اليمن عندَ مُفتَرَقِ الخَطَر: هل يَنتَصِرُ مَنطِقُ الحوارِ على مَنطِقِ التفكُّك؟
يقف اليمن اليوم أمام لحظة مفصليّة تختبر قدرته على تفادي جولة جديدة من التفكك، في ظل تحولات سياسية وأمنية متسارعة. وبين منطق التصعيد ومنطق الحوار، تتحدد ملامح مسار قد يرسم مستقبل البلاد لسنوات مقبلة.

رأفت الأكحلي*
بعد أسابيع حاسمة أعادت رسمَ ملامح المشهد السياسي في اليمن، يقف البلد مجددًا على حافة مفترق طرق بالغ الخطورة. فعلى الرُغم من الجهود المتواصلة لاحتواء التوترات وتفادي الانزلاق نحو مواجهةٍ مفتوحة، لا تزال احتمالات التصعيد ماثلة بقوة. وقد عكست التطوّرات الأخيرة هشاشة التوازن القائم، وضيق هامش المناورة، وسرعةُ تحوُّلِ أيِّ خطَإٍ في التقدير السياسي إلى عامل ينسف استقرارًا هو أصلًا على المحك. وفي هذه اللحظة المشحونة، يبدو أنَّ الفشلَ في خفضِ التصعيد لا يُهدِّدُ اليمن وحده، بل يحملُ في طيّاته تداعيات تتجاوز حدوده إلى الإقليم برمّته.
وفي مطلع كانون الأول (ديسمبر)، فجّرت التقدّمات التي حققتها قوات موالية للمجلس الانتقالي الجنوبي، بدعمٍ إماراتي، في شرق اليمن —ولا سيما في محافظتي حضرموت والمهرة ذواتَي الأهمية الاستراتيجية، والمُحاذيتين للسعودية وسلطنة عُمان على التوالي— ردَّ فعلٍ حادًا من الرياض والحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا. هذا الرد، الذي قاده رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بدورٍ سعودي مركزي وحاسم، اتَّسَمَ بنبرةٍ محسوبة ومسؤولة، شدّدت على ضبط النفس واحترام السيادة اليمنية، وسعت إلى إدارة التصعيد واحتوائه بدل دفعه نحو مزيدٍ من التدهور. وفي سياق التعامل مع الأزمة، أعلن العليمي حالة الطوارئ، وألغى اتفاقًا أمنيًا مع الإمارات، وطالب بانسحاب جميع قواتها من اليمن، بالتوازي مع طلبِ دعمٍ عسكري سعودي للمساهمة في تثبيت الاستقرار.
وخلال أيامٍ معدودة، وعلى إيقاع تصريحاتٍ سعودية علنية غير مسبوقة وجّهت انتقادات مباشرة إلى دولة الإمارات، بل وحتى غارة جوية سعودية استهدفت شحنة من الآليات المدرعة قيل إنها مقدّمة من أبوظبي، أعلنت الإمارات انسحابًا عسكريًا كاملًا من اليمن. وفي مطلع كانون الثاني (يناير)، أعادت القوات الحكومية المدعومة من الرياض بسط سيطرتها على المناطق المُتنازَع عليها، ووسّعت نطاق انتشارها وصولًا إلى عدن. وفي تطوُّرٍ لافت، توارى رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزبيدي، عن الأنظار، قبل أن تُفيدَ بياناتٌ سعودية رسمية بفراره بحرًا إلى أرض الصومال، ومنها جوًا إلى أبوظبي. وفي هذا السياق، أعلن وفد المجلس الانتقالي في الرياض حلّ المجلس وإغلاق جميع عملياته، رُغم أنّ هذا الإعلان ما زال محلَّ خلاف بين بعض قياداته وأنصاره المتبقّين.
وفي هذه اللحظة الحرجة من تاريخ اليمن، تبرز حاجةٌ ملحّة إلى ديبلوماسية نشطة تحمي ما تبقّى من ركائز الدولة السياسية والاقتصادية. ومن هذا المنطلق، فإنَّ طلبَ رئيس مجلس القيادة الرئاسي من المملكة العربية السعودية استضافة حوار شامل يضم مختلف المكوّنات الجنوبية، وترحيب الرياض بهذه العملية واستضافتها ضمن إطار جامع يُركّز صراحة على الحوار وعدم الإقصاء وإيجاد حلول عادلة لـ”القضية الجنوبية”، يمثّلان خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح. وتكمُن أهمية هذه المبادرة في أنها تنقل الدينامية السياسية السائدة من منطق الأحادية إلى منطق العملية السياسية التشاركية. فمن خلال إتاحة المجال لسماع مختلف الأصوات الجنوبية، تُخفَّض مخاطر سوء التقدير، وتُطمأن القواعد الشعبية القلقة، ويُسهم ذلك في احتواء توترات كان يمكن أن تنعكس سلبًا في صورة اضطرابات اقتصادية أو تصعيد عسكري. كما تعكس هذه المقاربة إقرارًا بأنَّ القضية الجنوبية في اليمن قضية حقيقية، متجذّرة تاريخيًا وحسّاسة سياسيًا، ولا يمكن التعامل معها إلّا عبر الحوار لا المواجهة.
لا يملك اليمن ترف الدخول في جولةٍ جديدة من القتال، ناهيك عن أن تكونَ بين أطرافٍ يُفتَرَضُ أنها حليفة. فقد استُنزِفَ الاقتصاد اليمني تدريجًا على مدى عقد من الصراع، مع تراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو 58 في المئة، ما دفع الغالبية الساحقة من السكان إلى هوامش الفقر. ويعاني نحو 49 في المئة من اليمنيين مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، فيما يُصنَّف البلد اليوم ثالث أفقر دولة في العالم. ويأتي ذلك في لحظةٍ يواجه فيها عجزًا غير مسبوق في تمويل المساعدات، إذ لم يُمَوََّل برنامج الاستجابة الإنسانية للأمم المتحدة لعام 2025 سوى بنسبة 25 في المئة. في هذا السياق، لا يبدو ضبط النفس والديبلوماسية مجرد خيارَين أخلاقيين أو فضيلتين سياسيتين، بل ضرورتين ماديتين ملحّتين. فالاضطرابات القصيرة الأجل في الموانئ والمعابر والمجال الجوي وآليات التنسيق الإداري تُخلّف آثارًا مضاعفة على توافر الغذاء، وأسعار الوقود، وإمكانية الوصول إلى الخدمات الأساسية. كما إنَّ مؤشرات التفكك، سواء كانت واقعًا ملموسًا أم مجرد تصوّرات، تقوّض الثقة بالعملة، وتعرقل واردات الوقود والسلع، وتُضعِفُ مصادر الإيرادات الهشّة أصلًا. أما التداعيات الإنسانية فلا تقل حدّة عن ذلك، إذ إنَّ الحفاظ على استمرارية النشاط الاقتصادي وضمان الوصول الإنساني يتطلّبان من الفاعلين السياسيين الإدراك بأنَّ أيَّ تصعيد، مهما بدا محدودًا أو محلّيًا، ينطوي على عواقب وطنية واسعة.
ولا يعني هذا تجاهل حقيقة أنَّ المشهدَ السياسي في اليمن متعدّد ومُتنازَع عليه، ومتشكل بعمق بفعل مظالم تاريخية وهويات دون وطنية. فالتطلُّعات السياسية في الجنوب، على وجه الخصوص، ليست وليدة اللحظة ولا مطالب مصطنعة، بل تعبير عن تجارب مُعاشة ومطالب متراكمة لا يمكن تسويتها بالإنكار أو التأجيل. غير أنَّ ثمة فارقًا جوهريًا بين الإقرار بهذه الوقائع السياسية وتكريسها في مساراتٍ مُغلقة أو نتائج نهائية لا رجعة فيها. إذ تُظهر التجربة التاريخية أنَّ الخطوات الأحادية، حين تُتَّخَذ خارج أُطُر سياسية جامعة، غالبًا ما تُضَيِّقُ هامشَ الخيارات بدلًا من توسيعه. أما الحوار، في المقابل، فيحافظ على المساحة السياسية اللازمة — مساحة للتفاوض، والتسوية، وبناء التوافق تدريجًا.
يحظى خيارُ المضي في حوارِ جنوبي شامل وجامع بدعمٍ واضح من المملكة العربية السعودية، وبترحيبٍ متزايد من الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة. ويعكسُ ذلك إدراكاً آخذًا في التبلور بأنَّ وحدة اليمن واستقراره وشرعيته المستقبلية لا يمكن فرضها عبر الإعلانات أو الإملاءات، بل تُبنى من خلالِ مسارٍ سياسي مُنَظّم وتشاركي. وفي هذه المرحلة الدقيقة، لا يحتاج اليمن إلى شعاراتٍ فضفاضة أو تسوياتٍ كبرى مُتعجِّلة، بقدر ما يحتاج إلى خطواتٍ مُنضبطة وبنّاءة للثقة على أربعة مسارات أساسية.
أوّلًا، ينبغي أن يكون الحوار الجنوبي المُقترَح مُحَدَّد الأجل، جامعًا وشاملًا، ومُتمحورًا حول المبادئ والمسارات لا حول مآلات الوضع النهائي. فقيمته الحقيقية لا تكمن في إنتاجِ تسويةٍ فورية، بل في احتواء مخاطر التفكُّك وبناء أرضية مشتركة تتيح إدارة الخلافات ضمن إطار سياسي قابل للاستمرار.
ثانيًا، يتعيّن عزل الاقتصاد والعمليات الإنسانية عن منطق التصعيد السياسي. ويشمل ذلك حماية الموانئ والمؤسّسات المالية وسلاسل الإمداد من الضغوط السياسية، وضمان استمرارية الإدارة الاقتصادية. وعمليًا، يتطلّب هذا التزامًا واضحًا من الأطراف السياسية اليمنية، بدعمٍ من المملكة العربية السعودية وشركاء آخرين، بفصل القرارات الاقتصادية والإنسانية عن التنافس الفصائلي، مع إعادة التأكيد على سلطة الحكومة في إدارة هذه الملفات. كما يستلزمُ الأمر إجراءَ تعديل وزاري طال انتظاره يمنح رئيس الوزراء هامشًا سياسيًا كافيًا لترشيد صنع القرار وإدارة شؤون الحكومة اليومية بعيدًا من التدخُّلات السياسية المُفرطة. ويقتضي ذلك أيضًا تمكينًا إستراتيجيًا للسلطات المحلية، إلى جانب مُراجعة مُتأنّية لنطاق الصلاحيات والمسؤوليات بين السلطة التنفيذية المركزية ونظيرتها المحلية. ففي سياقٍ هشّ كاليمن، لا تُعَدُّ السلطة التنفيذية المتماسكة ترفًا، بل شرطًا أساسيًا لاستعادة الثقة.
ثالثًا، ينبغي أن يواصل التنسيق الإقليمي إعطاء الأولوية للاستقرار على حساب تحقيق مكاسب تكتيكية قصيرة الأجل. فاستمرار اليمن كدولةٍ قادرة على أداء وظائفها لا يتوقف على التوافق الخارجي وحده، بل يعتمد بالقدر نفسه على تسوياتٍ داخلية قابلة للحياة. وفي هذا الإطار، وبالنظر إلى مكانة المملكة العربية السعودية بوصفها الفاعل الإقليمي الرئيس في ترسيخ خفض التصعيد، ودعم المسارات السياسية الشاملة والجامعة، وقيادة جهود الاستقرار الاقتصادي بالتنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين، سيظل دورها عاملًا حاسمًا في الحيلولة دون تجدّد التفكك، ولا سيما في ظلِّ مراجعة الأطراف الإقليمية الفاعلة، ومن بينها الإمارات العربية المتحدة، لأدوارها في أعقاب التطورات الأخيرة.
وأخيرًا، يتعيّن على القادة اليمنيين أن يُبرهنوا أنَّ مبدأ ضبط النفس لا يَقتصرُ على إدارة أزماتٍ ظرفية عابرة، بل يُشكّلُ معيارًا ناظمًا للحُكم، يُقدّمُ استمرارية المؤسسات والتماسُك الاجتماعي على المكاسب السياسية قصيرة الأجل. ويشملُ ذلك الامتناع عن اتخاذِ خطواتٍ سياسية أو عسكرية أحادية تستبق الحوار، ومقاومة توظيف الأدوات الاقتصادية أو الإنسانية بوصفها وسائل ضغط في صراعات السلطة.
إنَّ مخاطر الإخفاق ليست نظرية ولا مجرّدة، بل ملموسة ومُتعدِّدة الأبعاد. فهي تشمل، في جملة ما تشمل، اتساع فجوة الاغتراب لدى القواعد السياسية والاجتماعية في الجنوب، التي لا تزال تطلّعاتها من دون تسوية، بما يفتح المجال أمام أشكالٍ جديدة من التعبئة خارج الأُطُر المؤسّسية. وقد يجد اليمنيون أنفسهم مرة أخرى أمام فرصةٍ نادرة ضائعة لمعالجة هذا الصدع البُنيوي المُزمن عبر الحوار، على نحوٍ يُرسّخُ الانقسام بدل أن يضعَ أُسُسَ دولةٍ أكثر استقرارًا وتماسُكًا.
وإذا اختار القادة ضبط النفس على حساب التصعيد، والشمول بدل الإقصاء، والاستقرار بدل الاكتفاء بالرمزية، فلا يزال بإمكان اليمن عبور هذه المرحلة الحرجة من دون الانزلاق إلى أزمة أعمق. أمّا البديل فسيكون أشد كلفة وأصعب على التراجع عنه؛ فبعد عقد كامل من الصراع، لم يعد اليمنيون قادرين على تحمّل مزيد من المعاناة الناجمة عن سوء التقدير السياسي.
- رأفت علي الأكحلي هو زميل غير مقيم في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، وهو الشريك المؤسّس لشركة “ديب روت” للاستشارات، ووزير سابق في الحكومة اليمنية. يركّز عمله البحثي والمهني على قضايا الحوكمة، والتعافي الاقتصادي، والتحوّلات السياسية في الدول الهشّة والمتأثرة بالصراعات.




يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.