المغرب شريكٌ طبيعي لإيطاليا
رومانو برودي*
شهدت السنوات الأخيرة تحوّلات سياسية متلاحقة، تراجعت خلالها قوى عريقة وبرزت قوى جديدة، في ظلِّ منافسةٍ عالمية تتغير معطياتها يومًا بعد يوم. وعادةً ما توحي مُقدّمة من هذا النوع بأننا بصدد تحليلٍ للعلاقات بين الصين والولايات المتحدة. غير أنني أود التوقف بإيجاز عند حقيقة مفادها أنَّ الدول التي تُعَدُّ أقل وزنًا تستطيع هي الأخرى اغتنام الفرص التي تتيحها هذه التحوّلات، وتعزيز موقعها في ظلِّ مناخٍ مُتغيِّر، لا يتعلق في حالتنا هذه بالطقس وحده، بل بالسياسة والاقتصاد على وجه الخصوص.
وأود هنا أن أتخذ من المغرب مثالًا على ذلك، وهو بلد تربطه بإيطاليا علاقات وثيقة. فبحسب أحدث بيانات المعهد الوطني الإيطالي للإحصاء، يقيم في إيطاليا 413 ألف مواطن مغربي، ما يجعل الجالية المغربية، إلى جانب الجالية الألبانية، في المرتبة الثانية بين الجاليات الأجنبية المستقرّة في البلاد. ويُضاف إلى ذلك تزايد التدفقات السياحية نحو هذا البلد الأفريقي الذي يقل عدد سكانه عن أربعين مليون نسمة، لكنه يؤدي دور حلقة وصل في العلاقات بين أفريقيا وأوروبا، فضلًا عن حضوره المتنامي في العلاقات بين الدول الأفريقية نفسها.
ويتحقق ذلك كله في ظلِّ حرص المغرب على الحفاظ على علاقات دولية ليس فقط مع الصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، بل أيضًا مع معظم دول العالم، خلافًا لدولٍ أفريقية أخرى تعيش عادةً تحت مظلة قوة أجنبية. وفي مرحلةٍ تتسم بتزايد تقلُّب التحالفات، أصبحت هذه الاستراتيجية عاملًا أساسيًا في جذب الاستثمارات الأجنبية، التي ترى في الرباط عنصرًا من عناصر الاستقرار والأمان قد لا تجده في دولٍ أكبر حجمًا وأكثر قوة، وذلك أيضًا بفضل استمرارية الحكم التي يضمنها الدور الخاص للمؤسسة الملكية.
وأود في هذا السياق أن أورد بعض الأمثلة التي توضّح بصورة أفضل التوجه الذي اختاره المغرب.
يأتي ميناء طنجة في مقدمة هذه الأمثلة بطبيعة الحال. فبفضل الهدف الوطني المتمثل في جعل المغرب جسرًا يصل البلاد بالعالم أجمع، أصبح الميناء يتعامل مع 12 مليون حاوية سنويًا، وهو حجم يعادل بمفرده إجمالي حركة الحاويات في جميع الموانئ الإيطالية. وعلى مسافة لا تتجاوز بضع عشرات من الكيلومترات من طنجة، يجري على الساحل المتوسطي تشييد ميناء عملاق ثانٍ، بلغت أعمال إنجازه مرحلة متقدمة، وسيكون متخصصًا في النقل المرتبط بالصناعة والنفط والطاقة.
أما المثال الثاني، فإلى جانب تمركز صناعة دولية استثنائية في قطاع الطيران والفضاء، فيتمثل في صناعة السيارات. فقد تجاوز إنتاج المغرب من السيارات خلال العام الماضي نصف مليون مركبة، أي ضعف الإنتاج الإيطالي.
من الطبيعي أنَّ الشركات التي تختار الاستقرار في المغرب لا تستهدف السوق المحلية وحدها، بل تراهن أيضًا على التصدير. وهذا ما يفسّر استثمارًا صينيًا ضخمًا في قطاع البطاريات، سواء المخصصة للسيارات أو لتخزين الطاقة اللازمة للتعامل مع تقلبات إنتاج الكهرباء من الرياح والشمس.
وستتجاوز تكلفة المصنع، الذي يمتد على مساحة ستمئة هكتار ويُنتظر افتتاحه خلال الشهر المقبل، ستة مليارات يورو. ولا يوجد مشروع مماثل له من حيث الحجم في أيِّ دولةٍ أوروبية. فقد أُنشئ لتصدير البطاريات إلى مختلف أنحاء العالم، مع تقليص العوائق الناجمة عن التوترات السياسية إلى أدنى حد ممكن.
والتكنولوجيا الأساسية المستخدمة فيه صينية بطبيعة الحال، لكن المواد الأولية ستكون أفريقية بصورةٍ متزايدة، وكذلك اليد العاملة. فعندما يبلغ المشروع طاقته التشغيلية الكاملة، سيُشغّل بصورة مباشرة أو غير مباشرة ما يقارب 25 ألف عامل مغربي، بعد تأهيلهم من خلال دورات تدريبية عالية التخصُّص.
لقد استعرضتُ بطبيعة الحال أبرز نقاط القوة في بلد لا يزال يواجه مشكلات هائلة. فمتوسط دخل الفرد فيه يقل عن خمسة آلاف دولار سنويًا، مقابل أكثر من أربعين ألف دولار في إيطاليا. ولا تزال الفوارق بين المدن والأرياف كبيرة، كما أنَّ نظامه التعليمي لم يتكيَّف بعد على النحو المطلوب مع متطلبات التعليم الثانوي والجامعي، فضلًا عن أنَّ قطاعه الصحي يعاني نقصًا في عدد الأطباء، وتوجد فيه مستشفيات كثيرة لا تواكب متطلبات العصر.
وتُعدّ الاستثمارات الأجنبية والجهود العمومية الاستثنائية المبذولة في مجال البنية التحتية من الركائز الأساسية لمعدل النمو المرتفع الذي حققه المغرب خلال السنوات الأخيرة. وسيجد السائح الذي سيصل إلى البلاد لحضور نهائيات كأس العالم المقبلة شبكة طرق سيارة ممتازة، وخطوط قطارات فائقة السرعة تربط جميع المدن الكبرى.
غير أنَّ استمرار التنمية يظل مشروطًا بإحداث تحوُّلٍ شامل في المقاولات الصغيرة التي تهيمن على مختلف القطاعات، إذ لا يزال مستوى إنتاجيتها أقل مما تتطلّبه طموحات بلد يريد أن يكون حديثًا.
وإذا عدنا للحظةٍ إلى العلاقات بين إيطاليا والمغرب، فلا بدَّ من الإقرار بأنَّ العلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدين لا تزال، رغم القرب الذي يجمعهما، دون إمكاناتها بكثير، بسبب التوترات القائمة بين المغرب والجزائر بشأن الصحراء الغربية.
فإيطاليا، خصوصًا بعد توقف إمدادات الغاز الروسي، مضطرّة بطبيعة الحال إلى الحفاظ على مشترياتها من الغاز الجزائري، بعدما أصبحت الجزائر أكبر مورّد للغاز إلى إيطاليا وشريكًا لا غنى عنه في هذا المجال. وهذا ما يحول دون تطوُّر التقارب الطبيعي بين المغرب وإيطاليا إلى تعاونٍ شامل.
الواقع أنَّ العلاقات الودّية التي يقيمها المغرب مع مختلف دول العالم تصطدم باستثناءٍ يتمثل في علاقاته مع الجزائر، وهو خلافٌ استعصى على الحل منذ سنوات، وتنعكس آثاره أيضًا على جميع الدول التي تجد نفسها مضطرة إلى إقامة علاقات مع الجزائر.
ولا يسعنا إلّا أن نأمل في أن يصبح من الممكن معالجة هذا الخلاف، الذي يلحق الضرر بالطرفين، والتوصُّل إلى تسويته من خلال حل وسط.
فالحل الوسط الحكيم ليس أسمى تعبير عن رجاحة العقل فحسب، بل هو أيضًا خطوة تعود بالنفع على الأطراف التي تتوصل إليه.
- رومانو برودي، سياسي واقتصادي وأكاديمي إيطالي. يُعَدُّ من الشخصيات البارزة في الحياة السياسية الإيطالية والأوروبية. تولّى رئاسة الحكومة الإيطالية مرتين، الأولى من 17 أيار/مايو 1996 إلى 21 تشرين الأول/أكتوبر 1998، والثانية من 17 أيار/مايو 2006 إلى 8 أيار/مايو 2008. كما شغل منصب رئيس المفوضية الأوروبية بين عامي 1999 و2004، وهي فترة شهدت توسع الاتحاد الأوروبي بانضمام عشر دول جديدة إليه. ويُعرف برودي باهتمامه بقضايا التكامل الأوروبي والعلاقات الاقتصادية الدولية، فضلًا عن متابعته للتحوّلات السياسية والاقتصادية في منطقة البحر الأبيض المتوسط وأفريقيا.
- صَدَرَ هذا المقال بالعربية في “أسواق العرب” (لندن) توازيًا مع صدوره بالإيطالية في صحيفة “إل ميساجيرو” (Il Messaggero) (روما).



