كارثة جنوب لبنان… بين جموح إسرائيل وإمعان “حزب الله”

ابراهيم حيدر*

تتحرك الدولة اللبنانية على خطوط عربية وعالمية في محاولة لوقف الاندفاعة الإسرائيلية جنوبًا وتوفير مظلة أممية تجنُّبًا لخطورة الفراغ الأمني بعد انتهاء مهمات اليونيفيل. ورغم المبادرة الأوروبية لتشكيل قوة دولية بديلة، لم تنجح المساعي في إقناع الولايات المتحدة الأميركية بتغطية التمديد لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) أو إنشاء القوة البديلة، فيما إسرائيل تُكرّس الفراغ الأمني تحت الاحتلال، بما يعني أنَّ مشروعها إبقاء المنطقة العازلة بلا رقابة دولية وخالية من الناس، ونقل التفاوض إلى المنطقة التي تسيطر عليها شمال الليطاني وتتحكّم بها بالنار والغارات.

وبينما يؤكد لبنان التزاماته تجاه المجتمع الدولي في محاولة لتعزيز موقفه التفاوضي أمام الشروط الإسرائيلية القاسية، وتُكرّر الحكومة ما اتخذته من قرارات حول سلطة الدولة وحصر السلاح لاستجلاب الدعم والمساعدة، إلّا أنها لم تستطع إحداث خرق، فيما المفاوضات معلّقة في ظل السيطرة الإسرائيلية واشتراط تفكيك بنية “حزب الله” العسكرية والمالية والصحية والتربوية، وهو ما تغطّيه واشنطن التي لم تمنح الدولة أوراقًا تستطيع من خلالها مواجهة المعترضين على التفاوض، أقلّه بتأمين انسحاب إسرائيلي من مناطق محتلة في الجنوب.

لا مؤشرات حتى الآن حول حسم الدول تقديم المساعدة إلى لبنان، إذ أنَّ ذلك مشروط بنزع سلاح “حزب الله” في ضوء ما يُحكى دوليًا عن مسارات لعزله في لبنان، فيما إسرائيل تثبت احتلالها في الخط الأصفر وتُمهّد للتمدّد نحو القرى والمدن في النبطية وصور، وتفرض وقائع لن تكون مواجهتها سهلة في المرحلة المقبلة، لا ميدانيًا ولا في المفاوضات، خصوصًا بعد اقتراب مغادرة اليونيفيل وإسقاط القرار 1701، وهو ما يضع لبنان أمام واقع مأزوم لن يكون بمقدوره في ظلِّ الحصار الإسرائيلي واستمرار ممانعة “حزب الله” وتشدده، مواجهة الشروط الإسرائيلية أو أي صيّغ مطروحة للترتيبات الأمنية، حتى جدول المفاوضات في حال استئنافها سيتغيّر بقوة النار الإسرائيلية.

سيُعاني لبنان خلال الأشهر المقبلة ظروفًا ربما تكون الأصعب، أولًا في معالجة الوضع في الجنوب الذي توظّفه إسرائيل في انتخاباتها، واحتمال تقدّمها أكثر، وأيضًا في ظل موقف أميركي ضمني يغطّي الجموح الإسرائيلي، إلّا أنه يضغط على الدولة اللبنانية وأيضًا الجيش اللبناني للصدام مع “حزب الله” ويخنق الداخل بمزيد من الأزمات في ظل النزوح وما يشكله من أعباء، وأيضًا مخاطر تغيير ديموغرافي في مناطق عدة، قد يستثمرها “حزب الله” في توجيه معركته ضد الدولة وإثارة الداخل، فيما يلتزم بالقرار الإيراني ويراهن على تغييرات في جبهة هرمز وباب المندب، ليُعيد بناء ما يسميه “توازن الردع”، ومحاولة وضع قواعد اشتباك جديدة بعد خسارته مواقع استراتيجية وعجزه عن الاحتفاظ بالجغرافيا.

لا ينظر “حزب الله” إلى الواقع الذي أوصلته حرب الإسناد في الجنوب، فها هو يتنصّل من المسؤولية التي يفترض أن يتحمّلها عن سياسات التفرّد وهيمنة أدت إلى الاحتلال وإضعاف لبنان، حتى وهو يقارب قضية النازحين، يحمّل الدولة أوزار ونتائج حرب هو افتعلها، وإن كانت إسرائيل تتحيَّن الفرص لاستخدام الذرائع لحربها، فيما هي اليوم تحتل الأرض وتلغي كل أشكال الحياة في المناطق المحتلة، وربما تستعد لاستكمال سيناريو تلال علي الطاهر في النبطية وعمق الجنوب.

أسوأ ما يمكن تصوّره أن يبقى “حزب الله” على شعاراته التي أدت إلى هزيمة لبنان، ومحاولة استثمار النتائج الكارثية سياسيًا في الداخل، فيما يغمض مسؤولوه عيونهم عن التوغلات الإسرائيلية وتفريغ سكان القرى التي تزيد من أزمة النزوح، ولا يقدمون على مبادرة تلاقيها الدولة لتتسلم المرجعية وتعمل على بلورة موقف لبناني جامع لا يزال الحزب بعيدًا منه، لا بل يعاند رغم الخسارة، ويصرُّ على نصره لعدم تمكّن إسرائيل من تحقيق أهدافها، فيما هي تثبت احتلالها. وهنا المشكلة الخطيرة؟

Exit mobile version