إيران: نصفُ الصَفقَةِ الفارغ ونصفُ الضربةِ المَلآن

تُستأنَفُ المفاوضات الأميركية–الإيرانية في لحظةٍ إقليمية غير مسبوقة، حيث تتقدّمُ احتمالاتُ الحرب بقدرِ ما تتراجَعُ فُرَصُ الثقة. وبين صفقةٍ ناقصة وضربةٍ محتملة، يتحوّلُ التفاوُض إلى أداةٍ لشراءِ الوقت وإدارة المخاطر، لا لحَسمِ الصراع.

الرئيس دونالد ترامب والمرشد علي خامنئي: هل دقت ساعة الصفر؟

ملاك جعفر عباس*

يعودُ الإيرانيون والأميركيون إلى طاولةِ التفاوُض وقد تبدّلَ العالمُ من حولهما ولم تتبدّل لاءاتهما. هي طاولةٌ لا تُشبهُ سابقتها في صيف 2025، وحتمًا لا تُشبِهُ تلك التي تكلّلت ب”خطة العمل الشاملة المشتركة” في 2015. فطبول الحرب لم يَبلُغ ضجيجها هذا المستوى العالي حتى بمعايير الشرق الأوسط المُلتهب، وموازين القوى لم تختل يومًا بهذا العمق في إقليمٍ اعتادَ أن تقطعه المحاور والجبهات. ومع ذلك، يفرضُ الواقعُ على الطرفين الإقرارَ بأنَّ التفاوُضَ باتَ ضرورةً لا خيارًا، ولو من بابِ إدارةِ المخاطر وشراءِ الوقت.

بين مسقط 2025 ومسقط 2026 ماذا اختلف؟

التحوُّلُ الأبرز هذه المرة ليس في المناخ فقط، بل في تغيُّرِ الجالسين إلى الطاولة الضامنة. لحظة “انكسار النظام الدولي” انعكست تراجُعًا واضحًا في حضور الأمم المتحدة وأوروبا في التسويات الكبرى، لا سيما في الملفِّ الإيراني عقب تفعيل الية الزناد الخريف الماضي. كما أدّى غيابُ الانخراط العسكري لموسكو وبكين خلال حرب الاثني عشر يومًا عن إسناد إيران، إلى إفراغ طاولة (5+1) من مضمونها السياسي، مُفسحًا المجال أمام صعود أقطابٍ إقليمية جُدُد، في مقدمتها السعودية وتركيا ومعهما قطر ومصر وعُمان.

فبحسب تقديرات مراكز بحثية أميركية، ترى هذه الدول في أيِّ انفجارٍ واسع تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي ولمساراتها الاقتصادية، كما ترى في إنجاز تسوية، ولو جُزئية، تكونُ فيها إيران ضعيفة لا مُفكَّكة، فرصةً لتكريسِ دورٍ إقليمي أوسع يُشكّلُ شبكة مكابح حقيقية أمام التغوُّل الإسرائيلي. الأهم أنَّ هذا المحور، وفق تقاطع المعلومات والتحليلات، يتمتّعُ بمنسوبٍ عالٍ من ثقة الرئيس دونالد ترامب، ويُشكّلُ في الوقت نفسه، بالنسبة إلى إيران، شبكة الأمان الأخيرة المُمكنة في ظلِّ انعدام الثقة بأميركا وأوروبا معًا.

وعليه، تكتسب الديبلوماسية السعودية- القطرية-التركية- المصرية-العُمانية النشطة زخمًا خاصًا. فبحسب ديبلوماسيين غربيين، لا تقومُ هذه الديبلوماسية على “ضماناتٍ مكتوبة” بقدر ما تتمتّع بإمكانية التوصل الى صيغٍ “خلّاقة” يُمكِنُ أن تُشكّلَ “ضمانات تنفيذية”. وهي أدوات لم تَعُد أوروبا تمتلكها كما لم تَعُد الأمم المتحدة (وربما لم تكن كثيرًا) قادرة على فرضها.

النصف الملآن من الصفقة

أمّا على مستوى المضمون، فلا يزال التباعُدُ واضحًا في العلن. فالإيرانيون لم يُبدوا حتى الآن أيَّ رغبة مُعلَنة في الخوض بما يتجاوز البرنامج النووي، فيما يصرّ ترامب على سلة شروط ثلاثية: صفر تخصيب، وقيود على الصواريخ، وقطع الصلة بالأذرع الإقليمية. وهي مطالب ثقيلة يصعب حملها دفعة واحدة، إذ إنَّ الإصرارَ عليها سيؤدي عمليًا إلى انهيار المحادثات قبل انطلاقها، وهو ما يفسّر اللغط القائم حول ترتيب جدول الأعمال وأولوياته.

غير أنّ المشهدَ قد يتبدّل في حال جرى فصل المسارات، كما ألمح ترامب نفسه أكثر من مرة، وبصِيَغٍ مختلفة، حين تحدّث عن “أكثر من قناة تفاوض وأكثر من اجتماع في بلدان عدة، وليس فقط ما يُعرض في الأخبار”. في هذا السيناريو، يُرجّح أن تُحصَرَ الطاولة العلنية في مسقط بالملف النووي والعقوبات، فيما تُفتَحُ قنواتٌ موازية وسرّية لمعالجة ملفات أخرى خارج الإطار التفاوضي الرسمي.

في هذا السياق، قد يَنصحُ الوسطاء ترامب بأن يستبعِدَ عن الطاولة العُمانية ملف الأذرع ليس فقط لأنه قد يُفخِّخها، بل بسبب النتائج الميدانية والسياسية للحرب الدائرة منذ هجمات السابع من تشرين الأول (أكتوبر) والتي أدّت إلى انهيار “محور المقاومة” وحوّلت وكالة ساحاته الى عواصم أخرى. فأصبح ملف “حماس” ومستقبلها في غزة وخارجها مُرتبطًا بتوافُقٍ إسرائيلي-مصري-قطري-تركي تحت مظلة “مجلس السلام”. ودخل ملف “حزب الله” في دائرة تنافس بين المسعى السعودي لكبح الانهيار اللبناني والتغوُّل الإسرائيلي سيقود كليهما بشكلٍ أو بآخر إلى سحب سلاح الحزب من دون أن تكون لديه أو لدى راعيه الإيراني أيُّ قدرة حقيقية على وقف المسار حتى ولو تمكنوا من رفع كلفة الدم. فالارتباط العقائدي والتنظيمي بين الأصل والفرع باتَ يُعاني من عراقيل جغرافية ولوجستية ومالية جمّة تُعيقُ تحوُّله إلى تهديدٍ حقيقي. فيما أصبح اليمن برمته بما فيه مستقبل الحوثيين ملفًّا سعوديًا بامتياز، خصوصًا بعد تراجُع الدور الإماراتي في الجنوب، وتراجُع فعالية أسطول الظل وقنوات التمويل للحوثيين، فضلًا عن الخسائر الميدانية الكبرى التي تكبدوها بفعل الضربات المتلاحقة. وعليه، طالما أنَّ اللاعبين الجُدُد هم مَن يملكون أدوات التهدئة والتمويل وإعادة الاعمار، يتحوَّلُ الدعمُ الإيراني إلى ضوضاءٍ ربما تؤخّرُ الحلول وترفع كلفتها، لكنها غير قادرة على منعها. وإذا نجحت هذه الدول في بلورةِ طرحٍ إقليمي مُتماسِك أمام ترامب، فقد تدفعه إلى تخفيف هذا الشرط الذي تجاوزته الوقائع، فيما تُفضّلُ طهران أساسًا إبقاءه خارج أيِّ نصٍّ تفاوضي.

حلول مقترحة للملف النووي

في الملفِّ النووي تحديدًا، يبقى هامش الحركة أوسع نسبيًا مُقارنةً ببقية الملفات. تعود إلى التداول أفكار قديمة لم تُستَنفَد سياسيًا بقدر ما جُمِّدَت بفعل انهيار الثقة. من بين هذه الأفكار، تبرزُ مُجددًا صيغة الكونسورتيوم الدولي لإدارة البرنامج النووي الإيراني، وهي مقاربة ناقشتها منذ سنوات وثائق ودراسات صادرة عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية ضمن ما عُرف بمبادرات “تدويل دورة الوقود النووي”.

يقوم جوهر هذه الصيغة على نزع الطابع الوطني الحصري عن مراحل حساسة من دورة الوقود، ولا سيما التخصيب والتخزين، من دون نزع البرنامج نفسه أو نقل المنشآت خارج الدولة المعنية. أي أن تبقى البنية النووية داخل إيران، لكن تُدار ضمن إطار دولي أو إقليمي مشترك، تشارك فيه أطراف ضامنة تشرف مباشرة على مستويات التخصيب، وحركة المواد، وآليات التخزين، بما يجعل أي انحراف نحو الاستخدام العسكري مكشوفًا فورًا ومستحيلًا عمليًا.

الظروف الحالية قد تُعيدُ إحياء هذه الفكرة. فالبرنامج النووي الإيراني تعرّضَ لضربةٍ كبرى أدّت الى توقُّف التخصيب فعليًا، والثقة بين طهران وواشنطن باتت شبه معدومة، ما يحصر الخيارات بين بقاء المنشآت مُدمَّرة أو إعادة إحيائها تحت إشرافٍ دولي. في هذا الإطار تعود فكرة شحن المخزون المُخصَّب خارج إيران مع طرح تركيا، بدلًا من روسيا، كخيارٍ أكثر توازنًا سياسيًا بحكم عضويتها في حلف شمال الأطلسي، وحفاظها في الوقت نفسه على علاقات مستقرة مع طهران.

هذا الطرح يُقلّصُ الخيارات، بالنسبة إلى الإيرانيين، بين بقاء المُنشآت مُدَمَّرة أو إعادة احيائها بإشرافٍ دولي، وبين انهيار المحادثات والذهاب الى ضربة عسكرية قد لا تضمن مَن سيكون وصيًّا على هذه المنشآت في اليوم التالي، بالنسبة إلى الأميركيين. وقد تقبل إيران بهذا الطرح إذا ما ضمنت تخصيب الكونسورتيوم ضمن نسبة 3.67%.

تبقى العقدة الأكثر حساسية مسألة “حق التخصيب”. تصرُّ إيران على تثبيته رمزيًا لما يحمله من أبعادٍ سيادية وعقائدية، فيما ترفض واشنطن وإسرائيل أيَّ صيغةٍ تسمح بترجمته عمليًا. هنا تبرز إمكانية التسوية اللغوية–السياسية شبيهة بما ورد في قرار مجلس الأمن 2231 تقوم على الفصل بين الحق النظري والقدرة العملية سواء في ملف التخصيب أو في ملف الصواريخ حيث حصرت القيود بالصواريخ “المُصَمَّمة لحملِ رؤوس نووية”.

وبحسب أدبيات ضبط التسلُّح، فإنَّ منعَ التخصيب وشحن المخزون يعني عمليًا استحالة انتاج رؤوس نووية، وبالتالي انتفاء القدرة على تحميلها على أيِّ صاروخ. عند هذه النقطة، يمكن تحييد الملف الصاروخي نوويًا من دون المساس بالترسانة التقليدية، في مخرجٍ تفاوضي لا يُحرِجُ طهران، ولا يتجاهل الهواجس الإسرائيلية. ويكتسبُ هذا الطرح بُعدًا إضافيًا إذا أخذ في الاعتبار التفاهم غير المعلن الذي جرى أخيرًا برعايةٍ روسية بين إيران وإسرائيل على قاعدة عدم التصعيد المتبادل، وإمكان توسيعه ليشمل التزامًا بعدم استخدام الصواريخ من دون الحاجة إلى إدراج هذا البند بشكلٍ فجّ في الاتفاق الأميركي–الإيراني.

النصف الفارغ

غير أنّ كلَّ هذه المقاربات، مهما بدت مُتماسِكة على الورق، تصطدمُ بجدار الداخل الإيراني، وهو الجدارُ الأكثر صلابة في هذه المرحلة. فالتحدّي الحقيقي لا يكمن في صياغة تسوية ذكية مع الخارج، بل في القدرة على توليد أكثرية داخلية تسمح بإقناع المرشد الأعلى بها من دون أن تتحوَّلَ إلى عبءٍ سياسي أو أمني على مَن يُوَقّعها. فبحسب تحقيق أجرته شبكة “أمواج ميديا”، القريبة من مدرسة وزير الخارجية الأسبق محمد جواد ظريف، لا يتحرّك عباس عراقجي كمفوَّض مُطلق الصلاحية، بل ضمن توازن دقيق يضمُّ علي لاريجاني وعلي شمخاني وعلي باقري كني وجميعهم أبناء مؤسسة “الحرس الثوري”.

هذا التوزان يخرج عن الانقسام التقليدي بين إصلاحيين ومتشددين ليتمحور حول “الإيقاع والحدود والتوقيت” ومَن يقطف ثمرة النجاح وعلى مَن يُلقى الفشل. فجميع هذه الأطراف تُدرِكُ الحاجة إلى تخفيف الضغط الخارجي، لكنها تختلف جذريًا حول حجم الثمن المقبول في لحظةٍ تاريخية شديدة الحساسية. فأيُّ تنازُلٍ كبير سيُسجَّل مباشرة في دفاتر “مرحلة ما بعد المرشد” ما يجعل فكرة التفويض الكامل شبه مستحيلة في نظامٍ يستعدُّ لانتقالٍ محفوفٍ بالمخاطر.

وفي واشنطن، لا تقلُّ الحسابات تعقيدًا. يواجه ترامب ضغطًا إسرائيليًا مباشرًا لعدم الاكتفاء بتسوية نووية ضيقة. فإسرائيل، التي عارضت اتفاق 2015 علنًا، لا تزال تتعامل مع أيِّ تفاهُمٍ مع إيران لا يشمل الصواريخ والنفوذ بوصفه تهديدًا لتبقى تل أبيب غائبةً حاضرةً لتخريب أيِّ اتفاقٍ لا يُلبّي شروطها إن لم تُقمَع من واشنطن.

نصف الضربة الملآن

هو مشهدٌ بالغ التعقيد، تتحرّك فيه جُزَيئيات كثيرة ومتناقضة، يشكّل في مجموعه خلطة انفجار مُثلى.  خيارُ الضربة ليس مضمونًا بعد، لكنه يتقدّمُ سريعًا كلّما أمسك المُتعنّت بخيوط التفاوض. الحربُ قد تأتي، لكن ليس بالضرورة بافتتاحية صاروخية من مياه الخليج. فكما تشير تحليلات أمنية وعسكرية غربية، قد تبدأ المواجهة بتعطيل منظومات الرصد والاستطلاع، إرباك شبكات الاتصال والطاقة، وإطفاء الشاشات في سيناريوات معزَّزة بالذكاء الاصطناعي وأدوات الصراع غير التقليدية. فالسيناريو الفنزويلي كشف عن أسلحةٍ غامضة، تستخدم أنظمة الموجات الدقيقة عالية الطاقة (High Power Microwave) لتدمير أجهزة القيادة والتحكُّم الإلكترونية لمخبَإٍ مُعَيَّن أو بطارية دفاع جوي من دون تدمير المدينة. كما تصف التقارير الواردة من كاراكاس حراسًا ينهارون بسبب الدوار والاضطراب الداخلي. وهذا يشير إلى أسلحة الطاقة المُوَجَّهة (DEW) التي تستهدف الجهاز الدهليزي وتخلق “تأثيرات سمعية بالموجات الدقيقة”، مما يجعل المدافعين البشريين غير قادرين جسديًا على المقاومة. كما استبق هجوم ” يوم الصفر” السيبراني على أنظمة توليد الطاقة الكهربائية، القصف الجوي، مما ضمن تشغيل الجيش لمولدات احتياطية تم القضاء عليها بدقة عبر( HPM) أو قنابل الغرافيت.

في إيران الأكثر تعقيدًا، قد يفتح الشلل، الذي قد يحدثه هذا النوع من الهجمات، الساحات واسعًا أمام المحتجين والمعارضين وقد يفتح الآفاق أمام مجموعة إنقاذ تضع البلاد على سكة الحل. قد لا تضمن الضربة شكل اليوم التالي لكنها قد تتحول قدرًا للطرفين إن بقي التعنُّت سيد الموقف.

هكذا تقف المنطقة على حافة مفاوضات نصف صفقتها فارغ، لأنَّ شروط نضجها السياسي لم تكتمل بعد، ونصف ضربتها ملآن بالتفوُّق التكنولوجي والعسكري. وبين هذا وذاك، يحاول الإقليم، برُعاته الجدد ومحاوره الصاعدة، إدارة التوازن على حافة الانفجار، لا منعه نهائيًا.

Exit mobile version