حذار من استدراج حرب إسرائيلية تدميرية على لبنان؟

ابراهيم حيدر*

تتواصل التسريبات بشأن خططٍ إسرائيلية لتوسيع نطاق الحرب على لبنان، قد تصل إلى احتلال مدن صيدا وصور والنبطية، في حال نَفّذَ “حزب الله” عمليات عسكرية ضد إسرائيل، أو تدخّل إسنادًا لإيران إذا اندلعت مواجهة جديدة معها. ورُغم أنَّ بعض هذه التسريبات قد يستند إلى استعداداتٍ جدية، فإنَّ الخطط العسكرية تبقى قابلة للتعديل تبعًا للتطورات الميدانية والحسابات السياسية. غير أنَّ ذلك لا يلغي حقيقة أنَّ إسرائيل تُراقب الجبهة اللبنانية عن كثب، وتواصل استعداداتها لاحتمال اندلاع حرب جديدة، وإن كانت تميل إلى تضخيم قدرات الحزب وحجم التهديد الذي يُمثّله. في المقابل، يُجاهر “حزب الله” بإعادة بناء قدراته العسكرية، ولا يستبعد التدخُّل إذا تعرّضت إيران لهجوم، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أنَّ الانخراط في حرب إسناد لطهران يندرج ضمن مفهوم مقاومة الاحتلال الإسرائيلي للبنان.

لا شك في أنَّ إسرائيل تتهيّأ لحربٍ قد تشمل لبنان في حال كانت خطتها تقتضي ذلك ضد “حزب الله”، أو أن تستغل أي مشاركة له إقليميًا لتوسيع احتلالها وتوجيه ضربات كبرى في عمق لبنان، وهي كانت شنّت حربًا تدميرية في 2026 وصلت إلى بيروت بعد إسناد الحزب لإيران، ما يعني أنَّ الستاتيكو الحالي في الجنوب اللبناني لن يصمد إذا اندلعت الحرب الأميركية – الإيرانية، ولن يهدأ حتى مع تسوية محتملة، خصوصًا إذا قررت إيران فتح الجبهات وتوسيعها ومنها جبهة لبنان التي تعتبر الأكثر توظيفاً في أجندة طهران مع إعادة ربطه بالمسار الإيراني.

بات واضحًا أنَّ الاستعدادات الإسرائيلية للحرب قائمة، إذ إنَّ ما نقلته صحيفة “معاريف” أخيرًا عن نقل الجزء الأكبر من قوّات الاحتياط في الجيش الإسرائيلي إلى الحدود مع لبنان، يطرح تساؤلات عن التوقيت، وما إذا كان الجيش الإسرائيلي سيتوغّل في مدن الجنوب، ويفرض حصارًا على البلاد، وأيضًا عمّا إذا كان “حزب الله” ماضٍ في خياراته الإيرانية. فلبنان اليوم ليس مُحصَّنًا أمام حرب إسرائيلية جديدة، وهو مكشوف خارجيًا في غياب مظلة عربية ودولية تُسعِفُ الدولة على استعادة قرارها وتجنيب البلد كوارث جديدة، إذ على الرغم من الحركة الديبلوماسية الكثيفة والاتصالات الدولية، يستمرُّ رهان الدولة على الأميركيين للضغط من أجل منع إسرائيل من توسيع عملياتها، وإن كانت واشنطن تتشدد مع لبنان وتضغط لتنفيذ قرارات حصر السلاح والذهاب أكثر في إجراءاتٍ ضد بنية “حزب الله”. إنَّ لبنان في هذه الحالة متروكٌ لمصيره بين تهديدات إسرائيلية وضغوط أميركية وتوظيفات إيرانية، مع عجزٍ داخلي عن بلورة موقف وطني جامع يتجاوز المرحلة الخطرة التي تعصف بالمنطقة.

لا يمكن التعامل مع السيناريو الذي أوردته صحيفة “معاريف” الإسرائيلية بوصفه مجرد تفصيل عابر، حتى وإن كان يتناول خططًا عسكرية لم تدخل حيّز التنفيذ. فهو يكشف عن الاتجاه الذي قد تسلكه المواجهة، واحتمالات توسيع إسرائيل عملياتها العسكرية، ولا سيما إذا أقدم “حزب الله” على خطوات تمنحها ذريعة لشنِّ حربٍ تدميرية قد تسعى من خلالها إلى رفع سقف شروطها على لبنان وتكريس احتلالها لما يُعرف بـ”المنطقة الصفراء”. وتفرض هذه المخاطر إعادة النظر في المقاربة التي يعتمدها الحزب، كما تستدعي من الدولة اللبنانية مراجعة المسار الذي سلكته في المفاوضات. فاحتمال اندلاع حرب جديدة، مهما اختلف حجمها أو نطاقها، يجعل العودة إلى مرجعية الدولة ومؤسساتها ضرورة ملحّة، ويضع على عاتق “حزب الله” مسؤولية خاصة، تبدأ بتسليم سلاحه إلى الدولة، أو على الأقل إسناد القرار العسكري والأمني إليها، بعدما بات استخدام هذا السلاح، في الممارسة الفعلية، مرتبطًا بحسابات تتجاوز مقاومة الاحتلال الإسرائيلي للبنان.

قد لا تترجم إسرائيل الخطط العسكرية المطروحة، لكن استمرار العمليات في المنطقة المتاخمة للخط الأصفر يبقي الجنوب تحت الحصار ويضغط على الدولة ويستنزف لبنان. لكن إسرائيل لا تكرر إدخال قواتها لاحتلال المدن مثل صور وصيدا والنبطية، إنما تشن حربًا تدميرية عليها وتحاصرها وتهجر سكانها. هي لن تعيد سيناريو اجتياح 1982 عندما وصلت الى العاصمة بيروت، بل تقضم المساحات وتثبت احتلالها وتدمير القرى وتهجير سكان، فحذار من استدراج إسرائيل إلى حرب تدميرية لا قدرة على لبنان من النهوض بعدها.

↑
Exit mobile version