ليست حربًا… بل إعادة تشكيل العالم من بوّابة الخليج
الدكتور داوود البلوشي*
لم يعد السؤال المطروح في الخليج: مَن بدأ الحرب؟ بل أصبح السؤال الأعمق والأكثر خطورة: مَن كسر قواعد اللعبة بالكامل؟ ما نشهده اليوم لا يمكن اختزاله في مواجهة عسكرية تقليدية أو صراع محدود بين أطرافٍ متنازعة، بل هو تحوُّلٌ جوهري في طبيعة الصراع نفسه. لم تَعُد الحروب تُخاض لإضعاف الخصم فحسب، بل لإعادة تشكيل المنطقة. نحنُ أمامَ انتقالٍ واضح من صراعٍ جيوسياسي إلى حرب طاقة، ومن منطق الردع إلى الفوضى المفتوحة، ومن أزمة إقليمية إلى تحدٍّ يمسُّ النظام العالمي بأسره.
قبل اندلاع الحرب بساعات، كانت المؤشرات توحي بأنَّ المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران تقترب من تفاهم قد يخفف التوتر ويعيد ترتيب العلاقة بين الطرفين. لكن ما حدث في 28 فبراير لم يكن مجرد ضربة عسكرية، بل قرار سياسي بالانتقال من منطق التسوية إلى منطق الإكراه بالقوة. كان الرهان أن ضربة سريعة قد تفرض واقعًا جديدًا، وربما تفتح الطريق أمام قيادة إيرانية أكثر قابلية للقبول بالشروط المفروضة. إلّا أنَّ النتائج جاءت معاكسة؛ إيران لم تنهَر، بل دخلت مرحلة مقاومة مفتوحة، ما كشف خللًا في تقدير طبيعة الدولة الإيرانية وتعقيدها الداخلي والخارجي.
تُطرَحُ الحرب تحت عنوان “الدفاع عن النفس”، لكن عندما تأتي الضربة قبل أيِّ هجوم مباشر، وفي ظلِّ مسارٍ تفاوضي قائم، يصبح التساؤل مشروعًا: هل بات الخوف من المستقبل مُبرّرًا كافيًا لشنِّ الحروب؟ وإذا كان الأمر كذلك، فإنَّ العالم يدخل مرحلة خطيرة، حيث يُمكن لأيِّ دولة أن تُبرّر أيَّ مواجهة تحت عنوان “التهديد المحتمل”.
في هذا الإطار، تتقاطع مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، لكنها لا تتطابق بالضرورة. فإسرائيل تسعى إلى تثبيت هيمنتها الإقليمية عبر تحييد أو تدمير أي قوة منافسة، وتعتبر إيران في صلب هذا التهديد. أما الولايات المتحدة، فتركّز على الحفاظ على موقعها العالمي وهيبتها في نظامٍ دولي يتجه نحو التعددية. غير أنَّ هذا التقاطع قد يتحوّل إلى مسارٍ استنزافي، حيث تجد واشنطن نفسها عاجزة عن تحقيق نصرٍ سريع، وغير قادرة في الوقت نفسه على الانسحاب من دون خسارة، أو تحمُّل كلفة حرب طويلة سياسيًا واقتصاديًا، فتتحوّل من إدارة الصراع إلى إدارة الفوضى.
أما دول الخليج، فقد انتقلت من هامش الصراع إلى قلبه. لم تكن طرفًا في إشعال الحرب، لكنها أصبحت من أبرز المتأثرين بها. فالقواعد العسكرية التي يُفترض أن توفّر الحماية لم تمنع انتقال التوتر، بل جعلت المنطقة جُزءًا من معادلة الرد. وهنا يبرز السؤال الحرج: هل المظلة الأمنية تُمثّل ضمانة حقيقية، أم أنها قد تتحوّل في بعض الأحيان إلى سببٍ للانكشاف؟
التحوُّل الأخطر في مسار الحرب جاء مع استهداف حقل “جنوب بارس”، وهو ما شكّل إعلانًا واضحًا لدخول الصراع مرحلة جديدة: استهداف الطاقة مباشرة. لم تعد الحرب تقتصر على الجيوش، بل امتدت إلى الاقتصاد. ولم تعد الصواريخ وحدها هي المؤشر، بل أصبحت أسعار النفط والغاز مقياسًا فعليًا للمعركة. وأيُّ اضطرابٍ في الخليج لم يعد شأنًا إقليميًا، بل يتحوّل فورًا إلى أزمة عالمية.
ورُغمَ الضربات، لم تختفِ إيران من المشهد، ولا يبدو أنَّ رهانَ انهيارها واقعي. فهي ليست مجرّد خصمٍ سياسي، بل عنصر ثابت في الجغرافيا والاستراتيجية. ومحاولة إسقاطها بالقوة قد لا تقود إلى الاستقرار، بل إلى فوضى أوسع، مع احتمال ظهور قوى غير قابلة للردع، وتحوُّل الصراع إلى حالةٍ يصعب احتواؤها.
في المقابل، اختارت قوى كبرى كالصين وروسيا البقاء خارج المواجهة المباشرة، في إطار حسابات دقيقة للمصالح. فهي لا ترغب في سقوط إيران، لكنها في الوقت نفسه لا تريد الانزلاق إلى حرب عالمية. حتى أوروبا، رُغمَ حاجتها للطاقة، فضّلت عدم الانخراط عسكريًا، إدراكًا منها أنَّ هذه المواجهة تهدد تدفق الطاقة أكثر مما تضمنه، وأنَّ أيَّ تصعيد في الخليج قد يقود إلى أزمة اقتصادية لا تستطيع تحمّلها. وهذا يعكس واقع النظام الدولي اليوم: لا تحالفات مطلقة، بل توازنات مرنة ومصالح متغيرة.
وسط هذا المشهد، تبدو إسرائيل في موقع المبادرة، لكنها تواجه تحديات عميقة، أبرزها الاعتماد المتزايد على الدعم الخارجي، واستنزاف مستمر، وتراجع في الشرعية الدولية، وعجز عن فرض سلام مستدام. وفي الوقت نفسه، حققت مكاسب تكتيكية، أهمها نقل مركز الاهتمام من القضية الفلسطينية إلى الأمن الإقليمي، حيث تراجع الحديث عن غزة لصالح خطاب “الأمن”. وهنا يظهر أحد أخطر التحوُّلات: حين تصبح الحرب أداة لإعادة ترتيب الأولويات العالمية، لا مجرد وسيلة لتحقيق أهداف عسكرية. فالتجربة تؤكد أنَّ الاحتلال لا يصنع استقرارًا، بل يؤجّل الانفجار.
يبقى السؤال الأكثر تعقيدًا: مَن المستفيد الحقيقي من هذه الحرب؟ الإجابة ليست بسيطة. فالمستفيد المباشر تكتيكيًا هي إسرائيل، عبر إضعاف خصم إقليمي وتحويل بوصلة الصراع، وفتح نقاشات حول مسارات طاقة بديلة. أما المستفيد غير المباشر، فهي القوى الكبرى القادرة على إعادة تشكيل أسواق الطاقة، إلى جانب شركات الطاقة العالمية، وقيادات سياسية تعزز موقعها الداخلي عبر إدارة الأزمات. في المقابل، يتحمّل الخليج كلفة اقتصادية وأمنية مباشرة، ويتأثر الاقتصاد العالمي، ويتآكل الاستقرار الإقليمي، بينما تتراجع القضية الفلسطينية.
إذا نظرنا إلى التاريخ، نجد أنَّ ما يحدث اليوم ليس جديدًا بالكامل. فمنذ اتفاقية سايكس–بيكو، أُديرت المنطقة وفق المصالح لا إرادة الشعوب. ومع اكتشاف النفط، أصبحت مركزًا استراتيجيًا عالميًا، حيث يعني التحكُّم بالطاقة التأثير في الاقتصاد الدولي. الحضور الأميركي في الخليج لم يكن وليد لحظة، بل جاء نتيجة تراكمات تاريخية، من الثورة الإيرانية عام 1979، إلى الحرب العراقية–الإيرانية، إلى غزو الكويت، وصولًا إلى أهمية الممرات النفطية. وقبل ذلك، كانت إيران نفسها حليفًا للغرب، قبل أن تتحوَّل إلى خصم. الدرس الثابت هو أنَّ التحالفات تتغيَّر، لكن المصالح تبقى.
اليوم، لا تُعاد رسم الحدود كما في الماضي، بل يُعاد رسم النفوذ عبر أدوات جديدة: الاقتصاد، الطاقة، التحالفات، وإدارة الصراعات. وهذا ما يجعل اللحظة الحالية مفصلية في تاريخ المنطقة.
وفي قلب هذه التحوُّلات، يقف الخليج أمام خيارٍ استراتيجي حاسم: إما الاستمرار في نموذج الاعتماد على الحماية الخارجية، بما يحمله من استقرار هش، أو التوجه نحو بناء منظومة أمن إقليمية أكثر استقلالًا، تقوم على التوازن والتعاون مع دول الجوار، بما فيها إيران والعراق. ورُغمَ صعوبة هذا المسار، وتعقيداته المرتبطة بالخلافات التاريخية والمذهبية واختلاف أنظمة الحكم، يبقى خيارًا مطروحًا.
لكن التحدّي الأكبر يتمثّل في مصالح القوى الكبرى. فالولايات المتحدة لا ترغب في فقدان نفوذها السياسي والعسكري والاقتصادي، بينما ترى إسرائيل في أيِّ تقارب إقليمي تهديدًا لمعادلة القوة القائمة. ومع ذلك، فإنَّ تقليل الاعتماد العسكري الخارجي قد يفتح آفاقًا أوسع للاستثمار في التكنولوجيا والتعليم والتجارة. فالحماية وفّرت الاستقرار… لكنها أعاقت تطور منظومة أمنية مستقلة.
ما يحدث اليوم ليس مجرّد حرب، بل إعادة تعريف لمفاهيم الأمن، والتحالف، والسيادة، بل وحتى معنى الحرب نفسها. حين يصبح الهجوم دفاعًا، والفوضى أداة للاستقرار، والقانون أداة انتقائية، فإننا أمام تحوُّلٍ في القواعد التي تحكم العالم.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل سيبقى الخليج ساحة تُدار من الخارج، أم يتحوّل إلى قوة قادرة على صياغة توازنها بنفسها؟
الحقيقة الصعبة أنَّ الخطر في هذه الحرب لا يكمن فقط في نتائجها، بل في احتمال تحولها إلى واقع مفروض، يدركه الجميع… لكن يختارون الصمت بدل مواجهته.
- الدكتور داوود البلوشي هو محام ومستشار قانوني عُماني. حاصل على الدكتوراه في القانون من جامعة السوربون. وهو أستاذ محاضر في جامعة السلطان قابوس في مسقط.



