إيران تَحتَرِق… لماذا تقفُ روسيا مَكتوفةَ الأيدي؟
بينما تتعرّضُ إيران لهجومٍ غير مسبوق وتواجه واحدة من أخطر أزماتها الأمنية منذ عقود، تلتزم موسكو الصمت شبه الكامل. هذا المشهد يطرح سؤالًا حادًا: إذا كانت روسيا حليفًا استراتيجيًا لطهران، فلماذا تقف مكتوفة الأيدي بينما إيران تحترق؟

ألكسندر غابويف ونيكول غراجيفسكي وسيرغي فاكولينكو*
في العام الماضي، وقّع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة، في خطوة قدّمتها موسكو وطهران على أنها تتويجٌ لمسارٍ طويل من التقارب السياسي والعسكري بين البلدين. ونصّت المعاهدة على التزام الطرفين بمعارضة أيِّ تدخُّلٍ خارجي في شؤونهما الداخلية أو سياساتهما الخارجية، وهو بندٌ عكس طموح القيادتين إلى إضفاء طابعٍ مؤسّسي على علاقاتٍ تعززت خلال السنوات الأخيرة في ظل الضغوط الغربية المتزايدة على كلٍ منهما.
غير أنَّ هذا الزخم السياسي سرعان ما واجه اختبارًا صعبًا عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومًا واسعًا على إيران في أواخر شباط (فبراير)، في ثاني مواجهة كبرى تتعرّض لها طهران خلال أقل من عام، بعد حرب الأيام الاثني عشر التي اندلعت في الصيف الماضي. ففي تلك اللحظة التي كان يُفترض أن تكشف عمق الشراكة الجديدة بين موسكو وطهران، بدا الموقف الروسي حذرًا إلى حدٍّ لافت.
اقتصر رد الكرملين على إدانة اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، الذي وصفه بوتين بأنه “انتهاكٌ صارخ لجميع معايير الأخلاق الإنسانية والقانون الدولي”. كما دعت وزارة الخارجية الروسية إلى “خفض التصعيد الفوري ووقف الأعمال العدائية واستئناف المسار السياسي والديبلوماسي”. لكن اللافت في تلك التصريحات أنها تجنّبت توجيه اتهام مباشر إلى واشنطن أو إلى الرئيس دونالد ترامب، أو الإشارة إلى احتمال تدخُّل روسي لحماية حليفها الإقليمي.
صحيح أنَّ موسكو التزمت حرفيًا ببنود المعاهدة التي لا تتضمّن التزامًا بالدفاع المشترك، إلّا أنَّ ردَّ فعلها العملي بقي محدودًا، الأمر الذي أثار تساؤلات حول حدود هذه الشراكة الاستراتيجية. فإيران لا تُعَدُّ فقط شريكًا إقليميًا مهمًا لروسيا في الشرق الأوسط، بل أصبحت أيضًا عنصرًا داعمًا في حرب موسكو المستمرة في أوكرانيا، خصوصًا في مجال الطائرات المسيّرة والتكنولوجيا العسكرية.
وقد أشارت تقارير إعلامية غربية إلى احتمال أن تكون روسيا قد قدمت لإيران بعض أشكال الدعم التقني، مثل معلومات استهداف أو تكتيكات متقدمة لاستخدام الطائرات المسيّرة. غير أنَّ هذه المساعدات، إن صحّت، تبدو محدودة التأثير ولا ترقى إلى مستوى الدعم الذي قد يُتَوَقَّع من شريكٍ يصف علاقته مع طهران بأنها “استراتيجية شاملة”.
يتماشى الأداء الروسي المحدود في الأزمة الإيرانية مع نمطٍ بات مألوفًا في السياسة الخارجية لموسكو خلال السنوات الأخيرة. فعندما يجد حلفاء روسيا أنفسهم في لحظاتٍ حرجة، غالبًا ما تكتفي القيادة الروسية بإصدار بيانات قوية اللهجة من دون ترجمتها إلى خطوات عملية مؤثرة. وقد ظهر هذا النمط بوضوح في سلسلةٍ من الأزمات الدولية التي كشفت حدود القدرة الروسية على التأثير المباشر في مجريات الأحداث خارج محيطها القريب.
في أواخر العام 2023، على سبيل المثال، امتنعت موسكو عن التدخّل الفعلي في الحرب القصيرة التي اندلعت بين أرمينيا وأذربيجان، رُغمَ أنَّ يريفان تُعَدُّ حليفًا تقليديًا لها ضمن منظومة الأمن الإقليمي التي تقودها روسيا. وقد أتاح هذا الغياب لباكو استعادة السيطرة على إقليم ناغورنو كاراباخ، مُنهيةً بذلك صراعًا استمرَّ عقودًا. وبعد عام واحد فقط، بدا الموقف الروسي أكثر وضوحًا في سوريا، عندما سمحت موسكو عمليًا لقوات المعارضة بإسقاط نظام بشار الأسد في دمشق، من دون أن تبذل جهدًا حقيقيًا لمنع انهيار أحد أهم حلفائها في الشرق الأوسط.
كما شهد العام الماضي سلسلةً من الضربات الأميركية ــبالتنسيق مع إسرائيلــ استهدفت منشآت نووية وقواعد عسكرية ومصانع صواريخ داخل إيران، إلى جانب عمليات اغتيال طالت مسؤولين عسكريين رفيعي المستوى وعلماء في البرنامج النووي الإيراني. وفي تطورٍ آخر لافت، تمكنت واشنطن من اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، أحد أبرز شركاء موسكو في أميركا اللاتينية، من دون أن تُواجَه بردٍّ روسي يُذكر. وتكشف هذه الوقائع مجتمعة عن واقع متزايد الوضوح: قدرة روسيا على التأثير المباشر في توازنات القوى الدولية أصبحت أكثر محدودية مما توحي به خطاباتها السياسية.
ومع ذلك، لا تخلو الحرب الدائرة في إيران من تداعيات قد تصب، بصورة غير مباشرة، في مصلحة موسكو. فمع استمرار التوتر العسكري في المنطقة، من المرجح أن تظل أسعار الطاقة مرتفعة، وهو ما يوفر لروسيا فرصةً لتعزيز عائداتها من صادرات النفط والغاز في وقتٍ تعاني الميزانية الروسية ضغوطًا متزايدة بسبب تكاليف الحرب في أوكرانيا. وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية مؤخرًا أنها ستخفف مؤقتًا بعض القيود المفروضة على النفط الروسي العالق في البحر، في محاولةٍ لاحتواء الارتفاع السريع في أسعار الطاقة العالمية.
وفي الوقت نفسه، قد تجد الصين نفسها أكثر اعتمادًا على إمدادات الطاقة الروسية. فبكين، التي تراقب بقلق احتمالات اضطراب تدفقات النفط والغاز من الشرق الأوسط، قد تسعى إلى توسيع وارداتها من روسيا لتعزيز أمنها الطاقوي في المدى الطويل. أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإنَّ انشغالها المتزايد بالأزمة الإيرانية قد يؤدي إلى تشتيت جُزءٍ من مواردها السياسية والعسكرية التي كانت موجهة أساسًا لدعم حلفائها الأوروبيين وأوكرانيا.
من هذا المنظور، قد لا تكون روسيا قادرة على حماية شركائها أو تغيير مسار الصراعات الكبرى، لكنها أثبتت قدرة ملحوظة على التكيف مع الإخفاقات الاستراتيجية وتحويلها إلى مكاسب تكتيكية محدودة.
زواج مصلحة
تعود جذور التقارب بين موسكو وطهران إلى السنوات التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي. فعلى الرغم من أنَّ البلدين كانا تاريخيًا خصمين تقليديين يتنافسان على النفوذ في منطقة القوقاز وحوض بحر قزوين، فإنَّ التحوُّلات الجيوسياسية في مطلع التسعينيات الفائتة دفعت الطرفين إلى البحث عن أرضيةٍ مشتركة للتعاون.
بالنسبة إلى روسيا، التي ورثت ترسانةً ضخمة من التقنيات العسكرية والنووية المدنية من الحقبة السوفياتية، مثّلت إيران سوقًا واعدة لتصريف فائض هذه التكنولوجيا. أما بالنسبة إلى طهران، التي خرجت لتوّها من حربٍ مدمرة مع العراق وتواجه عزلة متزايدة بسبب العقوبات الغربية، فقد شكل التعاون مع موسكو فرصة نادرة لإعادة بناء قدراتها العسكرية.
وخلال التسعينيات وبدايات الألفية الجديدة، زوّدت روسيا إيران بعددٍ من الأنظمة العسكرية التي لا تزال تُشكّلُ جُزءًا مهمًّا من بُنيتها الدفاعية حتى اليوم. وشملت هذه الصفقات مقاتلات “ميغ-29″، وطائرات الهجوم الأرضي “سو-24″، وغواصات “كيلو” التي تعمل بالديزل، إضافة إلى دبابات “تي-72” ومنظومات الدفاع الجوي “أس-200”.
ومع مرور الوقت، توسّعَ التعاون ليشمل تزويد طهران ببطاريات الدفاع الجوي قصيرة المدى “تور-أم1″، ولاحقًا منظومة الصواريخ أرض–جو بعيدة المدى “أس-300”. وقد مثلت هذه الأنظمة إضافةً مهمة لقدرات إيران الدفاعية، لكنها لم تصل أبدًا إلى مستوى التكامل العسكري الذي يميز التحالفات الاستراتيجية الحقيقية.
فشحنات السلاح الروسية ظلت متقطعة وخاضعة لقيود فرضتها العقوبات الغربية والاعتبارات السياسية الأوسع. كما امتنعت موسكو عن تزويد إيران بأحدث أنظمتها الدفاعية، مثل منظومة “أس-400” أو الطائرات المقاتلة الأكثر تقدمًا في ترسانتها، ما يعكس حدود الشراكة بين الطرفين ويؤكد أنها ظلت، في جوهرها، شراكة قائمة على تقاطع المصالح أكثر منها تحالفًا كاملًا.
وعلى الرغم من صفقات السلاح التي أبرمتها موسكو مع طهران، بما في ذلك تزويدها بأنظمة دفاع جوي ومروحيات عسكرية، فإنَّ روسيا حرصت في الوقت نفسه على الحفاظ على شبكة علاقات أمنية موازية مع عددٍ من خصوم إيران الإقليميين، من بينهم مصر وإسرائيل ودول الخليج. هذا التوازن الدقيق في السياسة الروسية لم يمر من دون ملاحظة في طهران، حيث نظر كثيرٌ من المسؤولين الإيرانيين إلى هذه المقاربة باعتبارها دليلًا على أنَّ موسكو تتعامل مع إيران كشريكٍ ظرفي أكثر منها حليفًا استراتيجيًا.
وقد تجلّى هذا الشعور بوضوح في العام 2010، عندما رضخت روسيا للضغوط الغربية وعلّقت تسليم منظومة الدفاع الجوي المتطورة “أس-300” إلى إيران، كما وافقت على حزمةٍ من العقوبات التي فرضها مجلس الأمن الدولي على طهران، رُغم أنها كانت تعارضها في الكواليس. ففي تلك المرحلة، كانت موسكو ما تزال حريصة على الحفاظ على صورتها كعضوٍ دائم “مسؤول” في مجلس الأمن وشريك يمكن الوثوق به بالنسبة إلى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وفي هذا السياق، بدت إيران بالنسبة إلى القيادة الروسية آنذاك ورقة تفاوضية أكثر منها شريكًا استراتيجيًا حقيقيًا.
وفي موازاة التعاون العسكري المحدود، حاول البلدان منذ مطلع الألفية الثانية تطوير شراكة اقتصادية في قطاع النفط والغاز، الذي يشكل العمود الفقري لاقتصاديهما. غير أنَّ هذه المحاولات لم تُحقّق نجاحًا يُذكر. فقد درست شركات الطاقة الروسية فرصًا عدة للاستثمار في مشاريع التنقيب والإنتاج داخل إيران، لكن تلك المفاوضات لم تُفضِ إلى اتفاقيات ملموسة. وحتى شركة “غازبروم” الحكومية العملاقة فكرت في المشاركة في تطوير أحد أكبر حقول الغاز الطبيعي في الخليج، إلّا أنَّ الشروط التجارية لم تكن مغرية بما يكفي للمضي في المشروع.
وبقيت العلاقات الاقتصادية بين البلدين خلال تلك الفترة محدودة للغاية، إذ لم يتجاوز حجم التبادل التجاري السنوي بينهما في معظم السنوات حاجز ثلاثة مليارات دولار. وكانت طبيعة هذا التبادل بدورها تعكس محدودية الشراكة؛ إذ صدّرت روسيا أساسًا الحبوب والوقود النووي إلى إيران، بينما اقتصرت الصادرات الإيرانية إلى السوق الروسية على المنتجات الزراعية مثل الفواكه والخضراوات والمكسرات.
غير أنَّ الحرب الأهلية السورية شكّلت نقطة تحوُّل مهمة في مسار العلاقات بين البلدين. ففي العام 2015، وجد كلٌّ من موسكو وطهران نفسيهما أمام مصلحة مشتركة في دعم نظام بشار الأسد ومنع سقوطه. ونتج عن ذلك تحالفٌ تكتيكي جمع بين القوة الجوية الروسية والدعم البري الذي وفرته إيران عبر مستشاريها العسكريين والميليشيات الحليفة لها، بما في ذلك “حزب الله” اللبناني الذي لعب دورًا بارزًا في القتال إلى جانب قوات النظام السوري.
ومع ذلك، ظلَّ هذا التعاون في إطار الضرورة العسكرية ولم يتحوّل إلى شراكةٍ استراتيجية متكاملة. ولم يبدأ ميزان العلاقة بين موسكو وطهران في التغيُّر بشكلٍ أكثر عمقًا إلّا بعد القرار الذي اتخذه فلاديمير بوتين بشنِّ غزوٍ شامل لأوكرانيا.
روابط متينة
منذ شباط (فبراير) 2022، دخلت السياسة الخارجية الروسية مرحلةً جديدة فرضتها الحرب في أوكرانيا والعقوبات الغربية الواسعة التي أعقبتها. وفي ظل هذه الظروف، أصبح الكرملين يبحث عن شركاء قادرين على تلبية ثلاثة احتياجات أساسية: دعم مباشر أو غير مباشر لحملته العسكرية ضد كييف، والمساعدة على الالتفاف على العقوبات الاقتصادية الغربية، والمشاركة في ممارسة الضغوط المضادة على التحالف الغربي الداعم لأوكرانيا.
في هذا السياق، برزت إيران كواحد من أهم الشركاء المحتملين لموسكو في الشرق الأوسط. فقد أظهرت طهران استعدادًا لتقديم دعم عسكري وتقني بدرجات متفاوتة، وساهمت في بعض المجالات في تخفيف الضغوط الاقتصادية التي تواجهها روسيا، كما وفرت للكرملين شريكًا إقليميًا قادرًا على إزعاج المصالح الغربية في مناطق متعددة.
وقد جاء هذا التقارب بثمنٍ سياسي واضح. فتعزيز العلاقات مع طهران أدى إلى توتر متزايد في العلاقات بين موسكو وإسرائيل، التي بدأت تدريجًا في نقل بعض التقنيات العسكرية إلى أوكرانيا. ومع ذلك، بدا أنَّ الكرملين مستعدٌّ لتحمُّل هذه الكلفة، مُعتبرًا أنَّ الشراكة المتنامية مع إيران تخدم مصالحه الاستراتيجية في مرحلةٍ تتسم بمواجهةٍ مفتوحة مع الغرب.
أدّت الحرب في أوكرانيا إلى تغييرٍ جوهري في طبيعة العلاقة الأمنية بين موسكو وطهران. فللمرة الأولى منذ عقود، أصبحت إيران مورّدًا للأسلحة إلى روسيا بدل أن تكون مُتلَقِّية لها. وكان أبرز هذه الإسهامات طائرات “شاهد” المسيّرة المتسكعة، التي بدأت القوات الروسية استخدامها منذ خريف عام 2022 لتعويض النقص في مخزونها من الصواريخ الدقيقة. وسرعان ما عملت موسكو على توطين إنتاج هذه الطائرات، فأعادت تصميم مكوّناتها لتتلاءم مع سلاسل التوريد المحلية والقيود التكنولوجية التي فرضتها العقوبات، ما سمح بزيادة الإنتاج إلى مستوياتٍ تفوق بكثير الكميات التي كانت إيران توفرها في البداية.
في المقابل، تشير تقارير إعلامية إلى أنَّ روسيا زوّدت إيران ببعض المعدات العسكرية، من بينها طائرات تدريب من طراز “ياك-130″، ومروحيات هجومية “مي-28″، ومركبات مدرّعة من نوع “سبارتاك”، إضافة إلى أسلحة خفيفة. كما أبرمت طهران عقودًا لشراء مقاتلات “سو-35″ وأنظمة دفاع جوي محمولة، رُغمَ أنَّ وضع تسليم هذه المعدات لا يزال غير واضح. ويبرز مجال الفضاء بوصفه أحد أهم ميادين التعاون بين البلدين، إذ أسهمت الخبرة الروسية في مجال الإطلاق الفضائي والبنية التحتية المدارية في دعم برامج إيران الصاروخية. وقد حذّر مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية السابق، ويليام بيرنز، في العام 2023 من أنَّ خبراء روس يعملون مباشرة مع إيران في برامج إطلاق المركبات الفضائية وتطوير الصواريخ.
إلى جانب التعاون العسكري، لعبت إيران دورًا مهمًّا في مساعدة الاقتصاد الروسي على التكيُّف مع العقوبات الغربية. فعلى مدى سنوات طوّرت طهران منظومة معقدة للالتفاف على القيود المفروضة على صادراتها النفطية، أبرزها ما يُعرف بـ”الأسطول الخفي” من ناقلات النفط التي تعمل خارج منظومات التتبع التقليدية، إضافة إلى شبكات مالية وتأمينية تسهّل بيع النفط في الأسواق العالمية. وبعد العام 2022، تبنّت موسكو العديد من هذه الأساليب، مُعتمدةً على البنية اللوجستية نفسها في بعض دول الخليج، ما سمح لها بمواصلة تصدير النفط رغم العقوبات.
لكن هذا التقارب الاقتصادي لم يكن خاليًا من التنافس. فروسيا، التي أصبحت تستخدم الآليات نفسها لتصدير نفطها، باتت تنافس إيران في الأسواق الآسيوية، خصوصًا في الصين والهند، وهما من أهم وجهات النفط الإيراني. وفي الوقت نفسه، استفادت طهران من توسع “الأسطول الخفي” الذي ازداد حجمه مع دخول روسيا إلى هذا النمط من التجارة، ما ساعد على خفض تكاليف تشغيل هذه الشبكات.
ورُغمَ هذه التناقضات، شهدت العلاقات الاقتصادية بين البلدين نموًا ملحوظًا منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا. فقد ارتفع حجم التبادل التجاري من نحو ملياري دولار سنويًا قبل الحرب إلى ما يقارب خمسة مليارات دولار حاليًا. كما دعمت موسكو مساعي إيران لتعزيز حضورها في التكتلات الدولية غير الغربية. ففي العام 2023، ساعدت روسيا على دفع طهران للانضمام إلى منظمة شنغهاي للتعاون، ثم دعمت إدراجها لاحقًا ضمن مجموعة “بريكس” الموسَّعة. وفي أيار (مايو) الماضي، رعت موسكو توقيع اتفاقية تجارة حرة بين إيران والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، الذي يضم روسيا وعددًا من جمهوريات آسيا الوسطى. كما أبدت روسيا استعدادًا للتعاون مع بعض حلفاء إيران الإقليميين، ولا سيما الحوثيين، عبر تقديم التدريب أو بعض أشكال الدعم العسكري المحدود.
استغلال الفرص
كلما تعمّقت العلاقة بين موسكو وطهران، ظهرت في المقابل حدود النفوذ الروسي وقدرة الكرملين الفعلية على حماية شركائه. فروسيا تمتلك ما تحتاجه إيران بشدة في أيِّ مواجهة واسعة مع إسرائيل والولايات المتحدة، من طائرات مقاتلة متطوّرة وأنظمة دفاع جوي وذخائر دقيقة. لكن هذه القدرات نفسها تُستَهلَك اليوم في الحرب الأوكرانية، ما يجعل نقلها إلى طهران أمرًا بالغ الصعوبة من الناحية العملية، حتى لو توفرت الإرادة السياسية. فبعض الأنظمة، مثل “أس-400″، لا يتطلب فقط قرارًا بالتسليم، بل يحتاج أيضًا إلى شهورٍ من التدريب والتأهيل قبل أن يصبح قابلًا للاستخدام الفعلي.
ولهذا، اكتفت موسكو حتى الآن بحدٍّ أدنى من الدعم العلني لإيران، تمثَّلَ في الإدانة السياسية والدعوات إلى ضبط النفس، من دون الانتقال إلى مستوى المساندة العسكرية المباشرة. ويعودُ ذلك جُزئيًا إلى انشغال الجيش الروسي بجبهته الأوكرانية، وجُزئيًا إلى أنَّ الكرملين لا يريد المجازفة بتقويض أي تفاهمات محتملة مع إدارة دونالد ترامب بشأن مستقبل الحرب في أوكرانيا. فموسكو تأمل، من خلال هذه القنوات، في تقليص الدعم الأميركي لكييف وتخفيف وتيرة العقوبات الجديدة المفروضة عليها، وهو ما يجعلها أكثر حذرًا في طريقة إدارتها للأزمة الإيرانية.
كما إنَّ التزام روسيا تجاه طهران يبقى محكومًا بحسابات إقليمية أوسع. فموسكو لا تستطيع تجاهل أهمية علاقاتها مع دول الخليج، ولا سيما الإمارات العربية المتحدة، التي تحولت إلى مركز مالي ولوجستي مهم للمصالح الروسية، والمملكة العربية السعودية، الشريك الرئيس لروسيا في إدارة توازنات سوق النفط عبر تحالف “أوبك+”. وفي ظلِّ هذه المعادلة، تبدو روسيا حريصة على تجنُّب الانحياز الكامل إلى إيران بطريقة قد تضرُّ بمصالحها الأوسع في المنطقة.
ومع ذلك، لا يُستبعَد أن تكون موسكو قد قدمت لطهران أشكالًا أقل ظهورًا من الدعم، مثل المعلومات الاستخباراتية أو خدمات الاستطلاع والمراقبة الفضائية، وهي مساعدات يصعب رصدها مقارنة بشحنات الأسلحة التقليدية. هذا النوع من الدعم قد يساعد إيران على تحسين دقة استهدافها أو فهمها للميدان، لكنه يظل محدود الأثر إذا ما قورن بحجم المساندة الاستخباراتية والعسكرية التي قدمتها الولايات المتحدة لأوكرانيا منذ العام 2022.
وفي جميع الأحوال، حتى من دون تدخُّلٍ مباشر، تستطيع روسيا الاستفادة من النتائج غير المباشرة للحرب الدائرة في إيران. فكلما ازداد انخراط الولايات المتحدة في دعم إسرائيل وحلفائها الإقليميين، تراجعت القدرة الأميركية على تخصيص الموارد نفسها لأوكرانيا. ومنظومات الدفاع الجوي والصواريخ الدقيقة والأسلحة بعيدة المدى ليست غير محدودة، وما يُرسَلُ إلى الشرق الأوسط لن يكون متاحًا بالقدر نفسه لكييف. بهذه الطريقة، قد لا تنقذ موسكو شريكها الإيراني، لكنها تستطيع مرة أخرى أن تجني مكاسب استراتيجية من أزمة لم تتمكّن من منعها.
يبقى ارتفاع أسعار الطاقة المكسب الأوضح لروسيا في ظلِّ التطوّرات الجارية. فقد شهد عام 2025 تراجُعًا ملحوظًا في أسعار النفط بعد قرار تحالف “أوبك+” زيادة الإنتاج. وبما أنَّ روسيا لا تمتلك طاقة إنتاجية فائضة كبيرة، لم تتمكّن من تعويض انخفاض الأسعار بزيادة الكميات المصدّرة. وأدى فائض المعروض في الأسواق إلى توفر بدائل أمام المشترين، ما دفع موسكو إلى تقديم خصومات كبيرة على نفطها، خصوصًا مع تصاعد الضغوط الناجمة عن العقوبات الأميركية.
لكن المشهد تغيّر مع تصاعد التوترات في الخليج. فتعطُّلُ الإمدادات نتيجة إغلاق مضيق هرمز أدى إلى ارتفاع الأسعار مجددًا، وهو ما منح روسيا متنفسًا ماليًا في وقت تعاني ميزانيتها من ضغوط الحرب في أوكرانيا. وفي محاولةٍ لتهدئة الأسواق، أصدرت وزارة الخزانة الأميركية مؤخرًا ترخيصًا مؤقتًا يسمح ببيع النفط الروسي إلى الهند لمدة ثلاثين يومًا، رُغمَ أنه كان خاضعًا للعقوبات سابقًا. كما إنَّ تراجع صادرات الغاز الطبيعي المسال من الخليج يمنح روسيا فرصةً لتعزيز مبيعاتها من الغاز المسال، خصوصًا في الأسواق الآسيوية.
مع ذلك، فإنَّ الفوائد المباشرة لروسيا من اضطراب إمدادات الطاقة قد تبقى محدودة إذا استمرَّ الوضع لفترة قصيرة فقط. فكلُّ ارتفاع بمقدار عشرة دولارات في سعر برميل النفط يضيف نحو 95 مليون دولار يوميًا إلى الإيرادات الروسية، وهو رقمٌ مهم لكنه ليس حاسمًا في المدى القصير. أما إذا ألحق الصراع أضرارًا طويلة الأمد بالبنية التحتية للطاقة في المنطقة، فقد يتحوّل الارتفاع في الأسعار إلى مصدر دخلٍ مستدام لموسكو. وحتى الآن، تجنّبت الولايات المتحدة وإسرائيل استهداف منشآت التصدير النفطية الإيرانية بشكل مباشر، لكن هذا الوضع قد يتغيّر إذا تصاعدت المواجهة.
وفي حال توسعت الحرب وامتدت آثارها إلى منشآت الطاقة في الخليج، فقد يتجاوز تأثيرها الأسواق العالمية ليصل إلى الحسابات الاستراتيجية الكبرى. إذ إنَّ استمرار حالة عدم الاستقرار قد يدفع الصين إلى تسريع مشاريع خطوط الأنابيب البرية لنقل النفط والغاز من روسيا، وهو خيارٌ حاول فلاديمير بوتين إقناع بكين به منذ سنوات، ولا سيما بعد أن بدأت أوروبا تقليص اعتمادها على الطاقة الروسية عقب غزو أوكرانيا. وفي ظل أسعار طاقة مرتفعة، قد يصبح النفط والغاز الروسيان أكثر جاذبية للأسواق الآسيوية.
هذا السيناريو سيضع صناع القرار في الولايات المتحدة وأوروبا أمام مُعضِلة صعبة: إما مواصلة تشديد العقوبات على روسيا مع ما يحمله ذلك من كلفة اقتصادية متزايدة، أو تخفيف الضغوط للحفاظ على استقرار الأسواق.
أما بالنسبة إلى روسيا، فخياراتها أبسط بكثير. فقد كشفت الأزمات الأخيرة، من سوريا إلى فنزويلا وإيران، عن حدود قدرتها على حماية شركائها. ومع تركيز معظم مواردها العسكرية والاقتصادية في الحرب الأوكرانية، لا تملك موسكو القدرة على تقديم دعم كبير لحلفائها. هدفها الأكثر واقعية بات الاستفادة من التداعيات غير المباشرة للأزمات الدولية، وتحويلها إلى مكاسب سياسية أو اقتصادية حيثما أمكن.
- ألكسندر غابويف هو مدير مركز كارنيغي روسيا أوراسيا في برلين.
- نيكول غراجيفسكي أستاذة مساعدة في معهد العلوم السياسية وباحثة غير مقيمة في برنامج السياسة النووية بمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي. وهي مؤلفة كتاب “روسيا وإيران: شريكان في التحدي من سوريا إلى أوكرانيا”.
- سيرغي فاكولينكو هو زميل أول في مركز كارنيغي روسيا أوراسيا في برلين.
- يَصدُرُ هذا المقال بالعربية في “أسواق العرب” توازيًا مع صدوره بالإنكليزية في “فورِن أفّيرز” الأميركية.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.