كيف صنع ترامب “بلونامي” أميركا؟

محمّد قوّاص*

تمكّن الرئيس الأميركي دونالد ترامب (من حيث يدري) من إهداء الحزب الديموقراطي الأميركي “تسونامي” انتخابيًا في انتخابات التجديد النصفي التي جرت الثلاثاء الفائت، ومكّنتهُ نتائجها من السيطرة على السلطة التشريعية بعد فوزه بمجلسَي النواب والشيوخ في الكونغرس. صوّت الناخبون ضد ترامب والترامبية، التي تدحرجت شعبيتها منذ عودته إلى البيت الأبيض قبل عامين، إلى درجة أن سياساته أخذت تنعكس سلبًا على المستوى المعيشي للناخب الذي كان منحه عام 2024 وبكثافة تصويتًا شعبيًا كاسحًا لم ينله في ولايته الأولى.

سقطت ولايات أميركية لطالما كانت تاريخيا “حمراء” بقي بعضها جمهوريا لعقود. حقق الديموقراطيون “بلونامي” بحيث ساد اللون الأزرق على خريطة أميركا السياسية.

وفيما يرى ترامب بأنَّ إيران والحرب معها كانتا عاملًا أساسيًا في قلب مزاج الناخب الأميركي، فإنَّ العارفين ببواطن الأمور يحيلون تلك النكسة إلى قرارات الرئيس فرض تعريفات جمركية على دول كثيرة، معتبرًا الأمر “نصرًا” للولايات المتحدة، وتحصيلًا لحقوق، وترميمًا لغبن، وإحقاقًا لعدل. دفعت أميركا بعد ذلك ثمن ذلك، وشعر المستهلك/الناخب الأميركي بتعريفات بلاده تقتحم حياته وتنال من قوته الشرائية.

استخدم ترامب خطابًا يمينيًا متطرفًا لامس حدود العنصرية. عبّر الأميركيون عن تحسُّسٍ يرقى إلى مستوى الاستنكار حين صوّت أهل نيويورك لصالح المسلم زهران ممداني عمدة العام الماضي وحين صوّت أهل ميتشيغان للمسلم عبد الرحمن السيد ليمثّلهم في مجلس الشيوخ مسجّلًا بذلك سابقة تاريخية. وفيما أنَّ المسلمين في ميتشيغان يشكلون نسبة هامشية للمصوتين في الولاية، فإنَّ في تلك النكسات الترامبية الهوياتية ما يكشف عما تطوّر وتغيّر في وعي المجتمع الأميركي وثقافته السياسية، قد يشبه تصويت أهل لندن في بريطانيا لمسلم عمالي عمدة لمدينتهم لثلاث ولايات حتى الآن.

قالت منابر جمهورية إنَّ “الحزب لا يعرف ماذا حدث”. وفي هذا القصور في توقّع ما سبق لاستطلاعات الرأي أن استشرفته صورة عن حالة الشلل التي أصابت الحزب الأميركي العريق الذي استسلم تمامًا لمواهب ترامب وهممه لسَوق الجمهوريين نحو المآلات الإيجابية والسلبية. وبدت الصدمة بطعم الصفعة، إلى درجة أنَّ ترامب نفسه سارع إلى الإقرار بها، مبرّرًا حدّتها، مفسّرا ديناميتها، نائيًا بالنفس تمامًا عن أيِّ مسؤولية وراءها. قال ببساطة “لم يكن اسمي على بطاقة الاقتراع”.

استثمر ترامب كثيرًا على المستوى الشخصي لمنع الكارثة. قفز من ولاية إلى أخرى مُستنهضًا مناصريه، محرِّضًا الأميركيين على الوقوف في وجه “الأخطار” الديموقراطية. أغراهم بالمال بما يمكن أن يعتبر إخلالًا بقوانين الاقتراع وأخلاقها. كان استخف قبل أشهر بتلك الانتخابات، واعتبر أنه ليس مرشحًا ولا تؤثر في قراراته، ليعود، ربما متأخّرًا، لكن مستخدما الأبجديات والحجج والأدوات نفسها التي بدا أنها صارت متقادمة في الأسواق. جاءت النتائج مخيبة ولا يمكن قراءتها إلّا خسارة مدوية لترامب شخصيًا وربما للترامبية من بعده.

سيقرأ العالم انتخابات أميركا على هواه. ابتسمت عواصم أوروبية للنتائج لعلها تعيد أميركا إلى تقاليدها في علم الأحلاف. بدا أنه صار للأوروبيين حلفاء داعمون داخل كونغرس واشنطن. حملت النتائج أخبارًا سيئة لليمين المتطرف والتيارات الشعبوية في العالم، في أوروبا خصوصًا التي قد تتأثر بها استحقاقات الاقتراع المقبلة، التشريعية في إسبانيا نهاية هذا الشهر والرئاسية في فرنسا في ربيع العام المقبل.

ولا ريب أنَّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نظر بعين القلق لصناديق أميركا فيما استبشر عدوه فولوديمير زيلينسكي خيرًا من عودة الديموقراطيين الذين ناصروه في عهد جو بايدن بمواجهة بداية الغزو الروسي عام 2022.

لم تحمل انتخابات أميركا أخبارًا سعيدة لبنيامين نتنياهو. بدا أبعد من أن يستعيد منصبه رغم أنه “تخادم ” مع ترامب في ما أعلنه الأخير عن توافق الرجلين على وقف مساعدات أميركا لإسرائيل. بدا الأمر سوقيا في توقيته وأغراضه الانتخابية.

بالمقابل تقرأ إيران الحدث بحبور. تعتبر نفسها مسؤولة تقف وراءه. يراه رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف تصويتًا أميركيًا ضد الحرب. تعوّل عليه للخروج من المأزق. لكن طهران تقرأ العالم بشكل مشوه وتقرأ أميركا بشكل سيئ. فإيران قضية تقف وراءها الدولة العميقة في الولايات المتحدة سواء حكمها هذا أو ذاك. عوّلت إيران قبل ذلك على الديموقراطي جو بايدن فلم يستجب لتعويلها وربما قادها إلى الحرب التي شنّها ترامب عليها.

↑
Exit mobile version