بين ليل ونهار في خربة قنافار

هنري زغيب*

لم أَكن أَعرف خربة قنافار. لكنَّ قضائي فيها أَربعةَ أَيام، بضيافة الصديق أَلفونس عزَّت كرَم، وهو هيَّأَ في صالون دارتِهِ لندوتي “لبنان هويةٌ وانتماء”، كانت أَيَّامًا طبعَت في ذاكرتي ومضاتٍ راسخةً عن واحةٍ من بقاعنا الغربي تشُعُّ جمالًا وعراقةً في طليعة واحات لبنان.

مدخلُها تتعانق فيه أَشجار الحور قناطرَ من ترحاب، وشُرفاتها تطلُّ على السهل الرحيب، نشوى بما في أَهلها من طيبةٍ وسلام. وفي مشوارٍ ليليٍّ صوب قممها المستنِدة إِلى مقلب سفح الباروك، غمرَنا ضباب أَزرق تطلُّ من غمزاته أَشجار الأَرز والسرو والصنوبر والحور، فنلمح من علٍ سهلَ البقاع مسترخيًّا في هناءة الأَنوار متطلِّعةً جنوبًا إِلى بحيرة القرعون.

صباحًا، وكنا أَشرقْنا قبل موعد الشمس، أَطلَّ علينا الفجر من ذاك البعيد العالي، فاتحًا بهاءَه على جبل حرمون، حتى استيقظت الشمس وأَخذت خيوطُ أَشعَّتها تتدحرج تلَّة بعد تلة، حتى استراحت في منبسطات السهل، والتفَتتْ زهوى إِلينا في خربة قنافار.

مع تسلسل النهار، كان لا بدَّ من زيارة الـمَعالِم. ها نحن في “حديقة سنديانة قنافار”، استصلحَها من الإِهمال سنة 2018 مجلس بلدي ناشط برئاسة أَنطوان الياس شديد. تدلُّنا بلاطتها الرخامية على المدخل أَنها “أَقدم شجرة معمِّرة في الشرق، ترقى إِلى القرن الرابع للميلاد”. نقترب منها في هيبة وخشوع. هوذا جذعها الدهريُّ أَمامنا جاثم على صدر العصور، ذكَّرني ببيتٍ من قصيدة سعيد عقل مترجمًا قصيدة “الأَرز” من “الجبل الملهَم” لشارل قرم: “جذعُها ضُمَّة عشْرٍ من جميلات القُدودْ… عُمرُها بعضُ الخلود”.

نستعير وقتًا من الصناعي الكبير جورج نْعيم، فيصحبُنا إِلى مشروعه الريادي Chateau Qanafar، واجهةِ النبيذ اللبناني في العالَم. فيروح يَشرح لنا، مرحلةً مرحلة، وطابقًا طابقًا من أَربع طبقات خمارته العصرية، رحلةَ النبيذ، منذ هو حبَّةٌ في عنقود، إِلى انصبابه نكهةً لبنانيةً فريدةً في زجاجات نبيذٍ أَنيقةٍ كعروسٍ في سهرة عرسها، وعند قدميها كلمتان من نُور: “إِنتاج لبنان”. وإِذا نبيذ “شاتو قنافار” موزَّع في العالَم، كلِّ العالَم، ستةَ أَنواعِ نبيذٍ أَحمر، أَربعةَ أَنواعِ نبيذٍ أَبيض، وعرقٍ فريدٍ من نوعه بِاسْم “أَنيس” وتتقاطر إِلى نبيذ “شاتو قنافار” جوائزُ عالميةٌ كبرى ومِداليَّاتٌ دوليةٌ، وشهاداتٌ علميَّةٌ أَنَّ هذا النبيذ اللبناني من أَطيب النبيذ في العالم. من هنا ضرورة زيارة هذا الصرح الصناعي الكبير.

يصحبُنا مضيفي الصديق أَلفونس كرم إِلى “فندق نبع الخريزات”، أَقدم فندق فخم في البقاع الغربي، ويُخبرنا عن كبار زواره وفي طليعتهم الرئيسان بشارة الخوري وكميل شمعون. ونختتم الزيارة مع ثلاثة رؤَساء البلدية: الحالي جهاد خاطر، السابق أَنطوان شديد (وكنا في دارته)، والأَسبق أَنطوان أَبو عزة، فنفهم كيف رئاسة البلدية خدمة وليست لقبًا، وثلاثتُهم عملوا ويعملون لنهضة بلدتهم الغالية خربة قنافار.

لدى ختام الزيارة في يومها الرابع، في طريق العودة من خربة قنافار مع قائد الرحلة الصديق الكبير الدكتور كميل جبيلي وزوجتِه سناء (ابنة خربة قنافار)، شرح لي بعضًا من اختصاصه في قيادة المؤَسسات وتدريب أَوليائها، حتى إِذا بلغْنا دارته في “جنَّة ميروبا” كانت اكتملت في وعيي فكرةُ مشروعه الرؤْيوي الحضاري: “استعادة مجد لبنان سنة 2045”.

في حياتنا أَماكنُ نزورها مرةً فتندهُنا أَن نزورها من جديد. وهي هذه حالتي: تندهُني إِليها من جديد “خربة قنافار”.

  • هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى