شهد الشمال الشرقي السوري تحوّلًا حاسمًا انتقلت فيه المعركة من ميادين القتال إلى طاولة التفاوض، بعد أن فرضت دمشق وقائع جديدة بالقوة. غير أن هذا التحوّل، على رغم هدوئه النسبي، يفتح أسئلة عميقة حول مستقبل الاندماج، والحقوق، وحدود السيادة في سوريا ما بعد الحرب.
أوزغي غينج*
بدت سوريا، الخارجة بالكاد من عقدٍ من الاستنزاف، خلال العام الماضي ساحةً لتحوّلات جيوسياسية عميقة أعادت رَسمَ موازين القوة على نحوٍ متسارع ومفاجئ. ففي كانون الأول (ديسمبر) 2024، أطاحت عملية عسكرية خاطفة قادتها “هيئة تحرير الشام” بنظام الأسد الذي حكم البلاد لنحو نصف قرن، فاتحةًً مرحلة سياسية جديدة لم تلبث أن دخلت اختبارها الأصعب. وبعد أكثر من عام بقليل، كرّست الحكومة السورية الجديدة هذا المسار عبر هجومٍ سريع في شمال شرق البلاد أدّى عمليًا إلى تفكيك سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) ذات القيادة الكردية، التي كانت تُمسك بمساحاتٍ واسعة هناك بدعمٍ أميركي منذ أكثر من عشرة أعوام.
غيرَ أنَّ هذا التحوُّل لم يكن نتاجَ لحظةٍ عسكرية معزولة بقدر ما كان حصيلةَ مسارٍ سياسي مُتَعثِّر. فمحاولة الاندماج الوطني التي أُطلِقت في آذار (مارس) 2025 سرعان ما اصطدمت بتناقُضاتٍ بُنيوية حول شكل الدولة وإعادة توحيدها. ورُغمَ أنَّ اتفاقَ 10 آذار (مارس)، المُوَقَّع بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي، قُدِّمَ آنذاك بوصفه إطارًا لإدارةِ مرحلةٍ انتقالية تشملُ دمجًا أمنيًا وتسليمًا تدريجيًا لملفّاتٍ سيادية حسّاسة، إلّا أنَّ هشاشته كانت كامنة منذ البداية. فقد تعاملَ كلُّ طرفٍ مع الاتفاق انطلاقًا من تصوُّرٍ مختلف جذريًا: دمشق رأت فيه مدخلًا لاستعادة مركزية الدولة واحتكارها للقوة، فيما قرأته “قسد” كفرصةٍ لتكريس صيغةٍ لامركزية تحافظ على مكتسباتها السياسية والعسكرية داخل البنية الجديدة.
مع انقضاء مهلة التنفيذ المنصوص عليها في إطار الاندماج من دون التوصل إلى تسوية مع نهاية العام 2025، تقلّصَ هامشُ المناورة السياسية إلى حدّه الأدنى، وباتَ الإكراه الخيار الأكثر ترجيحًا لكسر حالة الجمود. ومع اقتناع دمشق بأنَّ ميزان القوى الميداني قد مال بصورة حاسمة لمصلحتها، بدأت بإعادة تعريف الاندماج ذاته، مُنتقلةً به من مسارٍ يفترض بناء دولة جامعة إلى أداة لفرض سيادة الدولة المركزية بالقوة، بوصفها أولوية أمنية وسياسية لا تحتمل التأجيل.
هذا التحوّل الاستراتيجي دَشّنَ لحظةً فاصلة مطلع كانون الثاني (يناير) 2026. فقد أسهمت سلسلة اجتماعات رفيعة المستوى عُقدت في دمشق وباريس في تسريع الاستحقاق بدل احتوائه ضمن مسارٍ مُتدرِّج، لتُعلن الحكومة السورية موقفها بوضوح عبر معادلة لا لبس فيها: الاندماج أو القتال. والأهم أنَّ واشنطن لم تُبدِ اعتراضًا على هذا الاتجاه، بل أوحت باستعدادٍ مُتزايد للتعامل مع الدولة السورية ورئيسها الانتقالي بوصفهما القناة الأساسية لإدارة مرحلة ما بعد الحرب، بدل الإبقاء على دورٍ شبه مستقل لـ”قوات سوريا الديمقراطية”. وفي هذا المناخ، انتهت محادثات الاندماج في دمشق في 4 كانون الثاني (يناير) من دون تحقيق اختراقٍ فعلي، قبل أن تتحوّل التوترات سريعًا إلى اشتباكاتٍ في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، الخاضعَين لسيطرة “قسد” وقوى “الأسايش”، بما أكّدَ أنَّ المسارَ انزلق نهائيًا من طاولة التفاوض إلى منطق فرض الأمر الواقع.
في منتصف كانون الثاني (يناير)، انتقل التصعيد إلى مرحلة أوسع وأكثر حسمًا، إذ وسّع الجيش السوري والفصائل المتحالفة معه عملياته في الشمال والشرق، مُستعيدًا مناطق ذات غالبية عربية، في مقدّمها الرقة ودير الزور، بينما تراجعت “قوات سوريا الديمقراطية” تحت وطأة ضغط عسكري متصاعد. ولم يقتصر التآكل على الجبهة العسكرية، بل ترافَق مع تصدّع داخلي تمثّل في انشقاق عشائر عربية كانت تشكّل جُزءًا من الحاضنة المحلية لـ”قسد”، ما كشف هشاشة الائتلاف الذي تشكّل في ظروف استثنائية ولم يصمد أمام تبدّل موازين القوة. ونتيجة لذلك، انكمشت الخريطة الجغرافية لـ”قسد” بسرعة باتجاه ما يمكن وصفه بالقلب الكردي لـ”روجافا”، حيث أعادت قيادتها وقواتها المتبقية التموضع في شمال الحسكة ومدينة القامشلي.
ومع استنزاف عمق “قسد” الاستراتيجي وارتفاع كلفة أي تصعيد إضافي، اضطر الطرفان إلى إعادة ضبط حساباتهما. فجاء وقف القتال بوساطة أميركية، تُوِّج باتفاق من 14 بندًا تضمّن تنازلًا غير مشروط عن الرقة ودير الزور، ووضع مسارًا جديدًا لعملية الاندماج. عمليًا، جرى تعليق إطار اتفاق 10 آذار (مارس)، واستُبدل بشروط أكثر تشدُّدًا فُرِضت على “قسد”، عكست بوضوح انتقال ميزان التفاوض من الشراكة القلقة إلى الإملاء السياسي.
في هذا السياق، وصف المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم برّاك، هذه التطورات بأنها “فرصة كبرى” تتقاطع مع التحوّل في مقاربة واشنطن للملف السوري، والتي باتت تميل إلى إدارته عبر دمشق. وبالتوازي، سعت الحكومة المركزية إلى تعزيز شرعيتها داخل الأوساط الكردية عبر خطواتٍ سياسية وقانونية محسوبة. ففي 16 كانون الثاني (يناير)، أصدر الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم 13 لعام 2026، مانحًا الجنسية لأكراد مكتومي القيد، ومعترفًا باللغة الكردية “لغة وطنية”، ومُعلنًا عيد نوروز عطلة رسمية. وتبعت ذلك إجراءاتٌ تنفيذية في 26 كانون الثاني (يناير)، مع صدور تعليمات من وزارة التربية لتطبيق مناهج اللغة الكردية وتدريب الكوادر التعليمية. هكذا تكرّس منطق المسارَين المُتوازيين: توسيع السيطرة على الأرض بالقوة، في مقابل اعتراف انتقائي بالحقوق تُديره الدولة من أعلى، ضمن حدود ترسمها هي وحدها.
وعلى الرُغمِ من تمديد الهدنة الأوَّلية، التي استمرّت أربعة أيام، مرَّتين مُتتاليتين لتسهيل نقل معتقلي تنظيم “داعش” إلى العراق بتنسيق أميركي، ظلَّ منسوب التوتر في ارتفاع ملحوظ. فقد واصلت الحكومة السورية حشد قواتها حول ما تبقّى من المناطق ذات الغالبية الكردية، في مقابل تشديد “قوات سوريا الديمقراطية” انتشارها الدفاعي، ما أعاد إلى الواجهة ذاكرة جماعية مثقلة بالحصار والخوف. داخل المجتمعات الكردية، استُحضِرَت سريعًا صور كوباني في العامين 2014 و2015، حين واجهت المدينة خطر الإبادة على يد تنظيم “داعش”، لتتحوّل لحظة 2026 إلى ما يشبه “إعادة إحياء للصدمة”، تعكس مخاوف وجودية من محو ديموغرافي وسياسي في مرحلة ما بعد الحرب. غير أنَّ هذا القلق العميق، الذي تردّد صداه عالميًا عبر تحرُّكات واحتجاجات الجاليات الكردية، أسهم في الوقت نفسه في تعزيز التماسُك الداخلي، ورفع منسوب القدرة على الصمود والتفاوض.
في هذا السياق الهشّ، أعلن الطرفان في 30 كانون الثاني (يناير) التوصُّل إلى اتفاقٍ شامل يهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار وإطلاق مسار اندماجٍ مرحلي. ونصّ الاتفاق على وقف الأعمال العدائية وسحب القوات من خطوط التماس، مع نشر وحداتٍ أمنية تابعة لوزارة الداخلية في الحسكة والقامشلي، ودمج قوى “الأسايش” المحلية ضمن الهياكل الرسمية للدولة. وعلى المستوى العسكري، أُشير إلى إخضاع وحدات مختارة من “قسد” للقيادة السورية، في مقابل انتقال السيطرة على الأسلحة الثقيلة والمعابر الحدودية وحقول النفط والطرق الرئيسة إلى الدولة. إداريًا، جرى الاتفاق على دمج المؤسسات الذاتية في أجهزة الدولة مع الإبقاء على كوادرها المدنية، إلى جانب التزامات بتسوية الحقوق المدنية والتعليمية للأكراد، وتسهيل عودة المهجّرين، واعتماد صيغ إدارة مشتركة للمعابر والمطارات. وبهذا المعنى، مثّل الاتفاق تسوية تفاوضية لحالة الجمود، قامت على تنازُلاتٍ متبادلة، لكنها منحت الأولوية بوضوح لمبدَإِ السيادة بوصفه الإطار الحاكم للمرحلة المقبلة.
كيف انقلب مسار الاندماج؟
وعند تفكيك التحوّل الذي طرأ على مقاربة الحكومة السورية في كانون الثاني (يناير)، يتبيّن أنَّ الانعطافَ نحو توطيد السيطرة بالقوة استلهمَ إلى حدٍّ كبير النموذج التركي في التعامل مع حزب العمال الكردستاني، والقائم على إعادة تشكيل ميزان القوى ميدانيًا عبر ضغطٍ حاسم، ثم الانتقال إلى التفاوض من موقع التفوّق. وقد تبنّت دمشق هذا المنطق بالكامل، رُغمَ هشاشتها البنيوية وحاجتها الماسّة إلى اكتساب شرعية داخلية وخارجية. وبدل أن تقود هذه الهشاشة إلى قدرٍ من التحفّظ وضبط النفس، جرى توظيفها بوصفها دافعًا لتعزيز الموقع التفاوضي باستخدام القوة باعتبارها أداة تأسيسية للمرحلة الجديدة.
في المقابل، تكشّف محدودية أوراق الضغط التي راهنت عليها “قوات سوريا الديمقراطية”. فالأصول التي امتلكتها، من السيطرة على النفط والمعابر إلى إدارة ملف معتقلي تنظيم “داعش”، تبيّن أنها أدوات غير مكتفية بذاتها، ولا تكتسب فعاليتها إلّا بقدر ما تحظى برعاية خارجية ثابتة وبقاء الائتلافات المحلّية متماسكة. وفي هذه اللحظة، انهار الركنان معًا: واشنطن أوضحت سقف التزامها الضيّق، فيما تآكلت التحالفات العشائرية الداخلية لـ”قسد” تحت وطأة تطويق إقليمي منسّق، أفقدها القدرة على المناورة المستقلة.
وعلى خطّ موازٍ، أسهم الموقف التركي في تفكيك افتراضات سادت سابقًا حول إمكانية كبح أنقرة لسياستها السورية بفعل مسار السلام الكردي الداخلي. فقد أظهرت الوقائع العكس تمامًا، إذ شجّعت تركيا المقاربة الجديدة لدمشق، وظلّ موقف التيار المتشدّد فيها ثابتًا: منع أي امتداد لحزب العمال الكردستاني إلى سوريا، والدفع باتجاه حلّ “قسد” ونزع سلاحها. ولم تكن هذه المقاربة مجرّد انعكاس لخطاب “صقوري”، بل استندت إلى قراءة إقليمية مألوفة تُطابق بين السيادة والوحدة، وتتعامل مع اللامركزية بوصفها تهديدًا للتقسيم، وتؤطّر الاعتراف الجماعي كمنحة مشروطة تمنحها الدولة وتبقى تحت وصايتها، لا كحق يُنتزع عبر التفاوض والضغط.
خلاصة المشهد، لم يُسدل الستار على المشروع السياسي الكردي في سوريا بقدر ما جرى تطويقه قسرًا. فالانكماش السريع لرقعة سيطرته في الشمال الشرقي يعكس انتقاله من مرحلة أُتيحت فيها هوامش واسعة للمبادرة، إلى مرحلة أكثر تقييدًا، لكنها لا تُقصيه بالكامل عن معادلة التفاوض القائم على الحقوق. كما تبقى مسألة اختزال الحكم الذاتي في صلاحيات إدارية محلية وترتيبات أمنية موضعية وضمانات ثقافية محدودة ساحة نزاع مفتوحة، خصوصًا في ظل إعادة اللاعبين الأكراد معايرة مواقعهم بدل الانهيار، والحفاظ على الأطر المؤسسية وقنوات التفاوض التي تجعل حضورهم وحقوقهم عنصرًا يصعب تجاهله في المعادلة السورية المقبلة.
وماذا الآن؟
قنّن اتفاق 30 كانون الثاني (يناير) قناة التفاوض التي صمدت أمام تصعيدات ذلك الشهر، واضعًا حدًا فعليًا لهامش الاستقلال الذي تمتعت به “قسد”، ومُخضعًا إياه لشروط السيادة التي طرحتها دمشق. ومن حيث المبدَإِ، يمكن لهذا المسار أن يتطوّرَ إلى صيغة اندماج قائمة على الحقوق، تُثبَّت فيها المناطق الكردية ضمن أطر حوكمة خاضعة للرقابة، تستند إلى ضمانات قابلة للتحقق، مع نقل مركز الثقل من منطق السيطرة الأمنية إلى مقاربات الأمن الإنساني وإعادة الإعمار، بما يعزّز قدرة المجتمعات المحلية على الاستقرار والتعافي.
غير أنَّ صون هذا التوازن الدقيق لا يتوقف على الترتيبات السياسية والأمنية وحدها، بل يتطلّبُ أيضًا قدرًا عاليًا من الانضباط السردي. فتصوير العملية بوصفها نصرًا كاملًا لطرف أو هزيمة مطلقة لآخر يحمل في طيّاته مخاطر تراكم أحقاد مؤجلة. وبدلًا من ذلك، تبرز الحاجة إلى تأطير المرحلة الانتقالية بوصفها صيغة حفظ متبادل للوحدة: استعادة للسيادة من دون محو الوجود السياسي الكردي، وصون للحقوق الكردية من دون الانزلاق إلى تقسيم إقليمي. ويُعدّ هذا التوازن في الخطاب عنصرًا حاسمًا لاستدامة الاستقرار في سياقات ما بعد النزاعات.
في الجوهر، لا يمكنُ للاتفاق الأخير أن يكونَ أكثر من جسرٍ مؤقّت. فالهدوء سيظل هشًّا ما لم يُدعَم بإطارٍ دستوري يُرسّخ الحقوق الثقافية، ويؤسّس لحكم محلي فعّال، ويضمن المشاركة السياسية ضمن منظومة قانونية مُلزِمة. فالاندماج من دون دسترة لا يتجاوز كونه إدارة مؤقتة للمسألة، لا حلًا جذريًا لها. وفي هذا الإطار، سيُقاس أداء النظام السوري في مرحلة ما بعد الحرب بقدرته على تحويل الضغط القسري إلى تسوية سياسية تحظى بدعم فعلي من المكوّنات المجتمعية، وتُغني عن العودة إلى السلاح. إذ إنَّ الارتداد إلى العنف ليس قدرًا محتومًا، بل خيارٌ سياسي يمكن تجنّبه إذا ما أُحسِنَ توظيف لحظة التحوّل الراهنة.
- أوزغي غينج هي زميلة زائرة في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية. كانت سابقًا مديرة البحوث في مركز دراسات السياسة العامة والديموقراطية في مدينة إسطنبول التركية. وشغلت قبل ذلك منصب مديرة برنامج تحقيق الديموقراطية في المؤسسة التركية للدراسات الاقتصادية والاجتماعية. وكانت أيضًا خبيرة أولى في مجال الحَوكمة الديموقراطية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وفي مؤسسة التعليم فوق الجميع في قطر.
