التوتُّرُ المُنضَبِط… وكيف تُسَعِّرُ الأسواق مفاوضات إيران وأميركا

كابي طبراني*

تتصرّفُ أسواقُ النفط أحيانًا كما لو أنها عِلمٌ دقيقٌ تحكمه معادلات العرض والطلب، غيرَ أنَّ التجربة تُثبِتُ مرّةً بعد أخرى أنَّ برميل الخام لا يُسَعَّرُ فقط بعدد الناقلات أو بحجم المخزونات، بل بقدر القلق الكامن في الجغرافيا السياسية. وفي هذه اللحظة تحديدًا، يقفُ النفط على تخومِ مفاوضات شائكة بين الولايات المتحدة وإيران، مفاوضات لا تختبر حدود الديبلوماسية فحسب، بل تختبرُ أعصاب الأسواق.

خام “برنت” المُتماسِك في أواخر الستين دولارًا للبرميل يعكسُ توازُنًا هشًا بين واقعٍ مادي مستقر نسبيًا واحتمالِ تصعيدٍ لم يتحقّق بعد. فالإمداداتُ العالمية لم تتعرَّض لاضطراباتٍ كبيرة، والطلب يواصل نموّه بوتيرةٍ معتدلة، وتحالف “أوبك+” يمارسُ قدرًا من الانضباط في إدارة الإنتاج. وبحساباتٍ بحتة، لا شيء يُبرّرُ قفزات حادة في الأسعار. لكن الأسواق لا تتداول الواقع وحده، بل تتداول الاحتمال.

مضيقُ هرمز، الذي يمرُّ عبره نحو ثلث تجارة النفط المنقولة بحرًا، يبقى أكثر نقاط النظام الطاقوي العالمي حساسية. مجرّد التلويح بإمكانية توتر عسكري، أو احتكاك بحري، أو استهداف للبنية التحتية، يكفي لإضافة علاوة جيوسياسية على السعر، حتى لو استمرّت الناقلات في العبور بلا انقطاع. إنها علاوةُ الخوف التي تُحتَسَب قبل أن تقعَ الأحداث.

المفاوضات الجارية، المباشرة منها وغير المباشرة، تفتحُ نافذةً ضيّقة أمام خفض هذه العلاوة. واشنطن تسعى إلى قيودٍ واضحة على البرنامج النووي الإيراني، والصواريخ الباليستية، وسلوك طهران الإقليمي، فيما تطمَحُ الأخيرة إلى تخفيف العقوبات واستعادة هامشٍ اقتصادي أوسع. وبين الهدفَين مساحة واسعة من الشكوك، لكنها أيضًا مساحة للمساومة.

الاعتباراتُ الداخلية حاضرة بقوة لدى الطرفين. في الولايات المتحدة، تبقى أسعار الوقود عاملًا سياسيًا حسّاسًا، خصوصًا مع اقتراب استحقاقات انتخابية. أيُّ ارتفاعٍ حاد في البنزين ينعكس فورًا على المزاج العام. وبالتالي فإنَّ استقرارَ سوق النفط ليس ملفًا خارجيًا بحتًا، بل مسألة داخلية ذات كلفة انتخابية مباشرة.

أما في إيران، فإنَّ الاقتصادَ يرزحُ تحت وطأة العقوبات منذ سنوات. ورُغمَ أنَّ النفط الإيراني يجد طريقه إلى الأسواق بطرق مختلفة وملتبسة، فإنَّ ذلك يتمُّ غالبًا بخصوماتٍ سعرية وتكاليف مالية ولوجستية مرتفعة. اتفاقٌ يمنح وضوحًا قانونيًا ويعيد دمج الصادرات الإيرانية رسميًا في النظام المالي العالمي يُمكِنُ أن يُغيّر معادلة العائدات والاستثمار.

لكن الأسواق لا تراهن على النوايا، بل على الاستدامة. تجربة الاتفاق النووي السابق وما تلاه من انسحاب أميركي تركت أثرًا عميقًا في حسابات المستثمرين. أيُّ اتفاقٍ جديد سيُقرَأ من زاوية عمره الافتراضي: هل يصمد أمام تغيّر الإدارات في واشنطن؟ وهل ينجو من توترات إقليمية مُزمنة لا يشملها النص المكتوب؟

غير أنَّ المشهد لا يكتمل من دون إدخال العامل الإسرائيلي في المعادلة. إسرائيل تنظر إلى أيِّ اتفاقٍ أميركي–إيراني من زاوية أمنها الاستراتيجي أولًا. تجربتها مع اتفاق 2015 جعلتها أكثر تشدُّدًا تجاه ترتيباتٍ لا تُعالج، من وجهة نظرها، مجمل عناصر القوة الإيرانية. ومن ثم فإنَّ أيَّ صيغةٍ لا تتضمَّنُ ضماناتٍ صارمة قد تُبقي احتمال التحرك الإسرائيلي قائمًا، سواء عبر ضغط سياسي مكثف أو خيارات عسكرية محدودة.

هذا الاحتمال وحده كفيل بإبقاء الأسواق في حالة ترقُّب دائم. فالمخاطر لا تتعلّقُ فقط بمواجهة مباشرة بين واشنطن وطهران، بل بإمكانية تحرك إسرائيلي قد يجرّ ردود فعل متبادلة ويضع الملاحة في الخليج تحت ضغط أمني متصاعد.

من جهة واشنطن، لا يمكن تجاهل إسرائيل في أي صفقة محتملة. فالعلاقة الاستراتيجية بين البلدين، إضافة إلى الوزن السياسي الداخلي للملف الإسرائيلي، يفرضان على الإدارة الأميركية موازنة دقيقة بين احتواء التوتر مع إيران وطمأنة حليفها الأساسي في المنطقة. هذه الموازنة قد تترجم في شروط أكثر صرامة، أو آليات رقابة مشددة، أو تفاهمات أمنية موازية.

أما إيران، فتدرك أن إسرائيل تمثل عنصر ضغط إضافيًا على طاولة التفاوض، لذلك تحاول الفصل بين المسارات، مركزة على الملف النووي ورفع العقوبات، فيما تبقي ملفات الصواريخ والنفوذ الإقليمي خارج نطاق التنازلات الكبرى. لكن هذا الفصل ليس مضمون القبول إسرائيليًا.

في المقابل، تواجه دول منتجة عدة معادلة مالية دقيقة. كثير من موازنات المنطقة بُني على افتراض أسعار أعلى من المستويات الحالية. انخفاض مستدام دون مستويات مريحة يضغط على الإيرادات العامة، فيما ارتفاع مفرط يعيد إشعال مخاوف التضخم لدى الدول المستوردة الكبرى. ومن هنا، فإنَّ أيَّ تطوّر في الملف الإيراني سينعكس فورًا على حسابات “أوبك+” واستراتيجيتها الإنتاجية.

إذا أفضت المفاوضات إلى اتفاق يتيح عودة أكثر انتظامًا للبراميل الإيرانية، فسيكون على التحالف النفطي إعادة توزيع الحصص للحفاظ على توازن السوق. أما إذا انهارت المحادثات وتصاعد التوتر، فقد ترتفع الأسعار بفعل المخاطر، وهو ارتفاع قد يحقق مكاسب قصيرة الأجل لبعض المنتجين، لكنه يحمل في طياته مخاطر تباطؤ اقتصادي عالمي أوسع.

في المحصّلة، لا يبدو أنَّ الأسواق تسعّر حربًا وشيكة، لكنها أيضًا لا تثق بسلامٍ دائم. المرجّح أن نشهد اتفاقًا جُزئيًا، يُخفّض منسوب التوتر ويمنح السوق فترة تنفّس، من دون أن ينهي جذور الصراع أو يبدّد شكوك إسرائيل بالكامل. مثل هذا الاتفاق، إن تحقق، سيضغط على علاوة المخاطر لكنه لن يمحوها، لأنَّ قابلية الانزلاق ستبقى قائمة بفعل هشاشة التفاهمات وتبدّل الحسابات السياسية في واشنطن وطهران وتل أبيب على حد سواء.

لذلك، لن يخرج النفط من دائرة الجغرافيا السياسية، بل سيبقى مُسَعَّرًا على قاعدة “التوتر المنضبط”: لا انفجارَ شاملًا ولا انفراجَ كاملًا. وفي هذه المنطقة الرمادية تحديدًا، سيظلُّ سعر البرميل انعكاسًا لاحتمالٍ قائمٍ أكثر منه لحربٍ واقعة — رهينة فائض في المخاطر لا نقص في الإمدادات.

  • كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى