توازُنات الإقليم المتحرّكة: كيف يُعادُ رَسمُ الشرق الأوسط خارج المظلّة الأميركية

تكشف التحركات الإقليمية الأخيرة عن تحوّلٍ عميق في موازين القوة في الشرق الأوسط، حيث لم تعد الولايات المتحدة قادرة على فرض هندسة أحادية للنظام الإقليمي. وفي قلب هذا التحوّل، تتشكّل تقاطعات جديدة هدفها كبح الهيمنة الإسرائيلية ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة.

الرئيس دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو: هل يغرق الثاني الأول في حرب جديدة مع إيران؟

مايكل يونغ*

كشفت التقارير الصادرة في 2 شباط (فبراير) الجاري، والتي تحدثت عن دور تركيا وقطر بالتنسيق مع روسيا ومصر في تأجيل ضربة أميركية محتملة ضد إيران، عن ملامح لحظة جيوسياسية جديدة تتشكّل في الشرق الأوسط. فهي ليست مجرد واقعة ديبلوماسية عابرة، بل مؤشّرٌ إلى تحوُّلٍ أوسع في توازنات الإقليم وأدوار الفاعلين فيه.

وبحسب هذه التقارير، انحصرت مطالب إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب من طهران في مسألتين مركزيتين: تفكيك البرنامج النووي الإيراني، والحد من ترسانة الصواريخ الباليستية. وفي مسعى لتجنُّب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، برزت وساطة تركية–قطرية أفضت إلى طرحِ تصوُّرٍ لاتفاقٍ مبدئي، يقومُ على تواصُلٍ مباشر—ولو عبر الوسائط الرقمية—بين ترامب والرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان، يعقبه مسارٌ تفاوضي بين المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف ووفد إيراني. وتشير المعطيات إلى أنَّ جدول الأعمال المحتمل لهذه المفاوضات يتجاوز الملف النووي ليشمل الصواريخ الإيرانية، ودور وكلاء وحلفاء طهران الإقليميين، وربما حتى صادرات الطاقة، مع احتمال إسناد دور لروسيا في الإشراف على تخصيب اليورانيوم الإيراني خارج الأراضي الإيرانية.

ومهما تكن مآلات هذا المسار، فإنّ ما يتشكّل يتجاوز تفاصيل الاتفاق المُحتَمَل ليُعبِّر عن مرحلةٍ جديدة في الإقليم. لفهم هذه اللحظة، لا بدّ من العودة سنوات إلى الوراء، وتحديدًا إلى مرحلة بدأت فيها الولايات المتحدة إعادة النظر في انخراطها الشرق أوسطي. ففي أواخر عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما، ومع انطلاق سياسة الانسحاب التدريجي من المنطقة، برز سؤال البدائل الاستراتيجية. وفي مقابلة مع مجلة “ذا أتلانتيك” في نيسان (أبريل) 2016، أوضح أوباما أنّ رؤيته كانت تقوم على أمل نشوء تفاهم بين السعودية وإيران، ومعهما شركاؤهما الإقليميون، يسمح بـ”تقاسم فعّال للجوار” وإرساء ما سمّاه “سلامًا باردًا”. وبمعنى أدق، كان ذلك تعبيرًا عن سعي إلى إقامة توازن قوى إقليمي يخفّف الحاجة إلى الانخراط الأميركي المباشر.

غير أنَّ هذه الرؤية اصطدمت سريعًا بموقف إسرائيل وحلفائها داخل الولايات المتحدة. فقد قرأ هؤلاء، بدقّة، توجّه إدارة أوباما على أنّه سعيٌ للاعتراف الضمني بنفوذ إيران الإقليمي، بما يعنيه ذلك من إقرارٍ بدورها في معادلات الشرق الأوسط. كما افترضوا، عن صواب، أنّ الاتفاق النووي لم يكن مجرّدَ تفاهُمٍ تقني حول التخصيب، بل بوابة محتملة لتطبيعٍ تدريجي في العلاقات الأميركية–الإيرانية. بالنسبة إلى إسرائيل، كان هذا المسار غير مقبول استراتيجيًا، ما دفعها، بالتعاون مع داعميها في واشنطن، إلى العمل المنهجي على تقويض الاتفاق، وهو ما تُوِّجَ بانسحاب دونالد ترامب من “خطة العمل الشاملة المشتركة” في أيار (مايو) 2018.

ومع اقتراب نهاية ولايته الأولى، اختار ترامب مقاربةً مغايرة لإدارة الانسحاب الأميركي من الشرق الأوسط، قوامها تثبيت الهيمنة الإسرائيلية بدل إعادة توزيع النفوذ إقليميًا. وكانت “اتفاقيات أبراهام” لعام 2020 الأداة المركزية لتحقيق هذا الهدف، إذ سعت إلى ترسيخ موقع إسرائيل عبر اتفاقيات تطبيع مع دول عربية، متجاوزة بالكامل القضية الفلسطينية واستمرار الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ عربية. ولم يكن هذا التوجّه حكرًا على الجمهوريين؛ فقد حظيت الاتفاقيات بدعم الحزبين في واشنطن، كما سعت إدارة جو بايدن لاحقًا إلى توسيعها عبر محاولة استقطاب السعودية، ودعمها بمبادرات اقتصادية وجيوسياسية، من بينها إطلاق مجموعة «I2U2» وطرح مشروع ممر الهند–الشرق الأوسط.

في عهد كلٍّ من ترامب وبايدن، تمثّل البديل العملي للانسحاب الأميركي في تهيئة المنطقة لما يمكن وصفه بـ”سلام إسرائيلي” برعاية أميركية، يُراد له أن يملأ الفراغ الاستراتيجي. وقد تجلّى هذا النهج بوضوح بعد اندلاع حرب غزة عام 2023، حين وقفت إدارة بايدن إلى جانب إسرائيل داعمةً إياها عسكريًا وسياسيًا بدون أيِّ شروط، في مواجهة ما اعتُبر تحدّيًا تقوده إيران وحلفاؤها. وخلال الحرب، واصلت واشنطن تزويد إسرائيل بالسلاح رغم القيود القانونية المرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان، وتجاوزت الكونغرس مرارًا لإتمام صفقات التسليح، فضلًا عن تقديم دعم استخباري وعملياتي مباشر.

ولم يقتصر هذا الدعم على الجانب العسكري، بل شمل أيضًا تعطيل أي مسار قانوني لمحاسبة المسؤولين الإسرائيليين، والمساهمة في إنشاء ما سُمّي “هيئة الإغاثة الإنسانية”، التي ارتبط اسمها بعمليات أدّت إلى مقتل مدنيين فلسطينيين أثناء محاولات تجميعهم في مناطق محدّدة من غزة، في سياق أثار مخاوف واسعة من كونه تمهيدًا لإفراغ القطاع من سكانه. وبهذا، لم يعد “السلام” المطروح مشروع تسوية، بقدر ما غدا إطارًا لإدارة الصراع من زاوية التفوّق الإسرائيلي، لا من منظور الاستقرار الإقليمي الشامل.

تجاوز هذا الاستثمار الأميركي في إسرائيل حدود دعم حليفٍ تقليدي. فمنذ تشرين الأول (أكتوبر) 2023، بات واضحًا إلى أيّ مدى تبنّى صانعو القرار في واشنطن السردية الإسرائيلية للواقع الجيوسياسي في الشرق الأوسط، لا بوصفها إحدى القراءات الممكنة، بل كإطارٍ تفسيري شبه حصري. وقد انعكس ذلك بوضوح في مقاربات وقف إطلاق النار، حيث جرى التعامل مع القضية الفلسطينية بوصفها تفصيلًا ثانويًا. ففي شروط وقف إطلاق النار في غزة التي أعدّها دونالد ترامب في تشرين الأول (أكتوبر) 2025، اقتصرت الإشارة إلى الفلسطينيين على عبارات نمطية مقتضبة، من دون أيّ معالجة سياسية جوهرية.

ولم يكن هذا الانحياز حكرًا على إدارة ترامب. ففي عهد جو بايدن، مالت الترتيبات الأمنية والسياسية بشكلٍ واضح لمصلحة إسرائيل. ويشكّل اتفاق وقف إطلاق النار مع لبنان في تشرين الثاني (نوفمبر) 2024 مثالًا صارخًا على ذلك، إذ جاء في جوهره كوقف إطلاق نار أحادي الجانب، سرعان ما تحوّل إلى إطارٍ هشّ تنتهكه إسرائيل بشكل شبه يومي. ولاحقًا، دعمت الولايات المتحدة المساعي الإسرائيلية الطويلة الأمد لتقويض دور “قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان” (اليونيفِيل)، ما أتاح لإسرائيل هامشًا أوسع للتحرّك العسكري من دون رقابة دولية فعّالة.

غير أنّ المؤشر الأوضح على حجم النفوذ الإسرائيلي في صياغة السياسة الأميركية الإقليمية تمثّل في نجاح إسرائيل في جرّ الولايات المتحدة إلى شنّ هجوم مباشر على إيران في حزيران (يونيو) 2025. ومع شروع الإيرانيين في تكييف إطلاق صواريخهم لمواجهة تآكل فاعلية الدفاعات الجوية الإسرائيلية، وما رافق ذلك من دمارٍ واسع في المدن الإسرائيلية، كانت واشنطن هي الطرف الذي تدخّل سريعًا لفرض وقف إطلاق النار. ويُفسّر هذا السياق حرص رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الشديد على انتزاع موافقة أميركية مسبقة على أيّ تصعيد جديد مع إيران، كما ظهر خلال زيارته إلى واشنطن في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، في إطار سعيه إلى توجيه ضربة حاسمة للقدرات الصاروخية الباليستية الإيرانية.

إلّا أنّ هذا النجاح الإسرائيلي في توجيه “أجندة” الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بدأ يُنتج تداعيات عكسية. فمن أبرز تجلّيات ما يُنظر إليه إقليميًا على أنّه غطرسة إسرائيلية، قرار نتنياهو قصف مكاتب “حماس” في الدوحة في أيلول (سبتمبر) الماضي. ورغم تأكيد دونالد ترامب أنّه لم يكن على علم مسبق بالضربة، فقد شكّلت هذه الخطوة، بالنسبة إلى عدد من دول الخليج، لحظة تشكيك عميقة في جدوى تحالفها مع الولايات المتحدة، التي بدت عاجزة عن توفير الحماية من سلوك إسرائيلي أكثر اندفاعًا. وبالنسبة إلى دول مثل المملكة العربية السعودية، بات من المنطقي اليوم التفكير في الانخراط في ترتيبات إقليمية تشاركية تضم إسرائيل، بدل الاستمرار في الاعتماد على واشنطن بوصفها الضامن الأوحد لهيمنة إسرائيل الإقليمية وفرضها على بقية الفاعلين.

بات هذا المنطق يتردّد على نطاقٍ واسع في الإقليم، حيث بدأت دول مثل تركيا ومصر وقطر وإيران، وحتى باكستان، تُصنَّف—ولو ظرفيًا—ضمن معسكرٍ واحد، يجمعه هدف مشترك يتمثّل في كبح اندفاع إسرائيل المدعومة أميركيًا. وقد تجلّى هذا التقاطع في أكثر من ساحة. فمؤخرًا، وقفت تركيا والسعودية معًا في مواجهة الطروحات الإسرائيلية الداعية إلى تفكيك سوريا على أسس عرقية وطائفية، وذلك عبر دعم تحرّك عسكري للحكومة السورية في الشمال والشمال الشرقي ضد القوات الكردية. وعلى نحوٍ مماثل، عكست التدخّلات العسكرية السعودية في جنوب اليمن رفضًا واضحًا لتمكين إسرائيل والإمارات من فرض سيطرة فعلية على مضيق باب المندب، أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في البحر الأحمر. وفي هذا السياق، أشارت تقارير متداولة إلى مشاورات بين تركيا والسعودية وباكستان حول إمكان إنشاء إطار دفاعي مشترك، يتمثّل هدفه الضمني في الحدّ من الهيمنة الإسرائيلية الإقليمية.

ويتقاطع هذا المسار اليوم مع مساعٍ واضحة لمنع أيّ ضربة أميركية محتملة ضد إيران، إذ يرى أطراف هذا التجمّع غير المعلن أنّ مثل هذا الهجوم لن يؤدّي سوى إلى تعزيز موقع إسرائيل، مع ما يحمله من مخاطر زعزعة استقرار واسعة في الإقليم. ولا يعني ذلك قيام تحالفات دائمة أو تطابقًا في الرؤى بين السعودية وتركيا وإيران، بل على العكس، تبقى الخلافات البنيوية قائمة وقابلة للعودة إلى الواجهة. غير أنّ اللحظة الراهنة تفرض تقاطع مصالح واضحًا حول الحفاظ على وضعٍ إقليمي لا يمكن أن ينقلب لمصلحة إسرائيل، خصوصًا في ظلّ استعداد واشنطن المتكرّر لتبنّي أولوياتها.

في هذه المعادلة، تبدو مكامن القوة الإسرائيلية محدودة. فبينما تميل إسرائيل إلى استراتيجيات التفكيك وإضعاف الدول، تفضّل قوى إقليمية كتركيا والسعودية ومصر الإبقاء على دول موحّدة تحت سلطة مركزية واحدة. ومع ذلك، تظلّ لإسرائيل ورقة أساسية واحدة: نفوذها العميق في واشنطن. صحيح أنّها لم تنجح، حتى الآن، في دفع الولايات المتحدة إلى شنّ هجوم على إيران، لكن تأجيل هذا السيناريو لا يعني التخلي عنه. قد يكون خصوم إسرائيل قد سجّلوا مكسبًا مرحليًا في تعطيل الضربة الأميركية، إلّا أنّ الصراع حول اتجاه الإقليم لم يُحسم بعد، وما زال مفتوحًا على جولات مقبلة.

Exit mobile version