مَن سيبني المشرق العربي؟ (2 من 6)

الحروب التي تعصف بالمشرق العربي لم تنتهِ بعد، لكنَّ الصراعَ على ما سيأتي بعدها بدأ بالفعل. في هذه السلسلة نسأل: مَن سيعيد بناء دول المشرق واقتصاداته، ومَن سيموّل نهوضه، وأي توازنات ستُحدد موقعه في النظام الإقليمي المقبل؟

دمارُ المدن في المشرق العربي يُعيدُ طرح السؤال الأصعب: كيف تُبنى الدولة؟

الحلقة الثانية

إعادةُ الإعمار أم إعادةُ بناءِ الدولة؟

 

كابي طبراني*

حين تتوقّف الحروب، أو تبدأ في الانحسار، يتجه السؤال عادة إلى حجم الدمار وكلفة إعادة البناء: كم تحتاج المدن المُدَمَّرة؟ مَن سيُمَوِّل إعادة الإعمار؟ وأيُّ دولٍ أو مؤسّسات دولية ستدفع الفاتورة؟

لكن تجارب العقود الماضية تقول إنَّ المال، على أهميته، ليس بالضرورة العامل الحاسم في نجاح مرحلة ما بعد الحرب. فهناكَ دولٌ حصلت على موارد مالية ضخمة، لكنها بقيت أسيرة أزماتها، فيما استطاعت دولٌ أخرى أن تُحوِّلَ الدمار إلى نقطةِ انطلاق لمسارٍ اقتصادي وسياسي جديد.

الفارق بين التجربتين يبدأ من التمييز بين مفهومَين كثيرًا ما يجري التعامل معهما وكأنهما شيءٌ واحد: إعادة الإعمار وإعادة بناء الدولة.

الأولى تعني إعادة بناء الطرق والجسور والمطارات ومحطات الكهرباء والمساكن والمرافق العامة. أما الثانية فهي عملية سياسية ومؤسّسية أعمق بكثير، تتعلق بإعادة بناء سلطة قادرة على اتخاذ القرار وتطبيق القانون وإدارة الاقتصاد وتقديم الخدمات، واستعادة شرعية الدولة وسيادتها الفعلية وثقة المواطنين والمستثمرين في قدرتها على الاستمرار.

وهنا تكمن إحدى المُعضِلات الكبرى التي سيواجهها المشرق العربي في السنوات المقبلة. فحجمُ الدمار الذي خلّفته الحروب هائل، لكن التحدّي الأكبر قد لا يكون في العثور على الأموال اللازمة لإعادة بناء ما تهدّم، بل في بناء الدولة القادرة على إدارة هذه الأموال وتحويلها إلى تنمية واستقرار.

لماذا تنهض بعض الدول؟

تُقدّمُ تجارب ما بعد الحروب أمثلة كثيرة على الفارق بين إعادة بناء المنشآت وإعادة بناء الدولة.

في ألمانيا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، لم يكن مشروع مارشال وحده ما صنع التحوُّل. فالتمويل الخارجي تزامن مع إعادة بناء المؤسسات، وترسيخ قواعد اقتصاد السوق، وقيام بيئة قانونية وإدارية أعادت الثقة بالنظام الاقتصادي والسياسي. ولم يكن المال بديلًا من الدولة، بل أداة عملت من خلالها.

وفي اليابان، اقترنت إعادة الإعمار بإعادة بناء مؤسسات الدولة وإعادة هيكلة الاقتصاد. ولم يكن النهوض نتيجة تدفّق الأموال وحده، بل نتيجة قدرة مؤسّساتية متنامية على توجيه الموارد نحو الصناعة والبنية التحتية والتعليم والتكنولوجيا.

وبدرجاتٍ وظروفٍ تاريخية مختلفة، تظهر أهمية المؤسسات أيضًا في تجارب مثل كوريا الجنوبية وفيتنام ورواندا، وحتى في تجارب التحوُّل التنموي مثل سنغافورة. لا توجد وصفة واحدة تجمع هذه الحالات، ولا يمكن نقل تجربة من بلدٍ إلى آخر بصورةٍ ميكانيكية. لكن القاسم المشترك بينها هو أنَّ رأس المال يصبح أكثر قدرة على إنتاج التنمية عندما يجد دولة قادرة على تحديد الأولويات وتنفيذها والاستمرار فيها.

وهذا ربما يكون الدرس الأهم للمشرق العربي اليوم.

فالأموال قد تُعيدُ بناء مدينة، لكنها لا تبني دولة.

وقد تكون إعادة بناء الأبراج والمطارات والطرق أسرع بكثير من إعادة بناء القضاء والإدارة العامة والمؤسسات الرقابية والثقة السياسية. لكن من دون هذه المؤسسات، يمكن أن تتحوّلَ مليارات الإعمار نفسها إلى مصدرٍ جديد للهدر والفساد والمحاصصة، أو إلى وقودٍ يُعيدُ إنتاجَ النظام الذي ساهم أصلًا في الوصول إلى الأزمة.

وهنا يتغير السؤال من: كم نحتاج لإعادة الإعمار؟ إلى: أي دولة ستُديرُ إعادةَ الإعمار؟

عندما يسبق الإعمار بناء الدولة

يُقدّمُ العراق أحد أكثر الأمثلة وضوحًا على هذه المُعضِلة. فقد تدفقت بعد عام 2003 موارد مالية هائلة، سواء من العائدات النفطية أو من الإنفاق الأميركي والدولي، لكن ضعف المؤسسات والانقسامات السياسية والفساد وتعدُّد مراكز القوة حدّت من قدرة الدولة على تحويل هذه الموارد إلى عملية تحوُّل اقتصادي ومؤسّسي مُستدامة.

أُعيد بناء منشآت وطرق ومؤسسات، لكن إعادة بناء الدولة نفسها بقيت أكثر تعقيدًا. وفي كثير من الأحيان، بدت إعادة الإعمار وكأنها تتقدّم بوتيرة أبطأ من إعادة إنتاج الأزمات.

أما لبنان، فيُقدّم نموذجًا مختلفًا ولكنه لا يقل دلالة. فبعد الحرب الأهلية أُعيد بناء أجزاء واسعة من بيروت والبنية التحتية، وعاد رأس المال والتدفقات المالية. غير أنَّ غيابَ الإصلاح المؤسسي، واستمرار ازدواجية القرار السياسي والأمني وتشظّي السيادة، وتراكم الاختلالات المالية والإدارية، جعل الاقتصاد والدولة أكثر هشاشة أمام الأزمات المتلاحقة.

والنتيجة أنَّ ما بُني ماديًا لم يكن كافيًا لحماية النظام الاقتصادي والسياسي عندما انفجرت أزماته البنيوية.

هذه التجارب تكشف مشكلةً أعمق في مفهوم إعادة الإعمار نفسه. فالطريق الجديد لا يُعوّض غياب الإدارة القادرة على صيانته، ومحطة الكهرباء الجديدة لا تحلُّ أزمةَ قطاعٍ يعاني من خللٍ مؤسسي ومالي، والاستثمار الخارجي لا يستطيع وحده خلق الاستقرار إذا بقي المستثمر غير واثق بالقانون أو القضاء أو القرار السياسي.

بمعنى آخر، يمكن إعادة بناء البنية التحتية داخل دولة ضعيفة، لكن هذه البنية ستبقى بدورها رهينة ضعف الدولة.

أما سوريا، فإنَّ حجمَ الدمار الذي خلفته الحرب يجعل اختزال المرحلة المقبلة في إعادة الإعمار أمرًا سابقًا لأوانه. فالسؤال لا يتعلق فقط بمَن سيُعيدُ بناء المدن والمنشآت، بل بنوعية المؤسّسات التي ستدير الدولة، وبالقواعد السياسية والاقتصادية التي ستُحدّد العلاقة بين السلطة والمجتمع وبين الدولة ورأس المال.

وفي غزة تبدو المُعضلة أكثر حدة. فإعادة بناء المساكن والمستشفيات والمدارس والبنية التحتية ستكون عملية هائلة ومعقدة، لكن السؤال السياسي سيبقى سابقًا على السؤال الهندسي: مَن سيُدير غزة؟ ومَن سيضمن الأمن؟ وما الإطار السياسي والقانوني الذي سيحكم إعادة البناء؟

لذلك فإنَّ “اليوم التالي” للحروب لا يبدأ بالجرافات وحدها.

إنه يبدأ بالسؤال عن الدولة التي ستأتي بعدها.

ما بعد الحرب… معركة بناء الدولة

إذا دخل المشرق العربي خلال السنوات المقبلة مرحلة واسعة من إعادة البناء، فإنها ستكون واحدة من أكبر عمليات التحوُّل الاقتصادي والمؤسسي التي شهدتها المنطقة في تاريخها الحديث. وستحتاج إلى استثمارات هائلة تمتد على سنوات طويلة في الإسكان والطاقة والنقل والمياه والتعليم والصحة والبنية الرقمية.

لكن وجود الحاجة إلى الاستثمار لا يعني تلقائيًا وجود البيئة القادرة على استيعابه.

فالمستثمر، سواء كان دولة أو صندوقًا سياديًا أو شركة دولية، لا يبحث فقط عن سوق تحتاج إلى الإعمار. إنه يبحث أيضًا عن بيئة قانونية مستقرة، ومؤسسات قادرة على تنفيذ العقود، ونظام مالي يمكن التعامل معه، وسلطة تستطيع حماية المشاريع وضمان استمراريتها.

وهنا يظهر الفارق بين “الحاجة إلى رأس المال” و”القدرة على جذب رأس المال”.

فالبلد الأكثر دمارًا ليس بالضرورة البلد الأكثر قدرة على جذب الاستثمار. وقد يملك اقتصادٌ ما فرصًا هائلة لإعادة البناء، لكنه يبقى عاجزًا عن تحويل هذه الفرص إلى استثمارات إذا كانت المخاطر السياسية والقانونية والمؤسساتية أكبر من العائد المتوقع.

ولهذا فإنَّ رأس المال ينجذب إلى الدولة القادرة على إدارة المخاطر، أكثر مما ينجذب إلى حجم الفرص الاقتصادية وحدها.

ومن هذه الزاوية، تبدو إعادة بناء الدولة شرطًا سابقًا، أو على الأقل مسارًا موازيًا، لإعادة الإعمار. فكلما كانت المؤسسات أكثر قدرة وشفافية، ازدادت قدرة الاقتصاد على تحويل الأموال الخارجية إلى استثمارات منتجة بدل أن تتحوّل إلى دورةٍ جديدة من الإنفاق غير المُستدام.

وهنا أيضًا ستتغير طبيعة التمويل الخارجي. فالسؤال في المرحلة المقبلة لن يكون حجم الأموال المتاحة فحسب، بل الشروط المؤسسية والإصلاحية التي سيرتبط بها هذا التمويل. فالدول والمؤسسات التي ستدفع أو تستثمر لن تكون معنية فقط ببناء طريق أو محطة كهرباء، بل بقدرة النظام الذي يتلقى الأموال على حماية الاستثمار وإدارته ومحاسبة المسؤولين عنه.

وهذه نقطة شديدة الأهمية، لأنَّ إعادة الإعمار قد تتحوّل إلى فرصة لإعادة بناء الدولة، لكنها قد تتحول أيضًا إلى وسيلة لإعادة إنتاج النظام السابق بكل اختلالاته.

والفارق بين الاحتمالين سيكون سياسيًا ومؤسساتيًا بقدر ما هو مالي.

الخليج… من المساعدة إلى الشراكة؟

هنا يدخل الخليج العربي إلى المعادلة.

فدول الخليج ستكون، بحكم قدراتها المالية وموقعها الجغرافي وصلاتها الاقتصادية، من أبرز الأطراف القادرة على المشاركة في إعادة بناء المشرق. لكن طبيعة هذه المشاركة قد تختلف جذريًا عما عرفته المنطقة في العقود الماضية.

فإذا كانت مراحل سابقة قد ارتبطت بتقديم الدعم المالي والمساعدات والمنح، فإنَّ المرحلة المقبلة قد تتطلّب شراكة من نوعٍ آخر: استثمارات طويلة الأجل، ومشاريع بنية تحتية، ونقل خبرات، وربط اقتصادات المشرق بشبكات التجارة والطاقة والتمويل الإقليمية.

وهذا التحوُّل ليس تفصيلًا.

فالانتقال من المساعدة إلى الاستثمار يعني الانتقال من تمويل الأزمة إلى محاولة تغيير البيئة التي تنتجها. كما يعني أنَّ الدول التي ستطلب رأس المال الخليجي قد تجد نفسها أمام شروط مختلفة تتعلق بالإصلاح والحوكمة والاستقرار والجدوى الاقتصادية.

وهنا يمكن أن يصبح الاستثمار أداةً لإعادة تشكيل العلاقة بين الخليج والمشرق، لا مجرّد وسيلة لتمويل إعادة إعمار ما دمرته الحروب.

لكن علينا ألّا نسبق الحلقة التالية. فالسؤال عن حجم الدور الخليجي، وعن الصناديق السيادية والممرات الاقتصادية وشروط الاستثمار، يستحق معالجة مستقلة.

المهم هنا هو أنَّ المال الذي سيدخل المشرق لن يعمل في فراغ. وسيكون نجاحه أو فشله مرتبطًا، قبل كل شيء، بنوعية الدولة التي سيجدها أمامه.

الدولة… الاستثمار الأول

قد تبدو هذه الخلاصة متناقضة للوهلة الأولى. فالحديث عن إعادة بناء دول دمرتها الحروب يقود طبيعيًا إلى البحث عن الأموال. لكن التجربة تقول إنَّ أول استثمار تحتاج إليه هذه الدول ليس ماليًا فقط.

إنه الاستثمار في الدولة نفسها.

في الإدارة والقضاء والتعليم والمؤسسات الرقابية والقدرة على التخطيط والتنفيذ، وفي سلطة القانون ووضوح القرار السياسي، وفي استعادة ثقة المواطن بأنَّ الدولة ليست مجرد جهاز لتوزيع الموارد والمناصب، بل مؤسسة تدير المصلحة العامة.

وهذا النوع من البناء أكثر صعوبة من إعادة بناء الجسور.

فالحروب قد تدمّر المدن خلال أشهر، لكن إعادة بناء الاقتصاد والثقة والمؤسسات قد تستغرق سنوات، وربما عقودًا. كما إنَّ الخرسانة يمكن تمويلها بقرض أو منحة، بينما لا يمكن شراء الشرعية أو الكفاءة المؤسسية بالطريقة نفسها.

ولهذا فإنَّ السؤال الحقيقي الذي سيواجه المشرق بعد الحرب لن يكون فقط: مَن سيدفع؟ بل أيضًا: ماذا سيبني هذا المال؟

هل سيعيد بناء البنية التحتية القديمة داخل النظام السياسي والاقتصادي نفسه؟ أم سيصبح جُزءًا من عمليةٍ أوسع لإعادة بناء مؤسسات أكثر قدرة على إدارة الاقتصاد والأمن والخدمات والعلاقة مع المواطن؟

ذلك هو الفارق بين إعادة إعمار ما دمّرته الحرب وبين بناء ما يمكن أن يمنع الحرب التالية.

فالنظام الإقليمي الذي بدأت ملامحه تتشكّل لن يُبنى على الخرسانة وحدها، بل على مؤسّسات فاعلة، واقتصادات منتجة، ودول قادرة على إدارة السلام كما تدير الأمن.

ومن هنا ربما تصبح الدولة نفسها أهم مشروع لإعادة الإعمار.

في الحلقة الثالثة، ننتقل إلى سؤال لا يقل أهمية: إذا كانت الدولة هي شرط النهوض، فمَن سيموّل ولادة المشرق الجديد؟ وهل يتحوّل الخليج، للمرة الأولى، من مموّل لإعادة الإعمار إلى شريكٍ في إعادة تشكيل الاقتصاد الإقليمي؟

  • كابي طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب” الصادِرَين من لندن. ألّفَ خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “شتاء الغضب في الخليج” (1991)، “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وَعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه الإلكتروني: gabrielgtabarani.com أو عبر منصة “إكس” على: @GabyTabarani

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى