سوريا على خطِّ الزلازل الجيوسياسي: من انهيارِ الحكم الذاتي إلى اختبارِ وحدةِ الدولة

تُعيدُ التحرُّكات العسكرية في شمال شرق سوريا خلط الأوراق على امتداد الجغرافيا السياسية للبلاد، من الفرات إلى الجنوب. وبين رهان إعادة توحيد الدولة ومشاريع المناطق العازلة والتفتيت، يتشكّل فصلٌ جديد من الصراع على مستقبل سوريا ووحدتها.

الرئيس أحمد الشرع: يعيد توحيد البلاد خطوة خطوة ولكن…

أرميناك توكماجيان*

بعبورها نهر الفرات في الأيام الأخيرة، كسرت قوات الحكومة السورية خطًا فاصلًا عمره نحو عقد كان يَرسُمُ عمليًا حدود الصراع داخل البلاد، وخلفه رسّخت “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، ذات الغالبية الكردية، منطقة حكم ذاتي بحكم الأمر الواقع في شمال شرق سوريا. هذه الخطوة لا تمثّل مجرّد تحوّل ميداني، بل تفتح الباب أمام مرحلة سياسية وأمنية جديدة قد تتأرجح، في حال تعثّر الحوار، بين تصعيدٍ مفتوح ومفاوضات شائكة حول حقوق الأكراد، وضبط السلاح، وشكل المشاركة السياسية، وهي ملفات معقّدة لن يكون تفكيكها سهلًا.

ويبدو أنَّ مصيرَ تماسُك الدولة السورية سيتحدّد إلى حدٍّ كبير في هذا الشمال الشرقي المضطرب، مع ما يحمله ذلك من ارتدادات محتملة على بقية الجغرافيا السورية، ولا سيما في الجنوب، حيث تتصاعدُ أصواتُ شخصيات نافذة في الطائفة الدرزية تُطالب بمسارٍ من تقرير المصير لمحافظة السويداء. وفي هذا السياق، لا تعود التطورات مجرد تحرّكات عسكرية معزولة، بل مؤشرات إلى إعادة رسم توازنات داخلية قد تُعيدُ طرح سؤال وحدة سوريا ومستقبل نظامها السياسي برمّته.

انطلقت التطوُّرات الأخيرة مع مطلع العام الجديد، حين أعادت القوات الحكومية السورية ترتيب أولوياتها الميدانية بعد طرد المقاتلين الأكراد من حلب، لتُوَجِّه ثقلها العسكري نحو المناطق الواقعة غرب نهر الفرات. هناك كانت “قوات سوريا الديمقراطية” قد وسّعت انتشارها خلال مرحلة الفراغ التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد، مستفيدة من تراجع قبضة الدولة. وبالتوازي مع هذا الحشد، تدخلت الولايات المتحدة وسيطًا في محادثات أفضت، لفترة وجيزة، إلى صيغة بدت قابلة للحياة: انسحاب “قوات سوريا الديمقراطية” إلى شرق الفرات. غير أنَّ هذه الترتيبات سرعان ما اصطدمت بعقبات ميدانية وسياسية، إذ تفجّرت الخلافات أثناء تنفيذ الانسحاب وتسليم المناطق، في وقت انتفضت القبائل العربية في دير الزور والرقة ضد وجود “قسد”، ما أجبر وحداتها على التراجع شمالًا نحو المناطق ذات الغالبية الكردية. وفي 18 كانون الثاني (يناير)، حال اتفاق مؤقت صبّ في مصلحة دمشق من دون اندلاع مواجهة شاملة، لكنه لم يصمد سوى أيام قليلة، إذ انهار في 20 كانون الثاني (يناير)، ما دفع “قسد” إلى الدعوة للتعبئة العامة، قبل أن يتّفقَ الطرفان مُجدِّدًا على وقف إطلاق نار آخر لاستئناف المفاوضات، رُغم استمرار التوترات على مستوى مرتفع.

ولا يختزلُ الصراع في شمال شرق البلاد في بُعدِهِ المحلّي وحده، إذ يعكسُ في أحد وجوهه مسعى دمشق إلى كبح جماح الأطراف المتمرّدة وإعادة فرض سيطرتها على هوامش الدولة. لكنه، في جوهره الأعمق، يمثّل الساحة الرئيسة لتصادم رؤيتين استراتيجيتين خارجيتين لمستقبل سوريا. الأولى، المرتبطة بالدرجة الأولى بإسرائيل وربما تحظى بتأييد من الإمارات العربية المتحدة، ترى مصلحة في تفكيك سوريا إلى كيانات أصغر يسهل التحكم بها وإدارتها. أما الثانية، التي تبنّتها تركيا والسعودية ثم لحقت بها واشنطن لاحقًا، فترتكز على رهان إعادة بناء دولة مركزية تُحكَمُ من دمشق، تحتكر فيها الدولة أدوات القوة والتمثيل السياسي. ووفق هذا التصوُّر، يُفتَرَض إعادة دمج جميع المكوّنات العرقية والطائفية في النسيج الوطني عبر صفقات سياسية مع النظام. غير أنَّ الإشكالية تكمن في أنَّ هذا الهدف، حتى الآن، يبدو أقرب إلى عملية إعادة تجميع قسرية لسوريا من جديد، منه إلى مسار إعادة دمج مستدام يعالج جذور الانقسام ويؤسس لاستقرار طويل الأمد.

يُعَدُّ انهيارُ الكيان ذي الحكم الذاتي بحكم الأمر الواقع بقيادة الأكراد في شمال شرق سوريا، حتى الآن، انتصارًا واضحًا للنهج الثاني، ولا سيما للرؤية التركية منه. فمع تفكك “قوات سوريا الديمقراطية”، لجأ بعض القادة الأكراد إلى إطلاقِ دعواتٍ لتدخُّلٍ إسرائيلي، في محاولةٍ لاستحضار منطق “تحالف الأقليات”. غير أن أنقرة، بوصفها اللاعب الأثقل وزنًا في هذه الساحة، لطالما صاغت المسألة الكردية في سوريا باعتبارها قضية أمن قومي تمسّ حدودها الجنوبية مباشرة. ومن هذا المنظور، مثّل الكيان الكردي تهديدًا استراتيجيًا دائمًا لتركيا، وجعل من تفكيكه هدفًا مركزيًا سعت إليه بصبر وبكلفة مرتفعة على مدى أكثر من عقد. وبينما قد تُفضّلُ إسرائيل رؤية سوريا مُجَزّأة، وقد لا تتقاطع مع أنقرة في ملفات عديدة، فإنَّ الرهان على أن تُضحّي تركيا بمصالحها الحدودية، أو أن تصطدم بالمصالح الأميركية من أجل حماية هذا الكيان، لم يكن واقعيًا في أيِّ مرحلة.

ومن المفارقات أنَّ السياسة الأمنية التركية على الحدود الشمالية لسوريا تُوفّر نموذجًا إرشاديًا مفيدًا لفهم مقاربة إسرائيل في الجنوب. فقد أسهم انهيار “قوات سوريا الديمقراطية” في تعزيز موقع دمشق، وكذلك موقع القوى السورية الرافضة لتفتيت البلاد، وهو ما قد يخفف، بمرور الوقت، من حدّة المطالب الإسرائيلية المتشددة. ومع ذلك، سيظل أي ترتيب مُلزِم في الجنوب محكومًا بمراعاة المتطلّبات الأمنية الإسرائيلية على الحدود، تمامًا كما تخضع أيُّ تسوية في الشمال لمعادلة المصالح التركية. وفي المحصّلة، فإنَّ ما سيتمكن الرئيس السوري أحمد الشرع من إنجازه في الجنوب، بعد نجاح حملته في الشمال الشرقي، سيتوقف إلى حدّ كبير على الكيفية التي ستُعيد بها إسرائيل تعريف نظامها الأمني على حدودها الشمالية في السنوات المقبلة.

تتأسّس المقاربة الإسرائيلية لجنوب سوريا على مبدأين حاكمين: أولهما السعي إلى إنشاء منطقة عازلة شمال مرتفعات الجولان المحتلة، وثانيهما الدفع في اتجاه تفكيك سوريا إلى كيانات عرقية وطائفية أضعف وأيسر ضبطًا. وتعود جذور فكرة المناطق العازلة إلى إرث الصراعات السابقة بين إسرائيل وسوريا، ولا سيما اتفاقية فضّ الاشتباك لعام 1974 التي أعقبت حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973، والتي أنشأت منطقة فصل خاضعة لإشراف الأمم المتحدة شمال الجولان، وقيّدت نشر الأسلحة على جانبي خط الترسيم.

ومع اندلاع الصراع السوري بعد العام 2011، توسّع مفهوم “المنطقة العازلة” تدريجًا، ليبلغ ذروته في اتفاق العام 2018 الذي توسّطت فيه روسيا. وقد عكس هذا الاتفاق انتقال الأولوية الإسرائيلية من مجرد حماية الجولان إلى هدف أوسع بكثير، يتمثّل في تحييد أيِّ تهديدات محتملة قد تنبع من جنوب غرب سوريا، سواء من دمشق أو من حلفائها الإقليميين. وعلى الرُغم من أنَّ نظام الأسد وروسيا لم يعودا حاضرَين في المشهد على النحو الذي كان قائمًا آنذاك، فإنَّ جوهر اتفاق 2018 لا يزال يلقي بظلاله على التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي. وزاد الهجوم الذي انطلق من غزة في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023 من تشديد هذا النهج، بحيث باتت المنطقة العازلة في سوريا جُزءًا من حلقةٍ أوسع من الأحزمة الأمنية التي تسعى إسرائيل إلى ترسيخها حول حدودها، وتشمل أيضاً غزة ولبنان.

تكتسب هذه النقطة أهمية بالغة، لأنَّ إسرائيل، حتى لو نجح أحمد الشرع في ترسيخ موقعه في الشمال الشرقي وتراجع زخم دعاة تفتيت سوريا، ستُواصل التمسُّك باستراتيجية المنطقة العازلة بوصفها ركنًا ثابتًا في مقاربتها الأمنية. وما قد يتبدّل ليس المبدأ ذاته، بل نطاقه وآليات تطبيقه. فقد تُدفََعُ إسرائيل نحو ترتيبٍ عملي يمنح سوريا هامشًا أوسع للاستقرار، تُقلِّصُ فيه من انتهاكاتها للسيادة السورية وتُخفّف من سقف مطالبها القصوى، مثل الدعوة إلى منطقة منزوعة السلاح تمتد حتى دمشق. غير أنَّ ميزان القوى لا يزال يميلُ بوضوح لصالح إسرائيل، كما إنَّ إنشاءَ منطقةٍ عازلة يظلُّ مسألة جوهرية في تصوُّرها للأمن القومي، ما يجعل من غير الواقعي افتراض استعدادها لتقديم تنازلات كبيرة في هذا الملف.

في المقابل، يبدو أنَّ اندفاع إسرائيل نحو خيار التفتيت، والذي يتقاطع مع بعض تطلُّعات الدروز إلى تقرير المصير في السويداء، أقرب إلى سياسةٍ ظرفية وسطحية، تشكّلت بفعل المشهد المُتصدّع الذي خلّفه نظام الأسد، والاحتمال الحقيقي لانزلاق سوريا إلى مزيدٍ من التفكُّك. فلدى الدروز مظالم فعلية تجاه رئيس جديد كان، حتى وقت قريب، محسوبًا على التيار الجهادي، وقد غذّت هذه المخاوف نزعتهم إلى السعي نحو الحكم الذاتي. غير أنَّ مستقبل هذا الحكم الذاتي لا يتوقف على التوازنات المحلية وحدها، بل يرتبط على نحوٍ وثيق بالمنطق الإسرائيلي الأوسع الساعي إلى إعادة هندسة الخريطة السورية.

وقد لا تكون حكومة بنيامين نتنياهو في وارد التخلّي بسهولة عن الدروز، بالنظر إلى ثقلهم السياسي داخل إسرائيل ومكانتهم البارزة في المؤسسة العسكرية. ومع ذلك، وفي إقليم تتجه فيه تركيا والسعودية إلى دعم مسار توحيد سوريا، وتحظى هذه المقاربة بتأييد واشنطن، يصبح من الصعب على إسرائيل الإبقاء على التفتيت بوصفه سياسة مركزية طويلة الأمد. بل إنَّ سلوكَ إسرائيل نفسه يوحي بإعادة ترتيب أولوياتها. فمن المرجح أنَّ “خارطة طريق السويداء” في أيلول (سبتمبر) 2025 لحلِّ الأزمة في المحافظة، والتي لبّت مطالب الحكومة السورية، حظيت بموافقة إسرائيلية ضمنية، بما يشير إلى استعدادها لإبداءِ قدرٍ من المرونة في الترتيبات السياسية المحلية. في المقابل، يبدو إصرارها المتكرر على ترسيخ منطقة عازلة قوية أكثر صلابة وحزمًا، إذ يحظى بدعمٍ واسع من المؤسسات العسكرية والسياسية والأمنية الإسرائيلية على حد سواء.

لكي تمتد أصداء ما جرى في الشمال الشرقي إلى الجنوب، يتعيّن على دمشق أوّلًا أن تُثبِتَ قدرتها على ترسيخ سيطرتها الفعلية على المناطق الكردية الداخلية وإعادة إخضاعها لسلطة الدولة المركزية. فإذا ما نجحت في ذلك، فإنَّ ارتدادات هذا التحوُّل لن تقتصرَ على تلك الجغرافيا وحدها، بل ستطال أجزاء أخرى من سوريا، وفي مقدمتها الجنوب. غير أنَّ الخاسرَ المُرَجّح في هذا السيناريو لن يكون النهج الإسرائيلي الراسخ القائم على إنشاء حزام أمني داخل الأراضي السورية، حتى على حساب سيادة الجيران، بل الحكم الذاتي النسبي الذي انتزعه الدروز لأنفسهم في السويداء، والذي سيجد نفسه تحت ضغوط متزايدة لإعادة الإدماج ضمن معادلة الدولة المركزية.

  • أرميناك توكماجيان هو باحث غير مقيم في مركز مالكولم إتش كير كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت. يُركّز بحثه على الحدود والصراع، واللاجئين السوريين، وعلاقات الدولة بالمجتمع في سوريا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى