أوكرانيا – إيران: عَقيدةُ أوباما

محمّد قوّاص*

مُفارَقَةٌ لافِتَةٌ يُمكِنُ مُلاحظتها في الكيفيّة التي تُقارب بها الولايات المتحدة أزمة أوكرانيا مُقارنةً بتلك الخاصة بالأزمة مع إيران. الأزمة الأولى يتمّ التعامل معها بصفتها مُتعَدِّدة وشاملة الأطراف تقود واشنطن إدارة يومياتها. الأزمة الثانية، ولأسبابٍ لا يُمكنُ وصفها إلّا بالخبيثة، يتمّ التعامل معها برعاية أميركية كاملة منذ عهد باراك أوباما بصفتها ملفًّا محدود الأطراف يُبقي العالم مُتفرّجًا مُراقِبًا لا حيلة له في الأمر.

عالَجَت واشنطن النزاع مع طهران على مستوى ثُنائي أسّس لمحادثاتٍ أميركية-إيرانية سرّية عبر القناة الخلفية التي رعتها واستضافتها سلطنة عُمان. على قاعدة ما تمّ التوصل إليه في مسقط التحق “نادي فيينا” المُشكّل من بقيّةِ مجموعة الـ 5+1، أي روسيا والصين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، وتَبنّي ما تحقّق في غُرف طهران وواشنطن المُغلقة. وحين خرج الاتفاق من مداخن المفاوضات في العام 2015، أُبلغ العالم، لا سيما دول المنطقة، بالمُنجَز بصفته أمرًا واقعًا بدون أيّ تأثّر بالرفض والتحفّظ الشديدين اللذين أبدتهما خصوصًا الدول المعنية فعلًا بالحالة الإيرانية.

بالمُقابل، وفي الشكل على الأقل، تنطلق إدارة الرئيس الديموقراطي جو بايدن في واشنطن من ثابتٍ يَضعُ مَصالحَ الحلفاء والدول المعنية مباشرة، وفي مقدمهما أوكرانيا نفسها، أولوية لا يُمكن ولا تستطيع أن تغفلها تفاهمات جانبية ثنائية أميركية-روسية. ففيما يتوق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الاهتداء إلى تسوية مع الولايات المتحدة ليس بالضرورة أن تكون القارة العجوز طرفًا مُفاوضًا فيها (بل خاضعًا، كما في عهود الحرب الباردة، لـ”اتفاقات الجبّارين”)، فإن واشنطن تؤكّد وتُكرّر أن لا مفاوضات حول أوكرانيا من دون وجود أوكرانيا ولا مفاوضات حول أمن أوروبا من دون وجود أوروبا.

يُشارِكُ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كما رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، كلٌّ على طريقته ووفق رؤاه وأجندته، في الإدلاء بدلو في أكثر الأزمات خطورة في العلاقة مع روسيا منذ اندثار الحرب الباردة. لألمانيا موقفها المؤثر الذي يتطوّر، كما لدول أوروبا الشرقية في الاتحاد الأوروبي (بولندا ودول البلطيق على الأخص) موقفها في صناعة السياسة الغربية العامة داخل هذا الملف. ويُسَجَّل بمناسبة الحدث بروز مواقف فنلندا والسويد اللتين تبدوان مائلتين إلى التخلّي عن تاريخٍ من الحياد في صراع الغرب مع موسكو باتجاه الإطلالة الجدية على حلف شمال الأطلسي (الناتو). وعلى هذا تبدو أوكرانيا الدولة المعنية الأولى وأوروبا المعنية مباشرة بأي صراعٍ عسكري عاملَين حتميين في أيّ مآلات تخرج بها المفاوضات الراهنة.

ربما تطوَّر الموقف الأميركي من ضرورة أخذ مصالح ورؤى دول الشرق الأوسط بعين الاعتبار في أيِّ اتفاقٍ يجري العمل على انضاجه في فيينا مع إيران. لكن دول المنطقة غير حاضرة على طاولة المفاوضات (رُغمَ مطالبتها بذلك)، وما زالت مقصيّة عنها، كما كان حالها في عملية إنتاج ذلك الذي أُبرِمَ في العام 2015. حتى أن القضايا التي تهمّ دول المنطقة المُتعلّقة ببرنامج إيران للصواريخ الباليستية وسلوكها المُزعزِع للاستقرار في المنطقة غير مُدرَج على طاولة التفاوض.

ولئن ما زالت الولايات المتحدة تُكرّر التزامها بأمن إسرائيل، حليفتها الاستراتيجية الأولى في الشرق لأوسط، وما زالت تُكرّر بملل ومن دون مصداقية حرصها على أمن حلفائها الآخرين، لا سيما في الخليج، إلّا أَّن ما تسرّب عن تقدمٍ داخل قاعة التفاوض المباشر مع “نادي فيينا” وغير المباشر مع وفد واشنطن برئاسة روبرت مالي، يُقلق دول المنطقة بمستوى ربما أعلى من ذلك الذي اعتراها حين الإعلان عن الاتفاق الأصل قبل سبعة أعوام.

والحال أن روسيا وإيران يتبادلان الخبرات في كيفية التعامل مع الغرب لمعالجة الأزمات. والأرجح أن موسكو تذهب بعيدًا في تقديم نسخة مُحدثة من أسلوب طهران وتكتيكاتها. وتبدو حافة الهاوية التي طالما تُناور إيران على خطوطها تستهوي بوتين وتؤتي أكلها في مغامرته الأوكرانية الراهنة. طهران تكثر من تمارينها من أعمالٍ تُهدّد مصالح الخليج والملاحة الدولية، وتُحرّك أذرعها في الميادين التي تسيطر عليها في المنطقة. موسكو تحشد قواتها بشكل مستفز على حدود أوكرانيا، وتستفيق على مناورات في بيلاروسيا، وتوحي بذهابها إلى كسر الخطوط الحمر كما فعلت سابقا في جورجيا في العام 2008 و في شرق أوكرانيا وصولًا إلى ضم جزيرة القرم في العام 2014.

ولئن لم ترَ واشنطن حاجة حتمية إلى مُداراة حلفائها في المسار الراهن للمفاوضات الجديدة مع إيران، فإن طهران، للمفارقة، أدركت أهمية هذا العامل وضرورات تهدئته كشرطٍ من شروط تمرير مصالحها في أي نسخة جديدة من الاتفاق النووي. بدأ الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي ولايته بالتبشير بسياسةِ انفتاحٍ شاملٍ على دول الجوار. وتفاعلت طهران إيجابيًا مع جهود رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي في رعاية واستضافة بغداد لجلساتِ حوارٍ ما بين السعودية وإيران. كما أن الديبلوماسية الإيرانية بقيادة وزير الخارجية حسين أمير عبد اللهيان نشطت باتجاه إطلاق خطابٍ إيجابيٍّ ودودٍ حيال الخليج وقيام وزراء إيران بزيارات لبلدانه.

وفق التناقض بين العنف الذي تشرف عليه إيران والذي يستهدف دول الخليج عبر ذراعها في اليمن، ما زالت طهران متمسكة بحوارها مع السعودية. وبالتوازي مع الهجمات التي قامت بها جماعة الحوثي ضد الإمارات تُرسل طهران وزراءها وتلوح بزيارة للرئيس الإيراني إلى أبوظبي. بالمقابل وعلى الرغم من الأخطار التي تتوعّد بها إيران حلفاء الولايات المتحدة في الخليج والتي لن يردعها أي اتفاق جديد قيد الاعداد في فيينا، فإن إدارة بايدن ما زالت لا ترى ضرورة بانخراط أهل المنطقة، على منوال أولئك حول أوكرانيا، في مفاوضات من شأنها ردع إيران وتوقف ميليشياتها عن تهديد دول الخليج من لبنان والوعد بإيذائها من حدود العراق واستهداف مدنها ومصالحها وأمنها من اليمن.

استنتجت موسكو جبهة واسعة متعددة تزداد شمولًا في مواجهتها. وتستنتج طهران انصياع “نادي فيينا” لشرطها بعدم توسيع عضويته وبالتالي التمسّك بمحدودية بلدانه. وكأن في ثنايا التفاوض الإيراني-الأميركي جانبٌ خطير كان أوباما قد عبّر عنه في “عقيدته” التي تحدّث عنها مع الصحافي الأميركي جيفري غولدبيرغ في “ذي أتلانتيك” في ربيع 2016. في هامش القول معادلة تجعل من إيران شأنًا أميركيًا بامتياز، فيما يُترَك لإيران أن تجعل من أمن المنطقة، الخليجية خصوصًا، شأنها بامتياز.. فهل توحي “فيينا” بغير ذلك؟

  • محمّد قوّاص هو كاتب، صحافي ومُحلّل سياسي لبناني مُقيم في لندن. يُمكن متابعته عبر تويتر على: @mohamadkawas
  • يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره على موقع “النهار العربي” (بيروت)

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى