من روسيا إلى لبنان: كيف دخل “أسطول الظل” إلى فاتورة الكهرباء؟

ما بدأ حلًّا لأزمة الكهرباء اللبنانية يكشف اليوم صلاتٍ بشبكات “أسطول الظل” التي تنقل النفط الروسي عبر شركات وناقلات ومسارات معقّدة. وبين شبهات تغيير المنشأ وفوارق الأسعار، يبرز السؤال الأهم: مَن كان يحرس المال العام اللبناني؟

في البحر تُنقل الشحنة، وفي الأوراق قد يتغيّر المنشأ. وبين الاثنين يبقى السؤال اللبناني: مَن قبض فارق السعر؟

رئيف عمرو*

بدأت القصة كحلٍّ لأزمة الكهرباء اللبنانية: فيول عراقي يحصل عليه لبنان بشروطٍ مُيَسّرة، ثم يُستبدَل في السوق الدولية بوقودٍ أكثر ملاءمة لمعامله. لكنها تحوّلت، بعد سنوات، إلى قضية تتجاوز المناقصات اللبنانية وحدود البلاد، لتتقاطع مع واحدة من أكثر شبكات تجارة النفط الروسي غموضًا وتعقيدًا في العالم. ولم يعد السؤال فقط: من أين جاء الفيول الذي اشتراه لبنان؟ بل أيضًا: مَن كان يعرف مصدره الحقيقي، ومَن كان مسؤولًا عن التحقق منه، وهل دُفِعَ من المال العام ثمن لسلعة كانت قيمتها الفعلية أقل مما أظهرته أوراقها؟

تكشف وثائق شحن وملفات قضائية لبنانية أنَّ سلسلة توريد الوقود إلى لبنان بين العامين 2023 و2025 تقاطعت مع شركات وناقلات فُرضت عليها لاحقًا عقوبات غربية بسبب صلاتها بتجارة النفط الروسي وشبكات “أسطول الظل”. وتكتسب القضية بُعدًا أكبر بعدما فرضت بريطانيا في شباط (فبراير) 2026 عقوبات على 175 شركة مرتبطة بشبكة “2 Rivers” ، التي وصفتها الحكومة البريطانية بأنها واحدة من أكبر شبكات تشغيل “أسطول الظل” ومن كبار تجار الخام الروسي، إلى جانب استهداف عشرات ناقلات النفط.

لكن هذه الحقيقة تحتاج منذ البداية إلى تمييز بالغ الأهمية: فرض عقوبات على شركة أو سفينة في العام 2026 لا يعني تلقائيًا أنَّ كلَّ تعامل معها في السنوات السابقة كان غير قانوني. كما أنَّ النفط الروسي ليس، في حد ذاته، سلعة محظورة في كل الأسواق وفي جميع الظروف. ولهذا فإنَّ القضية اللبنانية أكثر تعقيدًا من معادلة بسيطة عنوانها “نفط روسي وصل إلى لبنان”.

المسألة الأخطر هي احتمال أن يكون المنشأ الحقيقي لبعض الوقود قد أُخفي أو أعيد توصيفه، وأن تكون سلسلة من الشركات والوسطاء والناقلات وعمليات النقل البحري قد جعلت تتبُّع مصدر السلعة وسعرها الأصلي أكثر صعوبة. وإذا أثبت القضاء اللبناني أنَّ شهادات منشأ استُخدمت لتقديم وقود روسي على أنه مصري أو تركي، فإنَّ السؤال ينتقل فورًا من الجغرافيا إلى المال: لماذا تغيّرت هوية الوقود، ومَن استفاد من ذلك، وهل دفعت الدولة اللبنانية سعرًا أعلى من السعر الذي كان ينبغي أن تدفعه؟

هنا تحديدًا تبدأ الفضيحة الحقيقية.

من الفيول العراقي إلى شبكة عالمية

تعود جذور القضية إلى العام 2021، عندما بدأ العراق تزويد لبنان بزيت الوقود الثقيل في وقت كانت البلاد تغرق في واحدة من أسوأ أزماتها الاقتصادية والمالية، وكانت مؤسسة كهرباء لبنان عاجزة عن تأمين ما يكفي من الوقود لتشغيل معاملها. وقد وفر الاتفاق العراقي للبنان متنفسًا مهمًا، لكنه حمل مشكلة تقنية: الوقود العراقي لم يكن ملائمًا مباشرة لتشغيل بعض المعامل اللبنانية، ما استدعى مبادلته في السوق الدولية بمنتجات نفطية مطابقة للمواصفات المطلوبة.

في ظاهرها، كانت الآلية منطقية: يحصل لبنان على مورد نفطي بشروط ميسّرة، ثم يستخدم قيمته للحصول على الوقود الذي يحتاج إليه فعليًا. لكن المبادلة أوجدت في الوقت نفسه سلسلة طويلة بين الدولة اللبنانية والبرميل الذي يصل في النهاية إلى خزانات معامل الكهرباء: شركة تفوز بالمناقصة، ومورد يبيعها الوقود، وشركة شحن، وناقلة، وميناء تحميل، وشهادة منشأ، وربما ناقلة أخرى تنقل إليها الحمولة في عرض البحر.

وكل حلقة إضافية في هذه السلسلة لم تكن تعني فقط طرفًا تجاريًا جديدًا، بل كانت تعني أيضًا طبقة إضافية ينبغي للدولة أن تكون قادرة على اختراقها رقابيًا. فالسؤال لم يعد هل وصلت الكمية المطلوبة وفي الموعد المحدد، بل من أين جاءت أصلًا، ومَن كان يملكها في كل مرحلة، وبأيِّ سعر انتقلت من طرف إلى آخر.

المعلومات التي أصبحت موضع تحقيق في لبنان تثير شبهات حول وصول وقود روسي إلى البلاد بعد تقديمه في بعض الحالات على أنه من منشأ آخر، بينها مصر وتركيا. وإذا ثبت ذلك، فإنَّ المسألة تتجاوز خللًا في أوراق مناقصة. فتغيير المنشأ قد يحجب السعر الحقيقي للمنتج، وهوية مورده الأول، والطريق التي سلكها، وربما الفارق بين ما دفعه المشتري الأول وما دفعته الدولة اللبنانية في نهاية السلسلة.

وهنا تدخل منظومة سقف أسعار النفط الروسي في الصورة.

فالعقوبات التي أعقبت الحرب الروسية على أوكرانيا لم تُنشِئ حظرًا عالميًا مطلقًا على بيع النفط الروسي. واعتمدت مجموعة السبع وحلفاؤها نظامًا يسمح بتوفير خدمات بحرية ومالية وتأمينية مرتبطة بتجارة النفط والمنتجات النفطية الروسية إلى دول ثالثة ضمن شروط محددة، في مقدمها احترام سقف السعر المقرر وعدم التعامل مع جهات محظورة. وتوضّح وزارة الخزانة الأميركية أنَّ بعض الخدمات المرتبطة بالنقل البحري للمنتجات الروسية يمكن أن تكون مسموحة عندما تقع الصفقة ضمن الحدود والشروط المقررة.

من هنا، فإنَّ السؤال الصحيح في لبنان ليس: هل كان الوقود روسيًا؟ السؤال هو: إذا كان روسيًا، فلماذا كان هناك ما يستدعي إخفاء ذلك؟

وإذا أثبت التحقيق أنَّ منتجًا روسيًا اشتُري بسعر يعكس القيود المفروضة على تجارته، ثم اكتسب في مكان ما على طول الطريق شهادة منشأ مختلفة قبل أن يُباع إلى لبنان بسعر أعلى، فإنَّ فارق السعر يصبح جوهر القضية. فالدولة اللبنانية عندئذ لا تكون قد اشترت مجرد وقود مرَّ بسلسلة توريد معقدة، بل ربما تكون قد دفعت ثمنًا إضافيًا لأنَّ الهوية التجارية للسلعة عند نهاية الرحلة لم تعد تكشف حقيقتها عند بدايتها.

وهذا الفارق، إذا ثبت وجوده، ليس رقمًا محاسبيًا هامشيًا. ففي بلد يعاني عجزًا ماليًا مزمنًا، ويعتمد قطاع كهربائه منذ سنوات على الخزينة والمساعدات والترتيبات الاستثنائية، يمكن لعشرات الملايين من الدولارات أن تتحوّل من هامشٍ تجاري إلى قضية مال عام.

من هنا يصبح السؤال الذي ينبغي أن تعيد التحقيقات بناءه شحنةً شحنة وصفقةً صفقة: كم كان سعر الوقود عندما خرج من مصدره الأول، وكم أصبح عندما وصل إلى لبنان، ومَن حصل على الفارق بين السعرين؟

عندما تختفي هوية النفط في البحر

لفهم ما قد يكون حدث، لا بد من فهم طبيعة “أسطول الظل” نفسه.

فالاسم يوحي أحيانًا بوجود أسطول منظَّم يحمل علمًا واحدًا ويعمل تحت إدارة واحدة، بينما الواقع أكثر تشعّبًا. “أسطول الظل” هو في جوهره بيئة بحرية وتجارية موازية تضم سفنًا وشركات ووسطاء وهياكل ملكية وإدارة تسمح باستمرار حركة النفط الروسي خارج جزء كبير من قنوات التجارة الغربية التقليدية، وخصوصًا عندما يصبح التأمين والتمويل والشحن الخاضع للولايات القضائية الغربية أكثر صعوبة.

وفي هذه البيئة تصبح الشفافية نفسها جزءًا من المعركة.

يمكن للسفينة أن تغيّر علمها أو اسمها أو الشركة التي تديرها. ويمكن للشركة المالكة أن تكون مسجّلة في ولاية قضائية مختلفة عن الشركة التي تدير العمليات التجارية. ويمكن للحمولة أن تنتقل من ناقلة إلى أخرى قبل الوصول إلى وجهتها النهائية. ويمكن أن يتوقف نظام التعريف الآلي” AIS” فترة من الزمن أو تظهر في السجلات تحركات تحتاج إلى تفسير.

لهذا حددت السلطات الأميركية مجموعة من مؤشرات الخطر المرتبطة بالالتفاف على العقوبات، بينها التلاعب بنظام التعريف الآلي للسفن، وتزوير وثائق السفينة أو الحمولة، وعمليات النقل من سفينة إلى أخرى، والمسارات البحرية غير المعتادة، وتغيير الأعلام، وتعقيد هياكل الملكية والإدارة. ولا تعني أي ممارسة من هذه الممارسات، منفردة، وجود مخالفة بالضرورة؛ فالنقل بين السفن مثلًا ممارسة طبيعية في أجزاء كثيرة من تجارة النفط العالمية. لكن اجتماع مؤشرات عدة في رحلة واحدة يفرض مستوى أعلى من التدقيق والعناية الواجبة.

وهذه النقطة أساسية في القضية اللبنانية لأنَّ إحدى السفن التي دخلت دائرة التحقيق هي الناقلة الفيتنامية “TM Hai Ha 568″، التي ارتبطت رحلتها بعمليات نقل بين السفن قبل وصول الوقود إلى لبنان. ويحقق القضاء اللبناني في شبهات تتعلق بمسار الحمولة والمنشأ المُعلَن لها، وهي شبهات ينبغي أن تبقى في إطارها القضائي إلى أن تثبت أو تُنفى.

لكن أهمية الناقلة لا تكمن فقط في رحلتها إلى لبنان، بل في الصورة الأكبر التي ظهرت لاحقًا حول السفن والشركات العاملة في هذا العالم.

ففي شباط (فبراير) 2026، استهدفت بريطانيا شبكة “2 Rivers”، المعروفة سابقًا باسم ” Coral Energy Group”، بحزمة عقوبات واسعة لم تقتصر على ناقلات منفردة، بل شملت 175 شركة قالت السلطات البريطانية إنها مرتبطة بالشبكة، إلى جانب 48 ناقلة نفط ضمن الحزمة الأوسع ضد المصالح الروسية. وهذا الحجم يكشف أنَّ التعامل مع “أسطول الظل” لا يدور حول سفينة مشبوهة هنا أو شركة غامضة هناك، بل حول منظومات تجارية قادرة على إعادة تشكيل نفسها باستمرار.

من بين الشركات التي أصبحت لاحقًا خاضعة للعقوبات البريطانية “LINXOIL Global Trading FZE”، التي تظهر في سلسلة توريد مرتبطة بإحدى الشحنات المتجهة إلى لبنان في العام 2025. وأدرجتها بريطانيا على قائمة العقوبات في 24 شباط (فبراير) 2026، مشيرة إلى أسباب معقولة للاشتباه في ارتباطها بطاهر غاراييف، المرتبط بدوره وفق السلطات البريطانية ب”كورال إينرجي” (Coral Energy).

لكن هنا يجب مقاومة الإغراء الصحافي بالقفز من المعلومة إلى الإدانة.

فالشركة لم تكن خاضعة للعقوبات البريطانية المشار إليها عندما تمت الصفقة في العام 2025. وبالتالي فإنَّ وجود اسمها لاحقًا على قائمة العقوبات لا يجعل الصفقة السابقة مخالفة بأثرٍ رجعي، ولا يثبت أنَّ الشركات التي تعاملت معها كانت تعلم بما ستقرره السلطات البريطانية بعد ذلك.

غير أنَّ ذلك لا يلغي سؤالًا مختلفًا وأكثر أهمية بالنسبة إلى لبنان: ما الذي كان يمكن معرفته في ذلك الوقت لو جرى التدقيق بما يتجاوز قوائم العقوبات الرسمية؟

فالعناية الواجبة في تجارة بملايين الدولارات لا تعني فقط إدخال اسم الشركة في قاعدة بيانات للتأكُّد من أنها ليست محظورة. إنها تعني معرفة الطرف المقابل، والملكية الفعلية، وسجل المورد، وميناء التحميل، وتاريخ الناقلة، ومسار الرحلة، ووثائق المنشأ، والعلاقات التجارية التي تقف خلف الصفقة. كما تتطلب الانتباه إلى أيِّ تغيّرات أو أنماط غير معتادة يمكن أن تستدعي تحقيقًا إضافيًا. وهذا هو المنطق الذي تقوم عليه إرشادات الامتثال المتعلقة بتجارة النفط الروسي وسلاسل التوريد البحرية.

وبذلك تصبح العقوبات التي فُرضت لاحقًا ذات أهمية لا لأنها تُثبتُ أنَّ الصفقات اللبنانية السابقة كانت غير قانونية، بل لأنها تكشف نوع الشبكة التي كانت موجودة خلف بعض حلقات التوريد.

وهذا فرق ٌجوهري.

مَن كان يحرس المال العام؟

هنا ينبغي أن تعود القضية من موسكو ولندن والبحار المفتوحة إلى بيروت.

لبنان لم يكن بحاجة إلى “أسطول ظل” كي تحدث الفضيحة؛ كان يحتاج فقط إلى دولة لا ترى ما وراء شهادة المنشأ.

فإذا كانت العقود التي أبرمتها الدولة تشترط تحديد ميناء التحميل، وتتبع السفينة أثناء الرحلة، واحترام القوانين والمعايير الدولية، فإنَّ وجود الأوراق المطلوبة لا يكفي. السؤال هو: مَن كان يتحقّق من أنَّ ما تقوله الأوراق يُطابق ما حدث بالفعل؟

هناك فارقٌ كبير بين الحصول على شهادة منشأ وبين التحقّق من المنشأ.

وفي تجارة النفط الحديثة، لم يعد هذا التحقق مستحيلًا. يمكن مراجعة تاريخ الناقلة، والموانئ التي زارتها، وحركتها البحرية، وتوقف إشاراتها، وعمليات النقل المحتملة بينها وبين سفن أخرى، والتغيّرات في ملكيتها وإدارتها وأعلامها. ويمكن التدقيق في الشركة التي باعت الحمولة، ثم في المورد الذي باعها لهذه الشركة، وفي المالك الفعلي للشركات متى كانت البيانات متاحة.

قد لا تستطيع الدولة دائمًا الوصول إلى المصدر الأول بيقينٍ كامل، وخصوصًا في شبكات مُصَمَّمة أصلًا لزيادة الغموض. لكنها تستطيع أن تعرف متى تصبح درجة الغموض مرتفعة إلى حدٍّ يفرض عليها التوقف وطلب المزيد من الإثباتات.

وهنا تظهر المشكلة اللبنانية في بُعدِها الأعمق.

فإذا كانت الدولة قد اكتفت بالوثيقة الأخيرة في سلسلة التوريد من دون امتلاك القدرة المؤسسية على فحص ما وراءها، فإنَّ الخلل لا يعود مجرد احتمال فساد في صفقة واحدة. إنه خلل في الطريقة التي تدير بها الدولة مشترياتها الاستراتيجية في سوق عالمية أصبحت فيها السلعة الواحدة قادرة على تغيير هويتها التجارية مرات عدة قبل وصولها إلى المشتري النهائي.

وهذا ما يجعل قضية الفيول مختلفة عن كثير من ملفات الفساد اللبنانية التقليدية. فالصورة المعتادة للفساد في لبنان محلية: وزارة، سياسي، متعهّد، عمولة أو صفقة مشبوهة. أما هنا، فإنَّ لبنان يظهر كمشترٍ في الطرف الأخير من شبكة تمتد عبر دول وشركات وناقلات وموانئ ووسطاء، داخل سوق أعادت الحرب والعقوبات تشكيل قواعدها.

والدولة الضعيفة تصبح في مثل هذه السوق هدفًا سهلًا، ليس بالضرورة لأنها تقرر خرق العقوبات أو الدخول في تجارة غير مشروعة، بل لأنها قد لا تملك المؤسسات القادرة على معرفة مَن يقف فعلًا على الطرف الآخر من الصفقة.

لكن القضية لا ينبغي أن تتوقف عند سؤال الامتثال. فبالنسبة إلى اللبناني الذي دفع ثمن انهيار الكهرباء من دخله ومدخراته ومستوى معيشته، هناك سؤال أكثر بساطة: مَن استفاد؟

إذا أثبت التحقيق أنَّ وقودًا روسيًا اشتُري بسعر منخفض ثم أعيد تقديمه بوثائق منشأ مختلفة وبِيع إلى لبنان بسعر أعلى، فلا يكفي إثبات أنَّ الشهادة كانت غير صحيحة. المطلوب إعادة بناء الحركة المالية الكاملة لكل شحنة: سعر الشراء الأول، وسعر إعادة البيع، وكلفة الشحن، وعمولات الوسطاء، وكلفة المبادلة، والسعر الذي احتسب في النهاية على الدولة اللبنانية.

فمن دون تتبُّع المال، يمكن كشف التزوير من دون كشف الفضيحة.

وهذا هو الجانب الذي ينبغي أن يكون في صلب التحقيق القضائي والرقابة المالية معًا. فالسؤال عن المنشأ يقود إلى السؤال عن السعر، والسؤال عن السعر يقود بالضرورة إلى المستفيد.

وقد بدأت في لبنان تحقيقات قضائية في أكثر من ملف مرتبط بالقضية، وتتناول هذه التحقيقات شبهات بممارسات احتيالية وفساد وإثراء غير مشروع مرتبطة ببعض الشركات والصفقات. لكن هذه الملفات ما زالت في مسار التحقيق، ولم تصدر أحكام تثبت المسؤولية الجنائية للأطراف المعنية. وهذه نقطة ينبغي ألّا تضيع وسط خطورة المعلومات المتداولة.

المسؤولية الجنائية يحددها القضاء. أما المسؤولية السياسية والإدارية، فالسؤال عنها مشروع منذ الآن.

من حقِّ اللبنانيين أن يعرفوا كيف كانت وزارة الطاقة والجهات المعنية بمناقصات الوقود تتحقق من المصدر الحقيقي للشحنات. ومن حقهم أن يعرفوا ما إذا كانت هناك جهة مستقلة تُراجع بيانات السفن وشهادات المنشأ وسلسلة المورّدين، أم أنَّ الدولة كانت تعتمد أساسًا على المستندات التي يقدمها المتعهّد الذي يريد قبض ثمن الصفقة.

ومن حقهم، قبل كل ذلك وبعده، أن يعرفوا كم دفع لبنان وكم كان ينبغي أن يدفع.

فهذه ليست قضية تقع في بلد يتمتع بفائض مالي ويمكنه اعتبار بضعة ملايين أو عشرات الملايين من الدولارات خسارة يمكن استيعابها. إنها تقع في لبنان الذي انهارت عملته، وتعثّر نظامه المصرفي، واستنزفت الكهرباء موارده لعقود، فيما اضطر المواطن إلى دفع فاتورتين للطاقة: واحدة للدولة وأخرى للمولد الخاص.

لهذا فإنَّ أيَّ دولار إضافي يكون لبنان قد دفعه نتيجة تضخيم سعر، أو تزوير منشأ، أو قصور في الرقابة، لا يمثل مجرد هامش ضائع في صفقة تجارية. إنه جزء من كلفة انهيار دولة لم تستطع تأمين الكهرباء لمواطنيها، لكنها ظلت قادرة على إنفاق المال للحصول على الوقود.

والدرس يتجاوز هذه الشحنات إلى الطريقة التي ينبغي أن تدير بها الدولة اللبنانية مشترياتها مستقبلًا.

لقد أظهر اقتصاد “أسطول الظل” قدرة كبيرة على التكيُّف. عندما تُعاقَب سفينة، تظهر أخرى. وعندما تصبح شركة معروفة، تنتقل بعض الأعمال إلى شركات مختلفة. وتتغير الأعلام وهياكل الملكية ومسارات التجارة، فيما يصبح التحقق من المستفيد الحقيقي أكثر صعوبة. والحجم الهائل للعقوبات البريطانية التي استهدفت شبكة “2 Rivers” في 2026 يقدم مثالًا على مدى اتساع هذه البنية.

ولا يعني ذلك أنَّ على لبنان أن يتحوّل إلى شرطي للعقوبات الغربية، أو أن يتبنّى سياسة الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي تجاه روسيا. فهذه ليست القضية.

المطلوب من لبنان هو حماية مصلحته هو.

عندما تشتري الدولة وقودًا بمئات الملايين من الدولارات، يجب أن تعرف مصدره، والشركة التي باعته، والمالك الحقيقي لهذه الشركة، والسفينة التي نقلته، والطريق التي سلكها، والعمليات التي أجريت على الحمولة، والسعر الذي انتقلت به من طرف إلى آخر، وأسباب أي فارق كبير بين سعر المصدر والسعر النهائي.

هذه ليست متطلبات جيوسياسية. إنها أبسط قواعد حماية المال العام.

لقد نجح “أسطول الظل” في التوسع لأنَّ تجارة النفط العالمية تمنحه شيئًا بالغ القيمة: المسافة. فكلما زادت المسافة القانونية والتجارية بين المنتج الأول والمشتري الأخير، ازدادت القدرة على إخفاء المنشأ والملكية والسعر.

وفي الحالة اللبنانية، يبقى على القضاء أن يحدد ما إذا كان هذا الغموض قد استُخدم للاحتيال على الدولة، ومَن شارك فيه، ومَن استفاد منه. كما يبقى عليه أن يحدد ما إذا كانت المخالفات المشتبه فيها حالات منفردة أم جزءًا من نمط امتد عبر أكثر من شحنة وأكثر من شركة.

لكن مهما تكن النتائج القضائية، فإنَّ القضية كشفت بالفعل مشكلة أكبر من ناقلة أو شهادة منشأ أو متعهد.

فالدولة التي لا تعرف الطريق الذي سلكته السلعة التي تشتريها، ولا تستطيع الوصول إلى سعرها ومصدرها الحقيقيين، لا تكون فقط معرضة للاحتيال. إنها تمنح الآخرين القدرة على تحديد مقدار ما تعرفه عن الصفقة التي تدفع ثمنها.

وهذا ربما يكون أخطر ما تكشفه قضية الفيول.

فكيف يمكن لبلد أن يحمي ماله العام إذا كان يعرف السعر الذي يدفعه، ولا يعرف على وجه اليقين ما الذي يدفع ثمنه؟

  • رئيف عمرو هو مراسل “أسواق العرب” في بيروت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى