبنانية، وفي مقدّمها سلاح البحرية.

ضمن هذا الإطار، تشير الفقرة 2-ز إلى مهمة واضحة تتمثل في منع تسلل سفن يُشتبه بها عبر المياه الإقليمية اللبنانية باتجاه إسرائيل، على أن يتم ذلك من خلال تنسيق مباشر بين الجانب اللبناني والبحرية الإسرائيلية. ويعكس هذا البند طبيعة الترتيبات الأمنية التي كانت مطروحة آنذاك، والتي تجاوزت الإطار السيادي التقليدي نحو أشكال من التعاون الميداني المرتبط بالظروف السياسية والأمنية لتلك المرحلة.

غير أنَّ الأهمية الأبرز تكمن في ما ورد ضمن البند 1 من الفقرة نفسها، حيث جرى تحديد ما سُمّي بـ”مربع” المياه الإقليمية اللبنانية، عبر أربع نقاط جغرافية مرفقة بإحداثيات دقيقة. وهذا التفصيل يكتسب دلالة خاصة في النقاش الحالي، إذ يوحي بوجود توصيف تقني واضح للنطاق البحري اللبناني ضمن وثيقة رسمية، ما يفتح الباب أمام إعادة قراءة هذه المعطيات في ضوء النزاع الحدودي الراهن.

وعليه، فإن الإشارة إلى هذه الإحداثيات، إن ثبتت دقتها وقابليتها للاعتماد القانوني، قد تشكّل أحد المرتكزات التي يمكن الاستناد إليها في إعادة تقييم مسار الترسيم البحري، بعيدًا من المقاربات التي انحصرت في السنوات الأخيرة ضمن الأطر التفاوضية المستجدة.

وعند إسقاط هذه الإحداثيات على خرائط حديثة ومعتمدة (كما تبين الخريطة أدناه)، تتكشف دلالات لافتة تتجاوز البعد التاريخي للنصوص. إذ يظهر بوضوح أنّ نطاق المياه الإقليمية اللبنانية، وفق ما ورد في وثائق عام 1983، يقع جنوب الخط الذي اقترحه الوسيط الأميركي آموس هوكستاين، كما يتموضع أيضًا جنوب الخط الذي سعت إسرائيل إلى تكريسه خلال مفاوضات الترسيم، والذي يمتد نحو النقطة رقم 1 التي اتفقت عليها مع قبرص عام 2010.

ويكتسب هذا التباين أهمية إضافية عند استحضار مسار التفاوض التقني الذي جرى في السنوات الأخيرة. فعندما طرح الوفد العسكري اللبناني اعتماد النقطة 29 كنقطة انطلاق لترسيم الحدود—وهي نقطة تتقاطع عمليًا مع الامتداد البحري الذي تعكسه معطيات اتفاق 17 أيار (مايو)—سارع الجانب الإسرائيلي إلى التصعيد عبر التلويح بخطٍّ بديل يحمل النقطة 310 درجات، يمتد باتجاه الشمال بشكل يوازي تقريباً السواحل المقابلة للعاصمة بيروت.

هذا الطرح، في حال الأخذ به، لا يقتصر على إعادة رسم الحدود فحسب، بل يعكس توجهًا نحو توسيع النطاق البحري الإسرائيلي على حساب المجال اللبناني إلى حدوده القصوى. إذ إن الاستمرار في هذا المنحى كان من شأنه، وفق القراءة اللبنانية، أن يدفع الخطوط المقترحة إلى مستويات أبعد شمالًا، بما يهدد فعليًا بتقليص، أو حتى خنق، المجال الحيوي للمنطقة الاقتصادية الخالصة اللبنانية.

وبين هذه الخطوط المتنافسة، تتبدى صورة نزاع يتجاوز مجرد اختلاف تقني على إحداثيات، ليعكس صراعًا مفتوحًا على تفسير الوقائع القانونية والتاريخية، وعلى إعادة رسم التوازنات في شرق المتوسط بما يتناسب مع المصالح الاستراتيجية لكل طرف.

وعليه، فإن إعادة قراءة هذه الإحداثيات في ضوء الخرائط الحديثة لا تبدو مجرّد تمرين تقني، بل تكشف عن مفارقة جوهرية في مسار الترسيم. إذ يتبيّن أنّ ما يُعدّ اليوم “تنازلًا” أو “حلًّا وسطًا” قد يكون، في ضوء وثائق سابقة، أقل مما كان متاحًا للبنان في مراحل تاريخية مختلفة. فالمياه الإقليمية كما عكستها معطيات عام 1983 تتموضع جنوب الخط الذي اقترحه هوكستين، بل وحتى جنوب الخط الذي طالبت به إسرائيل نفسها في مراحل تفاوضية سابقة وصولًا إلى النقطة رقم 1.

ويزداد هذا التناقض وضوحًا عند استحضار مجريات التفاوض غير المباشر، حيث أظهر الطرح اللبناني عند النقطة 29 انسجامًا لافتًا مع تلك المعطيات التاريخية، قبل أن يقابل بتصعيد إسرائيلي تمثّل في طرح خط بزاوية 310 درجات، يمتد شمالًا بمحاذاة الساحل اللبناني، وصولًا إلى تخوم بيروت. وهو طرح، في دلالاته الاستراتيجية، يتجاوز مسألة الترسيم إلى محاولة إعادة تشكيل المجال البحري اللبناني برمّته.

في المحصلة، لا يبدو النزاع البحري القائم مجرد خلاف على خطوط أو إحداثيات، بل هو انعكاس لصراع أعمق على المرجعيات المعتمدة: بين وثائق تاريخية مهملة، ومقاربات تفاوضية حديثة، وضغوط سياسية متشابكة. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى مقاربة لبنانية أكثر تماسكًا، تستند إلى قراءة دقيقة لكل المعطيات المتاحة—التاريخية والقانونية والتقنية—بما يحفظ الحقوق ويمنع تآكلها تحت وطأة التسويات المرحلية.

ولهذا أقترح على الحكومة اللبنانية في حال نفذت إسرائيل وعيدها بإلغاء الإتفاق البحري، بأن تطالب بتطبيق الإحداثيات التي وردت في أتفاق 17 أيار (مايو) والتي سبق أن وافقت عليها إسرائيل آنذاك منذ 44 سنة. إلّا إذا كان الإسرائيليون يريدون إلغاء ما سبق ويعتبرونه “قديمًا … وعفا عليه الزمن”؟ وأنهم يعملون الآن على إعادة رسم خرائط الشرق الأوسط الجديد؟

  • السفير الدكتور بسام عبد القادر النعماني هو ديبلوماسي لبناني بارز، شغل مناصب سفير لبنان في دول عدة منها باكستان، السعودية، الكويت، وتونس، وعمل في بعثات واشنطن ولندن. تولى منصب الأمين العام لوزارة الخارجية اللبنانية بالوكالة (2007) وشارك في ملفات الحدود اللبنانية، وهو خبير سياسي يكتب ويحاضر في قضايا الحدود والديبلوماسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى