دروسُ “الربيع العربي” في طهران: لماذا لا يَصنَعُ الضغطُ الخارجي إصلاحًا؟

في لحظةٍ إقليمية مُشبَعة بالتجارب الفاشلة، يُعيدُ تراجُعُ الشارع الإيراني طرحَ سؤالٍ جوهري على واشنطن: هل يصنعُ الضغطُ الخارجي إصلاحًا سياسيًا؟ إرثُ “الربيع العربي” يُقدّمُ إجابةً قاسية، مفادها أنَّ التدخُّلَ والضغط الأقصى كثيرًا ما حَوَّلا الأزمات الداخلية إلى مساراتِ انهيارٍ طويل.

الضغط الخارجي على إيران لا يفتح الإصلاح… بل يُسرّع الانزلاق إلى الصدام.

عمرو حمزاوي وسارة يركيس*

مع تراجُعِ زخمِ الاحتجاجاتِ الشعبية في إيران بدل تحوُّلِها إلى موجةٍ تصاعُدية، تجدُ الولايات المتحدة نفسها أمامَ طيفٍ أضيق، لكنه لا يقلُّ حساسية، من الخيارات السياسية. فالتجاربُ الإقليمية القريبة تُظهِرُ أنَّ الاضطرابات الداخلية لا تُشكّلُ بالضرورة نافذةً للتدخُّلِ الخارجي، بل قد تتحوَّلُ سريعًا إلى فخٍّ استراتيجي. ويُقدّمُ إرثُ “الربيع العربي” مثالًا واضحًا على ذلك، إذ أفضت التدخُّلات العسكرية الأجنبية في سياق التعبئة الشعبية، كما في سوريا وليبيا واليمن، إلى تفكيكِ مؤسّسات الدولة الهشّة، وعسكرةِ المجالِ السياسي، وإطلاقِ نزاعاتٍ أهلية طويلة الأمد ما زالت ارتداداتها تُثقِلُ استقرارَ الشرق الأوسط. وتكشفُ هذه المسارات أنَّ أزمةَ الشرعية، مهما بلغت حدّتها، لا تتحوَّلُ تلقائيًا إلى إصلاحٍ سياسي بفعل التدخُّلِ الخارجي، بل كثيرًا ما تنتهي بانهيارِ الإطارِ السياسي ذاته وانزلاقِهِ إلى صراعٍ مفتوح.

وبقدرِ ما يبدو التهديد بالعمل العسكري خيارًا ضاغطًا في مواجهة أنظمة مأزومة، تُظهِرُ التجاربُ الحديثة أنَّ هذا المسار غالبًا ما يُنتِجُ نتائجَ عكسية، ولا سيما عندما يستهدفُ أنظمةً تُعاني أصلًا من اضطراباتٍ داخلية. ففي مثل هذه الحالات، يميلُ الضغط الخارجي إلى تعزيز النزعة الاستبدادية بدل كبحها، إذ يُفسّرُ الحكّام التهديد العسكري بوصفه خطرًا وجوديًا، ما يدفعهم إلى إعادة تعريف المعارضة الداخلية باعتبارها امتدادًا للعداء الخارجي، وتحويل السياسة إلى معركة صفرية من أجل البقاء.

وقد وفّر ما عُرف بـ”الربيع العربي” شواهد عديدة على هذه الديناميكيات، حيث أدّت التهديدات الخارجية أو سياسات الضغط القصوى إلى تكثيف القمع، وإغلاق المجال العام، وتهميش القوى الإصلاحية السلمية داخل الأنظمة القائمة. وفي حالاتٍ عدة، استُخدِمَت المخاطر الخارجية ذريعةً لإعادة تمكينِ الأجهزة الأمنية وإضفاءِ شرعيةٍ إضافية على القبضة الصارمة للدولة، ما أجهضَ إمكانات التغيير التدريجي من الداخل.

وفي السياق الإيراني، لا تبدو التهديدات العسكرية الأميركية استثناءً عن هذه القاعدة. فبدل أن تُضعِفَ النظام أو تدفعه إلى مراجعة سلوكه، من شأنها أن تُعزّز هيمنة المؤسسة الأمنية، وتمنحها مُبرِّرًا لتشديد الضوابط الداخلية، حتى في ظلِّ تراجُعِ زخمِ التعبئة الشعبية وتآكل الثقة الاجتماعية. وبذلك، يتحوَّلُ الضغط الخارجي إلى عامل استقرار للنواة الصلبة للنظام، لا إلى أداةِ تغيير.

في المقابل، لا تزال أمام الولايات المتحدة خياراتٌ أخرى أكثر قابلية للتطبيق، تقوم على مزيجٍ محسوب من الحوافز والعقوبات الذكية، يهدف إلى تعديل سلوك النظام من دون دفعه إلى العسكرة أو الانهيار. فالعقوباتُ المُوَجَّهة يمكن أن تظلَّ أداةً فعّالة لكبح أكثر مراكز القوة قمعًا، شرط أن تُقرَنَ بمساراتٍ واضحة للإغاثة الاقتصادية والانخراط الديبلوماسي، مُرتبطةً بإصلاحاتٍ قابلة للقياس والتحقق.

ينطلق هذا النهجُ من قراءةٍ واقعية للسياسة، مفادها أنَّ الأنظمة الواقعة تحت الضغط نادرًا ما تُقدِم على إصلاحاتٍ إذا بدت تلك الإصلاحات بمثابة استسلام. أما عندما تُصاغ الإصلاحات في إطار تعزيز الاستقرار الداخلي وتحسين شروط البقاء، فإنَّ فُرَصَ تمريرها تصبح أعلى. ومن هنا، يمكن للحوافز المشروطة—مثل تخفيف العقوبات، أو تسهيلات اقتصادية محددة، أو اتفاقيات لخفض التصعيد الإقليمي—أن تُقوّي موقع الفاعلين البراغماتيين داخل النظام، من دون استدعاء الكلفة الباهظة للإكراه الخارجي.

في المحصّلة، يُفتَرَضُ بالسياسة الأميركية تجاه إيران أن تكونَ أقل اندفاعًا نحو تحقيق تحوُّلٍ سياسي سريع، وأكثر تركيزًا على إدارة المخاطر في منطقةٍ تُعاني أصلًا من اختلالاتٍ بُنيوية. فقد أظهرت تجارب العقد الماضي أنَّ زعزعةَ استقرار الأنظمة بالقوة، أو عبر سياسات الضغط الأقصى، كثيرًا ما أفضت إلى أوضاعٍ أسوأ من الواقع القائم، سواء على مستوى المجتمعات المحلية أو على صعيد الأمن الإقليمي.

قد يكون العمل مع هياكل السلطة القائمة، مهما بدا بطيئًا ومُحبِطًا، المسار الأكثر واقعية لتشجيع الإصلاح التدريجي والحد من الانفجارات الكبرى. فهو خيارٌ لا يخلو من التناقضات، لكنه يظل—حتى الآن— الأقل كلفة والأكثر موثوقية لتفادي دورةٍ جديدة من الانهيار، والقمع، والتداعيات الإقليمية المفتوحة.

في هذا الإطار، لا تفتقرُ واشنطن إلى بدائل سلمية عملية، بل يُمكنها اعتماد حزمة من الإجراءات الملموسة التي تجمع بين الضغط والتحفيز، وتنسجم في الوقت نفسه مع توجُّهات قوى إقليمية وازنة مثل السعودية والإمارات وقطر وتركيا ومصر. وهي دولٌ تُشكّلُ ما يُعرف بالقوى المتوسطة الرئيسة في الشرق الأوسط، وتشترك في معارضة الانزلاق نحو مواجهةٍ عسكرية مع إيران، إدراكًا منها لما قد تحمله من تداعياتٍ خطيرة على الاستقرار الإقليمي وأسواق الطاقة وأمن الممرّات الحيوية.

أول هذه الإجراءات يتمثّل في إعادة تصميم منظومة العقوبات الأميركية، بحيث تتحوّل من عقوبةٍ دائمة ومُجرَّدة إلى أدواتِ ضغطٍ مشروطة وقابلة للتراجع. ويقتضي ذلك تحديد خطوات واضحة ومعلنة —في ما يخص الشفافية النووية، أو خفض التصعيد الإقليمي، أو حتى بعض ملفات الحوكمة الداخلية— يُمكِنُ أن تقودَ إلى تخفيفٍ جُزئي ومدروس للعقوبات، لا سيما في القطاعات التي تَمسُّ مباشرةً حياة المدنيين. إنَّ هذا الوضوح من شأنه أن يُضعِفَ سردية المتشدّدين داخل النظام، الذين يُروِّجون لفكرة أنَّ أيَّ تنازُلٍ لا يُكافأ، بل يُفسَّر ضعفًا ويُهدّد بقاء النظام نفسه.

ثانيًا، تستطيع الولايات المتحدة الاستثمار بشكلٍ أوسع في أُطُرِ خَفضِ التصعيد الإقليمي، عبر دعم المبادرات التي تقودها أو تتوسط فيها قوى إقليمية، والعمل من خلالها بدل تجاوزها. فتعزيز الحوار السعودي–الإيراني والخليجي–الإيراني، وتوفير غطاء ديبلوماسي هادئ له، إلى جانب الانفتاح التركي والمصري على طهران، يُتيحُ لواشنطن التأثير في السلوك الإيراني بصورةٍ غير مباشرة، مع تقليص منسوب التوتر الإقليمي. وتمتلك هذه الدول قنوات اقتصادية وديبلوماسية وأمنية مع إيران تفتقر إليها الولايات المتحدة، فضلًا عن دوافع قوية تَحُولُ دون الانجرار إلى حربٍ شاملة تُهدِّدُ أمنها الداخلي واستقرار محيطها.

أما ثالث الإجراءات، فيكمُنُ في توسيع الإعفاءات الإنسانية وقنوات التبادل الأكاديمي والثقافي، وحمايتها بوضوح من نظام العقوبات. فهذه الخطوات لا تُخفّفُ فقط من الأعباء الاجتماعية والاقتصادية للعزلة، بل تُسهِمُ أيضًا في كسر احتكار النظام لروايات “الحصار” و”المقاومة”. والأهم أنها تبعثُ برسالةٍ سياسية دقيقة مفادها أنَّ السياسة الأميركية تُميِّزُ بين الدولة الإيرانية والمجتمع الإيراني، ما يُقلّصُ قدرة النظام على تبرير القمع الداخلي بوصفه ردًّا مشروعًا على عداءٍ خارجي شامل.

وأخيرًا، يتعيّن على واشنطن أن تُحكِمَ تنسيقها مع القوى الإقليمية المتوسطة لصَوغِ خطٍّ أحمر مشترك ضد التصعيد العسكري، بالتوازي مع الحفاظ على ضغطٍ ديبلوماسي مُوَحَّد يهدفُ إلى إحداث تغييرٍ تدريجي لا صدامي. فالتقارب الواضح بين المواقف الأميركية والإقليمية—القائم على رفض الحرب، وتغليب خفض التصعيد، والدفع نحو إصلاحات مرحلية—من شأنه أن يحدَّ من قدرة طهران على توظيف الانقسامات الدولية لمصلحتها، ويُرسِّخُ في الوقت نفسه معادلة مفادها أنَّ الاستقرارَ والإصلاح ليسا مسارَين مُتعارضَين بالضرورة.

وفي شرقِ أوسطٍ يرزحُ أصلًا تحت وطأةِ أزماتٍ متراكمة، تبدو السياسات السلمية المُنَسَّقة إقليميًا الخيار الأكثر واقعية للتأثير في سلوك إيران، من دون الانزلاق إلى فخِّ التدخُّل العسكري أو إعادة إنتاج دوّامات الاضطراب الداخلي التي كشفت تجارب “الربيع العربي” كلفتها الباهظة. فإدارةُ المخاطر، لا تفجيرها، تظلُّ الرهانَ الأجدى في منطقةٍ لم تَعُد تحتمل صدماتٍ استراتيجية إضافية.

Exit mobile version