هُدى الحُسَيني*
تتحرّك الصين على جبهاتٍ ديبلوماسية متوازية لمنع انزلاق الشرق الأوسط إلى مواجهة جديدة، قد تمتد تداعياتها من الخليج إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي. بالنسبة إلى بكين، لم يعد احتواء التوتر مسألة بعيدة من مصالحها المباشرة. فالنفط الذي تحتاج إليه صناعاتها، والسفن التي تحمل بضائعها، والاستثمارات التي بنتها خلال سنوات، تصبح جميعها عُرضةً للخطر كلما اتسعت الحرب واقتربت النيران من الممرات البحرية.
في هذا السياق، استقبل وزير الخارجية الصيني وانغ يي في بكين علي باقري كني، نائب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني. حمل اللقاء رسالة واضحة: استمرار القتال لن يُقدّم مخرجًا، والحل يمر عبر الحوار والتفاوض. وأكد المسؤول الإيراني، من جهته، تمسّك بلاده بحماية سيادتها وأمنها ووحدة أراضيها، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحًا. بذلك، ظهر مجالٌ للتحرّك الديبلوماسي، لكنه لا يعني بعد وجود تفاهم على شروط التسوية.
تزامن اللقاء مع إعلان إرسال ثلاثة مبعوثين صينيين إلى إيران وعُمان والسعودية، ثم مصر وجيبوتي وإثيوبيا وإريتريا. تكشف هذه الخريطة عن أنَّ بكين تنظر إلى الأزمات باعتبارها مترابطة. فالتصعيد مع إيران يؤثر في أمن الخليج، والهجمات الحوثية على السعودية تهدٌد الاستقرار والملاحة، واضطراب البحر الأحمر ينعكس على قناة السويس وموانئ القرن الأفريقي. محاولة تهدئة جانب واحد، مع ترك الجوانب الأخرى مشتعلة، لن توفّر حماية كافية للتجارة والطاقة.
يحضر هذا المنطق في لقاء الرئيس الصيني شي جين بينغ مع سلطان عُمان هيثم بن طارق في بكين. تحذير الرئيس الصيني من تحويل الشرق الأوسط إلى ساحةٍ للتنافس بين القوى الكبرى يعكس رغبةً في منع الصراع الإقليمي من التحوُّل إلى مواجهة أوسع. بالنسبة إلى عُمان، تمنحها علاقاتها وقنوات اتصالها فرصة للمساعدة على نقل الرسائل واختبار التسويات. التقارب الصيني-العُماني قد يجمع ثقل بكين الاقتصادي مع خبرة مسقط في الوساطة الهادئة.
تمتلك الصين رصيدًا يمكن البناء عليه. ففي آذار (مارس) 2023، استضافت الاتفاق السعودي-الإيراني لاستئناف العلاقات الديبلوماسية، بعد جولات حوار سابقة في العراق وعُمان. أثبت ذلك أنَّ بكين تستطيع توفير مظلة سياسية لاتفاق حين تتوافر إرادة الطرفَين. لكن استعادة العلاقات بين دولتين تبقى أسهل من احتواء مواجهة تتداخل فيها الولايات المتحدة وإيران والحوثيون وأمن الممرات البحرية. نجاح الأمس يمنح الصين فرصة، من دون أن يضمن نتيجة مماثلة اليوم.
تقوم علاقات الصين بإيران على مصالح اقتصادية وسياسية تجعلها قادرة على مخاطبة القيادة الإيرانية من موقع الشريك. تستطيع بكين أن تشرح لطهران كلفة التصعيد، وأن تربط الاستقرار بفرص التعاون والتجارة. مع ذلك، تبقى قدرتها على التأثير مختلفة عن قدرتها على فرض القرار. إذا اعتبرت القيادة الإيرانية أنَّ التراجع يهدد بقاءها أو يُضعف قدرتها على الردع، فقد تقدّم حساباتها الأمنية على نصائح شريكها الصيني، مهما بلغت أهميته.
في المقابل، ترتبط الصين بدول الخليج عبر شراكات واسعة في الطاقة والتجارة والاستثمار. لهذا، لا تستطيع بناء تحرُّك ناجح يتجاهل أمن السعودية أو يقلّل خطورة استهداف مدنها ومنشآتها. تحتاج المبادرة إلى مخاطبة مخاوف الخليج بوضوح، وفي مقدّمتها الصواريخ والمسيّرات وأمن الملاحة. كلما قدمت بكين خطوات تساعد على وقف الهجمات، زادت الثقة بدورها. أما الاكتفاء بدعوات عامة إلى ضبط النفس، فسيترك الأسئلة الأساسية بلا إجابات مقنعة.
توضح جيبوتي لماذا تتحرك الصين خارج الخليج أيضًا. هناك، يرتبط حضورها بمصالح تجارية وبنية تحتية ومرافق بحرية، إلى جانب قاعدة عسكرية افتتحت عام 2017 قرب مرفأ “دوراليه” مُتعدّد الأغراض. من الضروري التمييز بين الاستثمار الصيني في الموانئ والسيادة عليها، فالمرافئ تقع داخل دولة جيبوتي. يمنح هذا الحضور بكين موقعًا مهمًّا قرب باب المندب، ويساعد على دعم عملياتها البحرية وحماية مصالحها وخطوط إمدادها.
يعني اضطراب هذا الممر أنَّ الصين قد تدفع كلفة إضافية للشحن والتأمين، وأنَّ بضائعها قد تتأخر أو تضطر إلى سلوك طرق أطول. كما تتأثر استثماراتها في المنطقة وقدرة شركائها على التجارة، خصوصًا إثيوبيا التي تعتمد على منفذ جيبوتي. لذلك، لا تقتصر الجولات الصينية على نقل رسائل سياسية؛ إنها محاولة لحماية شبكة مصالح تربط الموانئ والأسواق ومصادر الطاقة. أمن البحر الأحمر، بهذا المعنى، جزء من الأمن الاقتصادي الصيني.
تبقى حظوظ النجاح مرتبطة بحدود المهمة التي تضعها بكين لنفسها. تهدئة مؤقتة، أو فتح قناة تفاوض، أو الحصول على التزامات بحماية الملاحة، أهدافٌ تبدو أقرب من تسوية شاملة. تحتاج هذه الخطوات إلى تنسيق مع واشنطن، لأنَّ القرار الأميركي بشنِّ ضربات أو تعليقها عنصر حاسم. كما تحتاج إلى التزامات قابلة للمتابعة من إيران والحوثيين. العلاقات الصينية بطهران قد تساعد على نقل الضغط، لكنها لا تكفي وحدها لضمان التزام جميع الأطراف.
ثمة عقبة أخرى تتمثّل في غياب تفاصيل معلنة عن المبادرة: ما المطلوب من كل طرف؟ وما الضمانات؟ وكيف ستجري معالجة أي خرق؟ من دون إجابات، يبقى التحرُّك أقرب إلى مساعٍ للتهدئة منه إلى خطة سلام مكتملة. التقدير الأقرب أنَّ الصين تملك فرصة لخفض التوتر وشراء وقت للتفاوض، في حين تبدو فرص إنهاء الأزمات دفعة واحدة محدودة. معيار نجاحها سيكون وقف التدهور وتحويل اتصالاتها إلى خطوات ملموسة تحمي المدنيين والمنشآت والملاحة، وتمنح المنطقة مساحة للتنفّس قبل مواجهة جديدة يصعب احتواء نتائجها.
- هُدى الحُسَيني هي صحافية وكاتبة سياسية لبنانية، تعملُ في صحيفة “الشرق الأوسط” السعودية. عملت سابقًا في صحفٍ ومجلّات عدّة منها: “الأنوار” في بيروت، و”النهار العربي والدولي” و”الوطن العربي” في باريس، و”الحوادث” و”الصياد” في لندن. غطّت حربَ المجاهدين في أفغانستان، والثورة الإيرانية، والحرب الليبية-التشادية، وعملية “الفالاشا” في السودان وإثيوبيا، وحرب الخليج الأولى. حاورت زعماءَ دول عربية وأجنبية عديدين بينهم الإمام روح الله الخميني (الذي رافقته على الطائرة التي نقلته من باريس إلى طهران)، والملك الحسن الثاني، والملك حسين، والرؤساء أنور السادات، صدام حسين، ياسر عرفات، جعفر النميري، وعيدي أمين …
- يَصدُرُ هذا المقال في “أسواق العرب” توازيًا مع صدوره في صحيفة “الشرق الأوسط” السعودية.
